أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن وزير الدفاع جيمس ماتيس سيتقاعد أواخر شهر فبراير/شباط المقبل، بعد يوم واحد من قراره بسحب قواته من سوريا علماً بأن ماتيس كان من أشد معارضي هذا القرار، فما استراتيجية ترمب العسكرية في المنطقة بعد رحيل وزير دفاعه؟

وزير الدفاع الأميركي المستقيل جيمس ماتيس في اجتماع مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب
وزير الدفاع الأميركي المستقيل جيمس ماتيس في اجتماع مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب (AFP)

ما المهم: صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسحب قوات بلاده من سوريا معلناً هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، وسط رفض للقرار من قبل مؤسسات أميركية وحلفاء الولايات المتحدة، وفشل وزير الدفاع جيمس ماتيس في ثني ترمب عن قراره بعد فقدانه التأثير عليه، كما قالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ولم يمرّ سوى يوم واحد على قرار ترمب، حتى أعلن ماتيس استقالته في رسالة عرض فيها أسباب الاستقالة، والتي يبدو أن قرار ترمب الأخير بشأن سحب قواته من سوريا لعب دوراً كبيراً فيها، ليلحق ماتيس بالعديد من المستقلين من إدارة ترمب اعتراضاً على سياساته.

المشهد: أعلن ترمب رسمياً الأربعاء بدء سحب قوات بلاده من سوريا، وقال "بعد الانتصارات التاريخية ضد "داعش"، حان الوقت أن يعود شبابنا العظيم إلى الوطن".

لم تكن المؤسسات الأميركية راضية عن القرار، فقام أعضاء بمجلس الشيوخ الأميركي بحثّ ترمب على إعادة النظر في قراره، ومن بينهم وزير دفاعه ماتيس. ووقع الأعضاء، ومنهم العضوان الجمهوريان ليندسي غراهام وماركو روبيو على رسالة إلى الرئيس، اعتبروا فيها القرار "سابقاً لأوانه وخطأً مكلفاً".

وكردّ فعل على تفرُّد ترمب بقرارات مهمة استقال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس من منصبه، وقال في خطاب الاستقالة الموجه إلى الرئيس إنه اتخذ هذا القرار لأنه يحقّ للرئيس تعيين وزير دفاع أكثر انسجاماً مع أفكاره.

وقال ماتيس إن نظرته إلى العالم التي تميل إلى التحالفات التقليدية والتصدي لـ"الجهات الخبيثة" تتعارض مع وجهات نظر الرئيس.

وتحدث ماتيس عن آرائه بشأن "معاملة الحلفاء باحترام"، واستخدام "كل وسائل القوة الأميركية لتوفير الدفاع المشترك".

من جانبه، قال ترمب في تغريدة على موقع تويتر إن ماتيس سيترك منصبه في نهاية فبراير/شباط المقبل، وإنه سيرشح خلفاً له قريباً.

وأوضحت وكالة رويترز أن رحيل ماتيس كان متوقعاً بعد أن أعلن ترمب أنه سيسحب قواته من سوريا، رغم اعتراض حلفاء للولايات المتحدة ومسؤولين عسكريين أميركيين كبار.

وكان موقف ماتيس السابق هو التحذير من أن الانسحاب المبكر من سوريا سيكون بمثابة "خطأ إستراتيجي فادح".

خلفيات ودوافع: عُرف ماتيس الضابط السابق في سلاح مشاة البحرية الأميركية، بمواقفه الناقدة بشدة لسياسة إدارة الرئيس السابق باراك أوباما تجاه الشرق الأوسط، وخاصة إيران. ويمتلك ماتيس خبرة ميدانية واسعة، حيث قاد كتيبة هجومية خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، كما كان قائداً لقوة خاصة عملت في جنوب أفغانستان في العام 2001، وشارك أيضاً في غزو العراق في 2003، ولعب دوراً رئيسياً في معارك الفلوجة المعروفة بشراستها.

ولفت ماتيس في استقالته إلى تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، مؤكداً على ضرورة أن تكون واشنطن حازمة في موقفها حيال هذين البلدين، وتسخير جميع عناصر قوتها من أجل الدفاع المشترك، وهو ما لم يفعله ترمب على الأغلب ما أدى إلى استقالة ماتيس.

ويشير ماتيس أيضاً في رسالة استقالته إلى أن القوة الحقيقية للولايات المتحدة نابعة من كيانها المستند إلى الشراكات وعلاقاتها مع حلفائها، بعدما توترت العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة العسكريين في الاتحاد الأوروبي وغيره.

وظهر توتّر ترمب مع حلفاء أميركا في تصريح وزارة الخارجية البريطانية أن تنظيم داعش المصنّف إرهابياً لما يُهزم بعد في سوريا خلافا لما قاله ترمب.

ومن جهتها نشرت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، الخميس تغريدات على تويتر تقول فيها إن "داعش أضعف من أي وقت مضى، لكنه لم يُمحَ من على الخريطة ولم يُستأصل".

بين السطور: كشف تحقيق مشترك أجرته شبكة الجزيرة وموقع إنترسبت الأميركي أنه على الرغم من تأكيدات ترمب أن تنظيم داعش في سوريا قد هُزم، فإن المعركة مع التنظيم في الجيوب السورية اشتدت مؤخراً لذروتها. وعلى إثر ذلك شنت مقاتلات أميركية غارات على مناطق تابعة للتنظيم في محافظة دير الزور شرقي سوريا، ما أسفر عن تدمير في قرية الشعفة أواخر الشهر الماضي، ومقتل المرضى وجميع العاملين بها.

وتؤكد وزارة الدفاع الأميركية أن المعركة مع التنظيم لم تنتهِ بعد في الجيوب المتبقية من الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم في بعض قرى دير الزور على طول نهر الفرات، وهو ما دفع ماتيس للاستقالة على ما يبدو بعد تحذير ترمب مراراً من خطورة الانسحاب.

ووفقاً لدراسة أجراها مركز بروكينغز في مارس/آذار الماضي، حدث تغيير بنسبة 43% في كبار موظفي إدارة ترمب، وهي النسبة الأضخم في تاريخ الإدارات الأميركية، تأتي بعدها إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون التي شهدت تغييرات بنسبة 11% خلال عامها الأول.

ما التالي: يشير الباحث السياسي عبد الرحمن السراج في تصريحات لـTRT عربي، بخصوص استقالة ماتيس إلى "أن وجوده في الإدارة بحد ذاته كان أمراً مستغرباً".

ويضيف: "هنا تجدر الإشارة إلى أن إدارة ترمب تميزت في السنتين الأولى والثانية بضم عدد من الشخصيات الثقيلة مثل الجنرالات جيمس ماتيس وهربرت مكماستر وجون كيلي، الأمر الذي رفع التوقعات لدى بعض الدوائر من الإدارة، ولكن الآن خرج الجميع ولَم يبق سوى كيلي كبير موظفي البيت الأبيض، وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى استقلالية ترمب، ويجيب على سؤال كان يتردد بشأن هذه المجموعة: إلى متى ستستمر؟ وهل ستؤثر على ترمب أم ستتأثر به؟".

وفيما يخصّ القرار الذي دفع ماتيس للاستقالة، يرى السراج "أن الوجود الأميركي في المنطقة سيستمر في التراجع، رغم تناقض ذلك مع سياسة إدارة ترمب في المنطقة التي تحمل لواء الحد من تمدد إيران".

وتابع "كذلك أثبت قرار الانسحاب استقلالية ترمب في اتخاذ القرار إلى حد كبير، في معارضته لآراء مسؤولي إدارته ومنهم المحافظون الجدد الذين أعادهم إلى الواجهة مثل جون بولتون".

وبحسب السراج "يخالف القرار توقعات شريحة معتبرة من القاعدة التصويتية لترمب، وهي شريحة الإنجيليين التي تهتم كثيراً بحماية إسرائيل وبالتالي الحد من النفوذ الإيراني. وهذا يدفع إلى توقع قيام ترمب بخطوات أخرى بشأن إيران حتى إذا انسحب من سوريا، أو أن يترك قوات في المنطقة لهذه المهمة، وهنا ربما تجدر متابعة وضع قاعدة التنف جنوب سوريا".

المصدر: TRT عربي