تستمرّ السلطات الإيرانية في قطع خدمات الإنترنت في البلاد، خوفاً من اتساع رقعة الاحتجاجات المتواصلة منذ الجمعة، في الوقت الذي دخلت فيه قوات الحرس الثوري والباسيج على الخطّ مهدّدة بمواجهة المحتجين "بعنف".

كان الاثنين يوماً ساخناً شهد عدة احتجاجات ومواجهات مع القوى الأمنية، وسط دعوات لتشديد الإجراءات الأمنية ومواجهة المتظاهرين بالعنف
كان الاثنين يوماً ساخناً شهد عدة احتجاجات ومواجهات مع القوى الأمنية، وسط دعوات لتشديد الإجراءات الأمنية ومواجهة المتظاهرين بالعنف (AFP)

تشهد إيران حالة من التعتيم الإعلامي خلال اليومين السابقين، فيما لم يعرف ما إذا كانت مظاهرات جديدة خرجت الثلاثاء، وسط أنباء من السلطات عن عودة الهدوء إلى البلاد، بعد أيام من الاحتجاجات في مناطق مختلفة.

وكان الاثنين يوماً ساخناً شهد عدة احتجاجات ومواجهات مع القوى الأمنية، وسط دعوات لتشديد الإجراءات الأمنية ومواجهة المتظاهرين بالعنف بعد دخول قوات الحرس الثوري وقوات الباسيج على الخط.

بلا إنترنت منذ السبت

قالت شبكة CNN الأمريكية إن إيران أصبحت خارج الاتصال بشكل شبه كلي، في محاولة من السلطات لإلجام انتشار الاحتجاجات التي عمّت البلاد منذ يوم الجمعة، فيما قالت مؤسسة "إنترنت إنتلجنس" إنه "أكبر انقطاع للإنترنت يُرصَد في إيران".

من جهتها قالت مؤسسة "نت بلوكس" التي تراقب الشبكة العنكبوتية حول العالم، إن "إيران تشهد انقطاع الاتصال بالشبكة منذ 52 ساعة"، مضيفة أن "الاتصال عبر البلاد انخفض إلى 5٪ فقط من مستويات الاتصال العادية، تاركاً بذلك الإيرانيين منقطعين عن العالم"، حسب آخر تحديث ليلة الاثنين.

ومنع انقطاع الإنترنت معرفة إذا ما كانت الاحتجاجات مستمرة في البلاد، فيما قال المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين إسماعيلي، إن "الهدوء عاد إلى مدن البلاد"، حسب ما نقلته وكالة أنباء فارس المحلية.

وخرجت مظاهرات عديدة في مختلف أنحاء البلاد الاثنين، خصوصاً في ولاية فارس في الجنوب الغربي، وفي ولاية البرز شمالاً التي شهدت اشتباكات مع القوى الأمنية.

يأتي ذلك استمراراً للاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد، التي انطلقت منذ يوم الجمعة واتخذت منحىً سياسياً مع مطالبة المحتجين بتنحي كبار رجال الدين الذين يقودون البلاد، حسب وكالة رويترز.

الحرس الثوري والباسيج على الخط

قُتل 3 عناصر من قوات الباسيج والحرس الثوري الإيراني، خلال مواجهات مع المتظاهرين الاثنين، في مدينة ملرد غربي العاصمة طهران، حسب ما نقلته وكالة أنباء فارس.

من جهته أعلن الحرس الثوري اعتقال 150 شخصاً من قادة الاحتجاجات في محافظة البرز شمالي البلاد، فيما قال قسم العلاقات العامة التابع له إن استخبارات الحرس تمكنت خلال أحداث اليومين الأخيرين من الكشف والقبض على مَن وصفتهم بـ"المخربين"، حسب وكالة فارس.

وشهد الاثنين تدخُّلاً واسعاً لقوات الباسيج التابعة للحرس الثوري، في عموم البلاد، فيما قال لطف الله ديجكام، ممثل خامنئي في ولاية فارس، إن قوات التعبئة العامة (الباسيج) ستتدخل ضدّ الاحتجاجات في مدينة شيراز، إذا لم تتوقف بحلول الثلاثاء.

من جهة أخرى، دعا الحرس الثوري في بيان، إلى وقف الاحتجاجات في البلاد، "وإلا فسيجري التدخل بعنف ضدّ المحتجين، عبر استخدام أساليب ثورية"، حسب وكالة تسنيم المحلية.

وتصف السلطات الإيرانية المحتجين بأنهم "مثيرو شغب"، في الوقت الذي تحمّل فيه "أعداءها الأجانب" مسؤولية الاحتجاجات الراهنة.

وفي إشارة لافتة، أطلق الجيش الإيراني بشكل مفاجئ الثلاثاء، مناورات واسعة لقواته البرية شمال غربي البلاد، تستمرّ ليومين بمشاركة مروحيات عسكرية وطائرات دون طيار في المناورات البرية، حسب التليفزيون الإيراني الرسمي.

لم يكن "قرار ساعة"

بدأت الاحتجاجات الجمعة، وانتشرت في أرجاء إيران، بعدما رفعت الشركة الوطنية للنفط أسعار البنزين بنسبة 50٪ حتى حصة 60 لتراً في الشهر، وبنسبة 300٪ لمن يتجاوز هذه الحصة الشهرية التي تدعمها الدولة.

وتقول الحكومة إن من المتوقع أن توفر خطوة رفع أسعار البنزين نحو 2.55 مليار دولار سنويّاً لإضافة مزيد من الدعم لنحو 18 مليون أسرة إيرانية، أو نحو 60 مليون شخص من ذوي الدخول المنخفضة.

في هذا السياق قال المتحدث باسم الحكومة علي ربيعي، إن قرار تعديل أسعار البنزين لم يكن "قرار ساعة"، وجاء بعد نقاش متكرر "حول ضرورة تعديل الأسعار"، بهدف "خدمة الشرائح الفقيرة"، حسب الوكالة الإيرانية للأنباء (إرنا).

ويقول إيرانيون إن العقوبات التي أعادت الولايات المتحدة الأمريكية فرضها على بلدهم، ساعدت على تقويض وعود الحكومة بتوفير مزيد من الوظائف والاستثمارات في البلد الغني بالنفط، حسب وكالة الأناضول.

من جهة أخرى لاقت التصريحات الأمريكية الداعمة للاحتجاجات في البلاد، وعلى رأسها تصريح وزير الخارجية مايك بومبيو، رفضاً واسعاً لدى الطبقة السياسية في إيران.

في هذا السياق، وصف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، التصريحات الأمريكية والأوروبية الداعمة للشعب الإيراني بـ"الكذبة المخجلة".

وأوضح ظريف في بيان أن الولايات المتحدة تمارس إرهاباً اقتصاديّاً بحق إيران، وتمنع وصول الدواء والغذاء للمرضى والمسنين، وأضاف أن من يمارس هذه الممارسات لا يمكن أن يدّعي أنه يدافع عن الشعب الإيراني.

حول هذه النقطة، جاء في تحليل لـشبكة BBC أن "الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة عبر عقوبات قاسية تستهدف الاقتصاد الإيراني، قد تكون أسهمت في تأزيم الوضع داخل إيران".

وأضافت الشبكة أنه "رغم احتياطات إيران الضخمة من الطاقة، فإنها تواجه صعوبات منذ سنوات، في تلبية الطلب المحلي على الوقود بسبب نقص السعة التكريرية، الناجم بدوره عن عدم توافر قطع الغيار اللازمة، لصيانة معامل التكرير بفعل العقوبات الاقتصادية".

ماذا بعد؟

لا يبدو أن موجة الاحتجاجات هذه ستهدأ بسرعة لأنها تختلف عن سابقاتها، إذ إن "تغييرات مماثلة طالت المعونات الحكومية كانت قد أطلقت موجة اضطرابات في ديسمبر/كانون الأول 2017"، حسب صحيفة واشنطن بوست.

وتضيف الصحيفة أن "بين مظاهرات أواخر 2017 وبداية و2018، والتي نشهدها الآن، اختلافاً حادّاً". ونقلت الصحيفة عن الخبير في الشأن الإيراني أليكس فاتانكا قوله إن موجة الاحتجاجات الأولى "كانت بتحريض من جناح متشدد في الحرس الثوري كان يطمح إلى نزع الاستقرار عن حكم روحاني".

"الآن لا يبدو أن جناحاً في النظام حرّض على المظاهرات، إذ انطلقت بصفة عفوية، فيما شكّل خامنئي والنظام بأكمله هدفها الرئيسي منذ بدايتها"، حسب تعبير فاتانكا.

من جهة أخرى تأتي موجة الاحتجاجات هذه بالتزامن مع تحركات شعبية في العراق ولبنان اللذين يعرفان حضوراً إيرانيّاً واسعاً في سياسيتهما. إذ يشهد البلدان "تظاهرات قوية رفعت شعارات مناوئة لطهران، واعتبرتها تدعم أطرافاً سياسية متحكمة في القرار السياسي في البلاد، وأنها -وفق شعارات المتظاهرين- المسؤول عن تردِّي أوضاع البلدين"، حسب تقرير شبكة BBC.

وتضيف الشبكة أن هذا الواقع يقوّض "خطط إيران لللسيطرة الإقليمية"، ويجعلها "ربما غير قادرة على مواصلة هذا النهج، في ظل تردِّي الوضع الاقتصادي الداخلي واستمرار العقوبات المفروضة عليها".

المصدر: TRT عربي - وكالات