أخذ التوتر الفرنسي الإيطالي منعطفاً جديداً خلال هذا الأسبوع إثر استدعاء باريس سفيرها في روما. وبينما يطال هذا الخلاف ملفات ثنائية عدة، تبدأ بأوروبا نفسها، وتصل إلى ليبيا، ثمة من يشير إلى أنّ الأزمة الحالية تذكّر بزمنَي الحرب والتنافس الاستعماري.

وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني
وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني (AP)

ما المهم: تشهد العلاقات الفرنسية الإيطالية توتراً غير مسبوق منذ عقود تُرجم، على الصعيد الدبلوماسي، عبر استدعاء باريس سفيرها في روما للتشاور، وانعكس أيضاً في شكل تراشق لفظي وصفته وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، بأنّه الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

ويكتسب هذا التوتر أهمية كبرى؛ إذ إنّ باريس وروما تمثلان تاريخياً دعامتين أساسيتين من دعائم الاتحاد الأوروبي، وهما من العواصم المؤسسة له.

المشهد: يوم الخميس، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية استدعاء سفيرها في إيطاليا للتشاور، مبررة ذلك بتعرضها "منذ عدّة أشهر لاتهامات متكررة وهجمات لا أساس لها وتصريحات مشينة لا مجال لإنكارها أو تجاهلها". وقالت الخارجية إنّ "هذه سابقة لم نشهدها منذ انتهاء الحرب".

جاء هذا الإعلان على خلفية لقاء نائب رئيس وزراء إيطاليا لويجي دي مايو، الثلاثاء، مع ناشطين من حراك السترات الصفراء، الذين يتظاهرون منذ أسابيع في فرنسا ضد سياسات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاقتصادية.

وكتب دي مايو عقب اللقاء أنّ "رياح التغيير تعبر جبال الألب" الفاصلة بين الدولتين.

قبل هذا الحدث، اعتادت وزارتا الخارجية في الدولتين في الفترة الأخيرة استدعاء السفير للتعبير عن الاحتجاج، وهذا ما تم في 21 من الشهر الماضي، وفي 13 يونيو/حزيران الماضي.

ولم يهدأ هذا التوتر الثنائي مع مرور الوقت؛ إذ قالت الوزيرة الفرنسية للشؤون الأوروبية ناتالي لوازو، في 23 من الشهر الماضي، "لا ننوي الدخول في مسابقة الأكثر حماقة" مع إيطاليا، مضيفة أنّه "حين يكون بعض الكلام مسرفاً بنبرته وكثرته في آن، يصبح عديم المعنى".

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، قال وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، "أنا قريب جداً وبكل جوارحي من الشعب الفرنسي، ملايين الرجال والنساء الذين يعيشون في فرنسا مع حكومة سيئة جداً ورئيس جمهورية بالغ السوء".

الخلفيات والدوافع: منذ وصول حركة خمس نجوم إلى السلطة في إيطاليا منتصف العام الماضي، بدأ التوتر يظهر بين العاصمتين، الفرنسية والإيطالية.

تتهم الحكومة الإيطالية فرنسا بأنها سبب الفوضى الحالية في ليبيا، ولأنّ إيطاليا هي القوة الاستعمارية السابقة هناك وتقيم علاقات تاريخية مع طرابلس، فإنّها تريد استعادة الملف الليبي

وكالة الصحافة الفرنسية

وتعتبر وكالة الصحافة الفرنسية، في تقرير نشرته نهاية الشهر الماضي، أنّ نقاط الخلاف بين البلدين تعود إلى تباينات بشأن ملفات الهجرة عبر المتوسط، وليبيا. حيث "تتهم الحكومة الإيطالية فرنسا بأنها سبب الفوضى الحالية" في ليبيا.

وتقول الوكالة بما أن "إيطاليا هي القوة الاستعمارية السابقة في ليبيا وتقيم علاقات تاريخية معها، فإنّها تريد استعادة الملف الليبي".

وتشير الوكالة أيضاً إلى "ملف الإرهاب" كأحد عوامل الخلاف بين البدين، حيث يؤكد وزير الداخلية الإيطالي (ورئيس رابطة الشمال) ماتيو سالفيني، أنّ فرنسا تؤوي منذ عقود "قتلة قتلوا أبرياء خلال سنوات الرصاص"، في إشارة إلى الاضطرابات التي عرفتها إيطاليا بين نهاية عقد الستينيات ونهاية الثمانينيات.

في السياق ذاته، تشرح المؤرخة المتخصصة بالشأن الإيطالي ماري آن ماتار بونوتشي، في مقابلة أجرتها مع صحيفة لوموند الفرنسية، أنّه "ثمة تاريخ من التوتر الفرنسي الإيطالي، يرتبط بالأخص بقضايا حدودية وبالتنافس الاستعماري"، وذلك في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

من جهته، يوضح الأكاديمي المتخصص بالتاريخ السياسي للعلاقات بين الدولتين مارك لازار، في تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، أنّ التوتر الحالي يندرج في سياق "المواجهة بين تصورين مختلفين تماماً عن أوروبا". ويشرح أنّ ما يحصل حالياً "لم يسبق له مثيل منذ 1940، حين أعلن موسوليني الحرب".

ويرى الصحفي غاييل دي سانتيس، في مقالة له، أنّ وزير الداخلية الإيطالي "أبرز بذكاء تنافسه على الصعيد الأوروبي مع إيمانويل ماكرون، الذي بدوره لم يكن ليطلب أقل من ذلك". ويشرح أنّ هذا التنافس "سمح للرئيس الفرنسي بالظهور بصفته حاملاً للقيم الديمقراطية الأوروبية في الوقت الذي يضعف فيه اليمين واليسار الفرنسيين وتتراجع قوة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل".

غير أنّ دي سانتيس يلفت أيضاً إلى أنّ التوتر الحالي "وهجمات المسؤولين الإيطاليين ضد فرنسا تتغذى من التنافس الداخلي بين القوتين اللتين تشكلان الحكومة الإيطالية (حركة خمس نجوم ورابطة الشمال)".

يندرج التوتر القائم في سياق المعركة على قيادة أوروبا بين القوى القومية التي يمثلها ماتيو سالفيني، والروح التقدمية التي ينسبها الرئيس الفرنسي إلى نفسه

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية

بين السطور: ترى صحيفة نيويورك تايمز، أنّ التوتر القائم يندرج في سياق "المعركة على قيادة أوروبا بين القوى القومية التي يمثلها ماتيو سالفيني، والروح التقدمية التي ينسبها الرئيس الفرنسي إلى نفسه".

وجدير بالذكر أنّ التوتر يتواصل في وقت تتجهز فيه الأحزاب الأوروبية إلى انتخابات البرلمان الأوروبي المرتقبة في نهاية مايو/أيار المقبل. وهذا ما يشرح قول بيان وزارة الخارجية الفرنسية الصادر الخميس إنّ "الحملة الانتخابية الأوروبية لا تبرر عدم احترام الشعوب وديمقراطيتها".

ما التالي: قلل وزير الخارجية الإيطالي إينزو موافيرو ميلانيزي، الخميس، من شأن "التصعيد الراهن بين قادة الائتلاف الثنائي الإيطالي الحاكم والحكومة الفرنسية"، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الإيطالية.

وغداة استدعاء فرنسا سفيرها في إيطاليا، دعا وزير الداخلية الإيطالي، الجمعة، نظيره الفرنسي كريستوف كاستانير لزيارة روما من أجل التباحث في المسائل الخلافية بين البلدين.

وعلّق رئيس وزراء إيطاليا الأسبق انريكو ليتا، في مقابلة نشرت السبت، على هذه الدعوة قائلاً إنّ لقاء مماثلاً يمكن أن يكون مفيداً لتهدئة الأزمة الدبلوماسية "على المدى القصير" فقط.

من جهة باريس، عبّرت الوزيرة الفرنسية للشؤون الأوروبية ناتالي لوازو، عن أملها في إدراك إيطاليا "الرسالة" بعد استدعاء باريس سفيرها.

وحذّرت الوزيرة في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس الأمريكية، من أنه إذا كان لويجي دي مايو "يأمل في تشكيل تحالف مع السترات الصفراء من أجل الانتخابات الأوروبية، فسوف يجدنا حجر عثرة في طريقه".

المصدر: TRT عربي