شيّعت طهران الأربعاء أحد وجوهها الدينية والسياسية البارزة، وهو آية الله محمود هاشمي شاهرودي، في مأتم حضره معظم المسؤولين الإيرانيين، على رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي.

صورة نشرها موقع مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي أثناء تشييع شاهرودي في طهران
صورة نشرها موقع مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي أثناء تشييع شاهرودي في طهران ()

بعد نحو عامين على رحيل آية الله هاشمي رفسنجاني، خسر النظام السياسي في إيران ركناً آخر من أركانه الرئيسية، بوفاة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام محمود هاشمي شاهرودي (70 عاماً)، إذ كان رفسنجاني شخصية محورية في النظام الإيراني، تدور حوله مواقف وتوازنات سياسية، في حين كانت شخصية شاهرودي مثقلة بحمولتها الدينية، إلى درجة خوّلت إليه أن يكون أحد المرشحين الرئيسيين لخلافة خامنئي، ومرشحاً أوحد أيضاً لأداء دور تاريخي لناحية الجمع بين ولاية الفقيه في إيران ومرجعية النجف في العراق حيث وُلد عام 1948 وكان أحد تلامذة محمد باقر الصدر.

شاهرودي الذي توُفّي الإثنين بعد صراع مع المرض كما ذكر الإعلام الإيراني الرسمي، كان رئيساً للسلطة القضائية لمدة عشر سنوات، انتهت في 2009، نفّذ خلالها عدداً من الإصلاحات التي تضمنت حظر الإعدام رجماً بالحجارة، بدعوى أنّه أضرّ بصورة إيران.

وبتعيينه العام الماضي رئيساً لمجمع تشخيص مصلحة النظام خلفاً للراحل رفسنجاني، حاز على مكانة متقدمة في إيران، لأن من بين صلاحيات المجمع الفصل في النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور. وكان أيضاً عضواً في مجلس صيانة الدستور، ونائباً لرئيس مجلس الخبراء الذي له سلطة اختيار خليفة المرشد الأعلى.

"فعلياً، كان شاهرودي أحد رموز الثورة والجمهورية الإسلامية"، حسبما يقول الصحفي الإيراني سياوش فلاحبور، الذي يضيف في حديث لـTRT عربي أنّه رغم أنّ الرجل "كان ينتمي إلى التيار الأصولي، أو المحافظ، في إيران، فإنّ هذا لم يمنع علاقاته مع التيار المعتدل في البلد، بخاصة مع آية الله هاشمي رفسنجاني، ويُقال إنّه كان ممن دعموا، في مجلس صيانة الدستور، ترشيح الأخير لانتخابات الرئاسة في 2013، وبالتالی كان يمثّل عاملاً للتوازن في النظام برأي كثيرين".

الدور المحوري الذي كان يلعبه شاهرودي ضمن نظام الجمهورية الإسلامية أسّس له منذ مرافقته المرشد علي خامنئي إبّان خلافة الأخير للخميني في نهاية الثمانينيات، وكان السيّد كاظم الحائري ثالثهما. أيضاً كان شاهرودي من المُقدَّرين لدى الخميني.

مع الوقت "أصبح مجتهداً لامعاً وعضواً بارزاً في المجلس الأعلى للحوزة العلمية في قم، والمسؤول عن كل ما يتعلق بمناهج الحوزة الدينية وإدارتها والحفاظ على هُويتها وأصالتها، وهي معقل آيات الله وحجج الإسلام"، حسبما يشرح الكاتب العراقي نجاح محمد علي لـTRT عربي.

على المستوى العملي، لهذه المواقع الدينية والسياسية التي كانت لشاهرودي ترجمتان سياسيتان، الأولى أنّه "أصبح أحد الخيارات الرئيسة لخلافة المرشد الأعلى في إيران رغم أنّه وُلد في العراق وكانت أمامه عقبات كثيرة في هذا المجال"كما ، يقول سياوش فلاحبور. أما الترجمة السياسية الثانية فتتمثّل في دوره العراقي والطموح إلى لعب دور أوّل ضمن مرجعية النجف (وهي نظير مرجعية قم في إيران لدى المذهب الشيعي).

في هذا الصدد يقول الصحفي العراقي مازن الزيدي، إن "المرجع شاهرودي يُعتبر أحد أبرز تلامذة المرجع محمد باقر الصدر، مؤسس حزب الدعوة الإسلامية، في نهاية الخمسينيات"، مضيفاً في حديثه لـTRT عربي، أنه خلال وجود شاهرودي في العراق قُبيل سقوط حكم الشاه في إيران، "كان أحد قيادات حزب الدعوة ورموزه، وتَعرّض للمطاردة والاعتقال والتعذيب".

ويُكمل الزيدي شارحاً أنه عقب سقوط الرئيس صدام حسين عام 2003 "طرح الهاشمي شاهرودي نفسه كمرجع تقليد وفتح مكاتب لتمثيله في عدد من محافظات العراق وفي العاصمة بغداد"، مستدركاً بأن "مرجعيته الدينية واجهت ضغوطاً ومضايقات من حوزة النجف التقليدية المعروفة بحساسيتها إزاء كل ما يرتبط بالنظام الإيراني المبني على ولاية الفقيه".

ويشير نجاح محمد علي إلى أن "طهران تُبدي اهتماماً غير عادي بحاضرة النجف الدينية، وكانت تطمح إلى أن يتمكن شاهرودي من الإمساك بالمرجعية فيها أو أن يصبح واحداً من النافذين هناك، بما يؤهله بعد ذلك لخلافة كل من خامنئي والسيستاني، ويجمع بذلك بين المرجعية الدينية العليا لكل الشيعة في العالم، والقيادة السياسية، أي ولاية الفقيه".

رحل شاهرودي ولم يتحقق أيٌّ من ذلك، وطوت طهران صفحة رجل جدّد عهد "ثورتها الإسلامية الأول"، أدرك كثيرون فيها أنّ فكرة خلافته لخامنئي اهتزت منذ إصابته بالمرض قبل نحو عام، ولكن بأي حال فإنّ "ما يتسرب في هذه الأيام من الرواق الإيراني المعقد، يشير إلى أنّ خامنئي مهتم جداً بحسم موضوع خليفته في حياته، والبحث جارٍ عن أسماء، بعضها في خانة الاعتدال"، حسبما يضيف نجاح محمد علي.

المصدر: TRT عربي