مليكة بومنجل تطالب فرنسا بالاعتراف بقتل زوجها  (Eric Feferberg/AFP)

سنة 2000 وبينما كانت فرنسا قد طوت صفحة الاستعمار في الجزائر منذ ما يقارب أربعة عقود، خرج الرئيس السابق للاستخبارات الفرنسية في الجزائر بول أوساريس المعروف بلقب "جنرال التعذيب" ليعترف بنفسه بجملة من الجرائم ضد المعارضين الجزائريين، ما أدى إلى مقتلهم، من دون اعتراف الدولة الفرنسية.

كان ممن صُرح بأن "أحد مرؤوسيه أُمر بقتله وإخفاء الجريمة باعتبارها انتحاراً"، المحامي والناشط في حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري علي بومنجل، الذي يعد أحد أهم رموز حركة التحرير الجزائرية وقد ضاع حقه بين أرشيف انتهاكات فرنسا الممتد منذ قرون.


بعد أكثر من عشرين عاماً اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أربعة من أحفاد بومنجل ليطلب منهم الاعتذار "باسم فرنسا"، وهو ما كانت أرملة الراحل مليكة بومنجل تود أن تسمعه منذ سنوات قبل أن توافيها المنية، وهو أن "علي بومنجل لم ينتحر، لقد تعرّض للتعذيب ثم قُتل".

اعتراف متأخر

يوم 2 مارس/آذار 2021 أي بعد أكثر من 60 عاماً من موته أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعترف بأن المحامي والزعيم الوطني الجزائري علي بومنجل "تعرّض للتعذيب والقتل" على أيدي الجيش الفرنسي متراجعاً بذلك عن الرواية الفرنسية بأنه انتحر.


وقالت الرئاسة الفرنسية -في بيان- إن ماكرون أدلى بنفسه بهذا الاعتراف "باسم فرنسا" وأمام أحفاد بومنجل الذين استقبلهم، وذلك في إطار مبادرات أوصى بها المؤرخ بنجامين ستورا في تقريره حول ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر التي انتهت في 1962.

وفي التفاصيل أضاف البيان أن بومنجل "اعتقله الجيش الفرنسي خلال الحرب في الجزائر، ووُضع في الحبس الانفرادي وتعرّض للتعذيب، ثم قُتل في 23 مارس/آذار 1957".


ووفقاً للبيان فإن ماكرون استقبل في قصر الإليزيه 4 من أحفاد علي بومنجل ليخبرهم -باسم فرنسا- بما كانت أرملة الراحل مليكة بومنجل تود أن تسمعه، وهو أن "علي بومنجل لم ينتحر، لقد تعرّض للتعذيب ثم قُتل".

كما أبلغهم ماكرون "باستعداده لمواصلة العمل الذي بدأ منذ سنوات عديدة لجمع الشهادات وتشجيع عمل المؤرّخين من خلال فتح الأرشيف، من أجل منح عائلات جميع المفقودين على ضفتي البحر الأبيض المتوسط الوسائل لمعرفة الحقيقة".


وشدد الرئيس الفرنسي في البيان على أن هذه المبادرة "ليست عملاً منعزلاً"، مؤكداً أنه "لا يمكن التسامح أو التغطية على أي جريمة أو فظاعة ارتكبها أي شخص خلال الحرب الجزائرية".

ووعد ماكرون في البيان بأن "هذا العمل سيتوسّع ويتعمّق خلال الأشهر المقبلة، حتى نتمكّن من المضيّ قدماً نحو التهدئة والمصالحة"، داعياً إلى "النظر إلى التاريخ في وجهه، والاعتراف بحقيقة الوقائع" من أجل "مصالحة الذاكرة".

وجاءت هذه الخطوة المتأخرة من ماكرون بعد أسابيع من تسلمه تقريراً حول الحقبة الاستعمارية من المؤرخ بنجامان ستورا، تضمَّن توصية بضرورة كشف حقيقة هذه الحادثة، كما تضمن مقترحات لإخراج العلاقة بين البلدين من حالة الشلل التي تسببت بها قضايا ذاكرة الاستعمار العالقة بينهما.

مَن علي بومنجل؟

يوصف بو منجل بأنه ناشط سياسي ومحامٍ مشهور، إذ تخرج في كلية دوفرييه بمدينة البليدة، كما عمل صحفياً في جريدة إيجالييه (Egalité) وكرّس عمله الصحفي لخدمة القضية الجزائرية.


بومنجل المولود في غليزان عام 1918 لأسرة مثقفة واتبع في نضاله السياسي خطى أخيه الأكبر أحمد الذي كان كذلك واحداً من المحامين المناضلين في سبيل استعادة حرية الجزائر، وقد قالت عنه ابنة شقيقه فضيلة بومنجل إنه كان عالماً ومفكراً يحب الشعر والرسم ومنفتحاً على الثقافة العالمية.


عائلة علي بومنجل تطالب بالاعتراف بجريمة قتله من قبل الدولة الفرنسية  (AFP)

انخرط بومنجل في العمل السياسي عن طريق انضمامه إلى حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي أسسه عام 1946 فرحات عباس أول رئيس للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وكان صديقاً للعديد من المناضلين الذين كان لهم دور أساسي في الثورة الجزائرية أمثال عبان رمضان وبن يوسف بن خدة وسعد دحلب.

عندما اندلعت الثورة الجزائرية عام 1954 انضم بومنجل إلى المحامي الفرنسي الجزائري جاك فيرجيس الذي اشتهر بدفاعه عن مسلحي جبهة التحرير الوطني الجزائرية وتعرَّض للحبس بسبب نشاطاته الحقوقية المساندة للثورة.

وبعد عام واحد انضم إلى جبهة التحرير الوطني، وهي حزب اشتراكي مثّل الجناح السياسي لجيش التحرير الوطني قبل الاستقلال، قبل أن يجري اعتقاله في ظروف لم يُكشف عنها إلى اليوم.

تعذيب فقتل: الرواية الكاملة

يقول مؤرخون من الجزائر وفرنسا إن إن فرقة من المظليين (قوة استعمارية أرسلتها باريس آنذاك للقضاء على الثورة التحريرية) ألقت القبض يوم 9 فبراير/شباط 1957 على علي بومنجل من قلب العاصمة الجزائرية، إذ احتُجز بمعزل عن العالم الخارجي لمدة 43 يوماً في مبنى في حي البيار، تعرض خلالها للتعذيب على أيدي جنود مجهولين.


في الواقع كان الجنرال بول أوساريس أول من رفض الرواية الرسمية حول الحادثة، إذ روى في كتابه "خدمات خاصة: الجزائر 1955-1957" الذي يعتبر توثيقاً لحرب الجزائر -وكان أحد المشرفين عليها- وحمل الكتاب في طياته اعترافات بجرائم فرنسا تجاه من ناضل ضدها.

يروي أوساريس تفاصيل بومنجل قائلاً: ''التفت الجنرال ماسو إليّ وصوّب عينيه نحو عينيّ وقال بحزم: أوساريس، ممنوع أن يهرب السجين (بومنجل).. مفهوم؟ وعند سماعي هذه الكلمات توجهت مباشرة إلى الأبيار في نهج "كليمونصو"، أين كان بومنجل موقوفاً. في منطقة مليئة بالمباني، كان بعضها متصلاً ببعض بواسطة جسور صغيرة في سطوح الطابق السادس، وكانت زنزانة بومنجل موجودة في الطابق الأرضي".

ويضيف الجنرال الفرنسي أنه اتجه نحو مكتب الملازم "د " الذي بدا مندهشاً حين رآه، ثم قال له: ما الذي يمكن أن أفعله لك حضرة القائد؟ لقد كنت في اجتماع مطوّل مع الجنرال "ماسو"، وحسب ظني عند الخروج من هذا الاجتماع فإنه يجب أن لا ندع بومنجل في هذه البناية التي يوجد بها حالياً.

الجنرال الفرنسي بول أوساريس أحد المشرفين على تعذيب علي بومنجل (AFP)

يواصل أوساريس سرده بأنه أمر الملازم "د" بنقل بومنجل إلى مبنى آخر لمنعه من الهرب، إلا أنه عاد إليه بعد فترة ليخبره بأن السجين سقط من الطابق السادس، لافتاً إلى أنه "قبل أن يرميه من أعلى الجسر، صرعه بضربة مقبض قادوم وجهها صوب قفاه".

ينتهي في روايته إلى أنه أخبر الجنرال ماسو بأن بومنجل لن يهرب بعد ذلك اليوم، مردداً: "ببساطة انتحر"، وهو ما تبنَّته بعدها الرواية الرسمية التي خلصت إلى الانتحار غير المفسَّر للمحامي الجزائري، على الرغم من نتائج تشريح الجثة الذي يفيد بأنه مات بسبب الضرب والتعذيب.

يقول أوساريس: ''إن العمل الذي فعلته بالجزائر كان من أجل بلادي، معتقداً في ذلك أنني أحسن صُنعاً، وإن كنت لم أرد أن أفعله، ولذلك فإن ما نفعله ونحن نعتقد أننا نؤدي من خلاله واجبنا لا يمكن لنا أن نندم عليه''.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً