بعد نحو 3 أعوام من الإخفاقات المتتالية في إدارة ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قررت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التنحي عن منصبها بعد موجة غضب عارمة تعرّضت لها من جانب أعضاء حزبها. فما هي ملابسات استقالة ماي؟ وما السيناريوهات المحتملة؟

تيريزا ماي تعلن تنحيها عن منصبها بعد فشلها في إدارة ملف الخروج من الاتحاد الأوروبي
تيريزا ماي تعلن تنحيها عن منصبها بعد فشلها في إدارة ملف الخروج من الاتحاد الأوروبي (AFP)

في خطوة تضاف إلى الارتباك والغموض اللذين يكتنفان المشهد السياسي البريطاني على مدار نحو ثلاثة أعوام، أعلنت رئيسة الوزراء زعيمة حزب المحافظين تيريزا ماي، الجمعة، اعتزامها الاستقالة من زعامة الحزب الحاكم ومن ثم رئاسة الحكومة في السادس من يونيو/حزيران المقبل، وذلك بعد إخفاقاتها المتكررة في إدارة ملف خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست).

انفراجة أخيرة أم فصل جديد في الأزمة؟

أثار قرار رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي العديد من التساؤلات بخصوص الخيارات المطروحة أمام المملكة المتحدة في ما يتعلق بطريقة خروجها من الاتحاد الأوروبي الذي صوّت لصالحه البريطانيون في 23 يونيو/حزيران 2016 بأغلبية نسبتها 51.9%، وما إذا كان قرار الخروج بالأصل يمكن مناقشته مجدداً عبر إجراء استفتاء آخر، مثلما اقترحت ماي قبل أيام من إعلان اعتزامها الرحيل.

ماي أكّدت في الكلمة التي ألقتها من أمام مقر الحكومة، صباح الجمعة وبُثّت على شاشات التلفزيون، أن ما قادها خلال فترة إدارتها البلاد كان الرغبة في إنفاذ إرادة الناخبين البريطانيين، مضيفة "أشعر باليقين اليوم كما شعرت قبل ثلاث سنوات أنه في ظل الديمقراطية، إذا أعطيت الناس خياراً، فمن واجبكم تنفيذ ما يقررونه".

وكانت كلمة تيريزا ماي، التي تولت رئاسة الحكومة بعد شهر واحد من استفتاء بريكست الذي لم تصوّت هي شخصياً لصالحه، محمّلة بالمشاعر المتضاربة بين الإحساس بالفشل الذي عبّرت عنه بالقول إنها تشعر بـ"أسف عميق" لعدم تمكنها من تنفيذ قرار الاستفتاء، والإحساس بالفخر الأعظم في حياتها والامتنان "لخدمة هذا البلد الذي أحبه"، وهي العبارة التي قالتها والدموع تغالبها.

ويقول الباحث من جامعة "سورّي" البريطانية سيمون آشروود إن مهمة تفكيك روابط مع الاتحاد الأوروبي عمرها أكثر من 40 عاماً ليست بالأمر السهل.

ويضيف في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية أن "أي شخص في مكانها كان سيواجه صعوبات كبرى"، موضحاً أن ماي من جهتها "لم تقدّم المقاربة الأفضل" باختيارها الاعتماد فقط على حزبها، وخصوصاً الجناح الأكثر تشدداً فيه الذي يريد قطع كل الروابط مع الاتحاد الأوروبي.

في السياق نفسه، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة "كوين ماري" في لندن تيم بايل إن خطأ ماي هو "رفضها للواقعية"، بعدم قبولها أي "مقاربة عابرة لحزبها"، خصوصاً بعد إخفاقها في انتخابات عام 2017 التشريعية التي قررت تنفيذها مدفوعةً باستطلاعات رأي إيجابية، وكلّفتها غالبيتها المطلقة.

القشة الأخيرة

تعددت الأسباب التي دفعت تيريزا ماي إلى خطوة التنحي التي اتخذتها بعد فشلها المتكرر في إقناع مجلس العموم البريطاني بالتصويت على خطط توصلت إليها مع الاتحاد الأوروبي للخروج، إلا أن القشة الأخيرة التي أودت برحلتها تمثّلت في الغضب الذي اشتعل بين صفوف أعضاء حزبها، إزاء آخر مقترح أعلنت عنه الثلاثاء للخروج.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية، رأى كثيرون من حزب المحافظين أن المقترح الأخير تضمن تنازلات ضخمة قدّمتها ماي لتحظى بتأييد بعض المنتمين لحزب العمال المعارض في البرلمان.

وكان أكبر هذه التنازلات والذي كتب نهاية الأمر حسب التقرير نفسه، عرضاً لمجلس العموم بالتصويت على استفتاء جماهيري جديد على الخروج من التكتل الأوروبي.

وتكلل الغضب داخل حزب المحافظين بإعلان زعيمة الأغلبية في مجلس العموم أندريا ليدسوم استقالتها من منصبها الوزاري، الأربعاء، رفضاً لنهج الحكومة، الذي قالت إنها لم تعد تعتقد بأنه سيحقق خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي، لتصبح تلك الاستقالة الحلقة الأخيرة من انسحاب عشرات الوزراء والمسؤولين من حكومة ماي، في الأغلب لأسباب تتعلق بإدارة بريكست.

أبرز المرشحين لخلافة ماي

يأتي وزير الخارجية السابق بوريس جونسون الذي كان من أبرز الداعين لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في مقدمة المرشحين لخلافة ماي على زعامة حزب المحافظين ورئاسة الحكومة.

وعلى الرغم من أن بوريس كان معتاداً في الفترة الأخيرة على توجيه انتقادات لاذعة لماي، فقد قدّم لها تحية وأشاد بقرارها التنحي، معتبراً أنها "قدّمت خدمات جليلة لبلادنا، وحزب المحافظين".

وأضاف جونسون في تغريدة على تويتر "حان الوقت لأن نعمل سوياً من أجل إنجاز بريكست".

بالإضافة إلى جونسون، تقول الإندبندنت إنه من المحتمل أن ينافس على زعامة "المحافظين" وزير الخارجية الحالي جيرمي هنت ووزير البيئة مايكل غوف والوزير المكلّف السابق دومينيك راب وأندريا ليدسوم المستقيلة حديثاً من منصبها الوزاري.

في المقابل، دعا زعيم حزب العمال المعارض جيرمي كوربن رئيس الوزراء الجديد "أياً من يكون" إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة، وأضاف بعد إشادته بخطوة ماي أن "حزب المحافظين فشل في إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما أخفق في تحسين حياة الناس أو تلبية احتياجاتهم الأكثر إلحاحاً".

يُذكر أن بريطانيا كان من المقرر أن تخرج من الاتحاد الأوروبي في 29 مارس/آذار الماضي، لكن التاريخ مُدّد إلى 31 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، بسبب الانقسامات والأزمة السياسية التي تشهدها البلاد حول اتفاق الخروج.

المصدر: TRT عربي