هآرتس تكشف تفاصيل استدراج جهاز الشاباك الفتى الفلسطيني أمجد أبو سلطان وقتله (متداول)
تابعنا

نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الجمعة، تحقيقاً صحفياً مطولا في حادث استشهاد الفتى الفلسطيني أمجد أبو سلطان، الذي تقول عائلته إن ضابط مخابرات إسرائيلياً، استدرجه بغرض قتله.

ولقي أبو سلطان البالغ من العمر 14 عاماً، مصرعه برصاص الجيش الإسرائيلي في 14 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قرب الجدار الفاصل الإسرائيلي المقام على أراضي بلدة بيت جالا غربي مدينة بيت لحم (جنوب).

واحتجز الجيش جثمان الفتى لأكثر من شهر، ثم سلمه لذويه السبت الماضي، ودُفِن الجمعة.

وبناء على طلب العائلة جرت الخميس عملية تشريح جثمان الشهيد.

واتهم أسامة أبو سلطان، والد الشهيد أمجد، في حديث سابق للأناضول، جهاز الأمن العامّ الإسرائيلي "الشاباك" باستدراج الفتى بهدف "قتله"، إذ أُطلِقَت النار عليه من مسافة قريبة، دون أن يهدّد حياة الجنود الإسرائيليين.

ويُتوقّع صدور تقرير الطب الشرعي (التشريح) خلال أسبوع، لكن والد أمجد قال للأناضول الخميس، إن التشريح أثبت إطلاق الجنود أربع رصاصات من الخلف على الشهيد ومن مسافة قريبة.

هل استُدرِج؟

وأفردت صحيفة "هآرتس" مساحة واسعة لسرد التفاصيل الدقيقة للفترة التي سبقت مقتل أبو سلطان.

وقالت الصحيفة إن شكوك أسامة أبو سلطان والد الفتى، بأن ولده وقع ضحية استدراج، بدأت بعد عثوره على محادثات بين ابنه، وضابط المخابرات المسؤول عن منطقة بيت لحم، الذي يطلق على نفسه اسم "وسام أبو أيوب".

ودعم هذه الشكوك التي تحوّلت إلى "يقين" لاحقاً، أن الضابط نشر على حسابه في فيسبوك عقب مقتله تغريدة قال فيها: "الشهيد أمجد أبو سلطان كان يهدد وكان يطبّ (يهاجم) في أمن الدولة... احفظوا أولادكم بعيدين عن الشر".

ونشر الضابط صورة يبدو أنها مُجمعة من محادثات جرت بينه وبين الفتى الفلسطيني، تتضمن عبارات تشير إلى عزم "أبو سلطان" مواصلة "مقاومة الاحتلال".

ولاحقاً بعد أسبوعين من مقتل أبو سلطان، وفي 31 أكتوبر/تشرين الأول، نشر الضابط المسؤول عن منطقة بيت لحم تغريدة، أعلن فيها انتقاله إلى عمل آخر.

محادثات الفتى وضابط المخابرات

وكشف والد الفتى لـ"هآرتس" جانباً من محادثات ضابط المخابرات مع ولده.

وفي هذه المحادثات وصف الضابط الفتى بـ"الصبي المقرف" و"الطفل الصغير" و"الطفل الفاشل"، وخاطبه بالقول: "أنت لا تهمني".

وقالت الصحيفة: "الأب البالغ من العمر 47 عاماً، خريج أكاديمية عسكرية في الجزائر ويعمل الآن في قوات الأمن الفلسطينية، مقتنع بوجود صلة بين الرسائل النصية التي أُرسلَت عبر برنامج محادثة فيسبوك، والموت العنيف لابنه".

وقالت هآرتس في إشارة إلى ضابط المخابرات الإسرائيلي: "مثل عديد من ضباط (جهاز الأمن العامّ) الشاباك الآخرين، لديه أيضاً صفحة شخصية على وسائل التواصل الاجتماعي دُعيَ الآخرون للانضمام إليها".

وأضافت: "بدأ منسقو الشاباك تدشين صفحات شخصية على فيسبوك نحو منتصف عام 2018، وبدؤوا الحفاظ على وجود عامّ على وسائل التواصل الاجتماعي في النصف الأول من عام 2020، كما أفاد المؤرخ هيليل كوهين في صحيفة هآرتس العام الماضي".

وأشارت الصحيفة إلى أن الضابط نشر أول تدوينة له في حسابه في 23 يناير/كانون الثاني 2019، وكتب: "أهلا وسهلا بكم سكان مدينة بيت لحم. أنا الشخص المسؤول الجديد في منطقتكم".

وأشارت إلى أن آخر تدوينة له كانت في 31 أكتوبر/تشرين الثاني حينما أعلن انتقاله إلى عمل آخر، وكتب: "أعزائي سكان بيت لحم. بعد ثلاث سنوات في العمل بصفتي الشخص المسؤول عن الأمن في المدينة، أنتقل إلى منصب آخر وأتمنى لكم النجاح والازدهار والصحة والأمن".

وأضافت أن أحد المعلقين الفلسطينيين على التدوينة سأله ساخراً: "هل طردوك؟".

الشاباك يؤكد صحة حساب الضابط

وأكد مكتب المتحدث باسم جهاز الشاباك لصحيفة هآرتس، أن الحساب فعلاً لأحد ضباط الجهاز، وأنه "شخص عامّ ومعروف".

وأضافت الصحيفة: "تكشف مراجعة منشورات (وسام أبو أيوب) منذ يوليو/تموز 2020 أن (الفتى الفلسطيني الشهيد) أمجد، لم ينشر أول تعليق له إلا في 12 مايو/أيار 2021، عندما كتب: (تحريركم قريباً أيها الأحباء)، رداً على تدوينة كتبها الضابط عن اعتقال ثلاثة شبان "لنشاطهم في الجهاد الإسلامي".

وتابعت: "كتب أمجد أبو سلطان تعليقاً مماثلاً في 12 أغسطس/آب الماضي رداً على اعتقال آخر.

وكذلك كتب أمجد تعليقاً ساخراً في 2 يوليو/تموز، رداً على منشور هنأ فيه الضابط السكان بحلول يوم الجمعة، قائلاً: "يا شيخ، تعالَ لأداء الصلاة (الجمعة) معنا المرة القادمة".

في هذا الصدد قال والده للصحيفة: "ابني يمزح دائماً، لا يجلس بهدوء، إخوته جادُّون، وهو دائماً ما يمزح، ويجمع دائماً الجد والمزح".

وتبدأ المراسلات التي أظهرها أبو سلطان للصحيفة في 13 أغسطس/آب الماضي، بعد يوم من اعتقال صديق أمجد، ويُدعى أدهم.

وقالت هآرتس: "كتب ضابط الشاباك (مخاطباً أمجد): لا تغضب. كان أدهم يلعب بالنار، وقد استحقّ الاعتقال".

وتبع ذلك قول الضابط لأبو سلطان: "لقد فعل (صاحبك أدهم) الكثير، وأنت (يا أمجد) لا تهمني".

وأضافت هآرتس: "الرسالة التالية، من الضابط أيضاً مؤرخة في 31 أغسطس/آب: "أنت طفل صغير. اذهب وبلّط البحر".

ولفتت الصحيفة إلى أن الرسائل التي كتبها الفتى أمجد أبو سلطان في المحادثة حُذفَت، على الرغم من بقاء الرموز التعبيرية الضاحكة وتسجيل "أعجبني".

وذكرت الصحيفة أن الضباط أرسل إلى الفتى في 1 سبتمبر/أيلول الماضي رسالة: "لقد أخفتني حقاً"، ربما ردّاً على رسالة حُذفت لاحقاً.

وأعقب ذلك: "مرحباً أيها الطفل الفاشل. لا ترسل إليّ (رسائل)".

وبعد نحو تسع ساعات كتب الضابط: "فتى مقرف. وداعاً. لا ترسل (رسائل)".

وقالت: "في اليوم التالي أرسل الضابط تسجيل إعجاب".

وفي 19 سبتمبر/أيلول الماضي، وربما كجزء من نقاش حُذف، كتب أمجد: "اسمع، أريد أن أخبرك بشيء من منتصف قلبي"، ثم شتم الضابط.

وفي 7 أكتوبر/تشرين الأول، قبل أسبوع من مقتله، نشر الفتى الفلسطيني صورة للمسجد الأقصى، وعلم إسلامي أخضر.

وفي اليوم التالي لاستشهاد أمجد، نشر الضابط على حسابه صورة مجمعة بها عدد من هذه الرسائل.

رد الشاباك

ونقلت هآرتس عن المتحدث باسم جهاز الشاباك قوله: "كان (أبو سلطان) ينوي تنفيذ هجمات إرهابية. على سبيل المثال، كتب أمجد في 2 سبتمبر/أيلول 2021 أنه يخطط للذهاب إلى طريق الأنفاق (طريق يربط المستوطنات قرب بيت لحم) لإلقاء زجاجات حارقة، وفي ذلك التاريخ أُلقيَت زجاجتان حارقتان في الواقع على الطريق".

وأضاف المتحدث: "في مناسبة سابقة كتب أمجد أن (فلسطين بركان انتقام. إذا انفجر فستتحرر فلسطين). و(أنا من مواليد غزة، لقد عشت في حرب ولم أخف من أي شيء. الآن أنا في بيت لحم وسنحرر الوطن)، لقد أراد ضابط المخابرات، في ردوده، قطع المحادثة مع أمجد، لهذا رد باقتضاب وطلب من أمجد التوقف عن مراسلته".

وفي ذكرها تفاصيل استشهاد الطفل، تقول الصحيفة: "في نحو الساعة 8 مساءً من يوم الخميس 14 أكتوبر/تشرين الأول، نزل أمجد وصبي آخر في منطقة الوادي المظلم، الذي يفصل الصف الأخير من منازل بيت جالا عن طريق الأنفاق، وصعدا إلى أعلى التل قرب الجدار الفاصل على طول الطريق، حيث خططا لإلقاء زجاجة حارقة".

وقالت: "أخبر أحد سكان حي بيت جالا الأب أنه لمدة شهر تقريباً لاحظ عدداً قليلاً من الأطفال يجلسون فوق الوادي ينظرون إلى الجدار والطريق المؤدي إلى القدس المبني على أرض بيت جالا، والممنوع على الفلسطينيين".

وأضافت: "يَفترض أبو سلطان أن ابنه كان من بينهم، وأن كاميرات المراقبة رصدتهم".

وينفي والد الطفل أبو سلطان أن يكون ابنه خرج يوم استشهاده لإيذاء أحد.

وقال: "لو أراد ابني إيذاء شخص ما، فلماذا يقف في مكان ليس فيه فرصة لضرب أحد؟ ابني لم يقصد أن يؤذي. أراد القبض عليه وأن يكون مع أصدقائه المسجونين في الأسابيع الأخيرة".

وتقول هآرتس نقلاً عن شهود فلسطينيين، إن جنود الجيش الإسرائيلي نصبوا كميناً في المكان.

وتضيف: "من مخبئهم، رأى الجنود (الإسرائيليون) الصبيين ينزلان في الوادي المظلم. توقف الصبيان أمامهم على بعد أمتار قليلة. قريبون جداً منهم. سمع السكان الرصاص ونظروا نحو الحائط، كما سمعوا صراخاً".

ونقلت الصحيفة نقلاً عن والده: "أمجد لم يمت على الفور، لقد بقي يصرخ وينزف حتى الموت".

وقالت هآرتس: "قال عدد قليل من السكان إنهم لاحظوا وجود جنود بالقرب من موقع الكمين، في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم، لأول مرة منذ فترة طويلة".

وأضافت: "بعد مقتل أمجد في تلك الليلة وفي الصباح التالي، شوهد جنود يفتشون المنطقة بحثاً عن شيء ما، يعتقد والده أنهم كانوا يبحثون عن هاتف أمجد".

وقال الوالد: "كان لدى الشاباك والجنود كثير من الفرص لاعتقال ابني لا قتله".

وأضاف: "إذا كان ابني كتب قبل شهرين من مقتله أنه يريد إلقاء زجاجة حارقة، فلماذا لم يأمر (ضابط الشاباك) أبو أيوب باعتقاله على الفور؟".

ويتابع: "في 4 أكتوبر/تشرين الأول اعتقلوا أحد جيراننا، حاصر عشرات من الجنود المنزل. من نافذتي رأيتهم يصوّبون بنادقهم. كان بإمكانهم اعتقال ابني أيضاً في ذلك الوقت إذا كان يمثل تهديداً لإسرائيل".

وأضاف: "كان بإمكان الجنود القبض عليه في الوقت المناسب. رأوا أنه كان طفلاً. لماذا قُتل؟".

وقالت الصحيفة: "لا يشكّ أبو سلطان في أن ضابط الشاباك استفز ابنه عمداً، قائلاً: هؤلاء الرجال في الشاباك يوجّههم استشاريون نفسيون، يقدّمون لهم المشورة بشأن ضعف الأطفال، لقد كان يعلم جيداً كيف أن كلمات مثل: إنك فاشل، وأنت لا تساوي شيئاً، ستؤثر في الطفل".

وطلبت وكالة الأناضول تعقيباً من الجيش الإسرائيلي على الحادثة، لكنه لم يرسل ردّاً.

لكنّ جهاز الأمن العامّ الإسرائيلي "الشاباك" قال في ردّه على تقرير صحيفة "هآرتس": "قُتل أمجد أبو أيوب بنيران الجيش الإسرائيلي على زجاجات حارقة على جنود إسرائيليين في منطقة قبر راحيل".

وحسب مراسل الأناضول، تَضمَّن ردّ الشاباك الذي نشرته الصحيفة خطأين: الأول اسم عائلة الطفل، والثاني مكان استشهاده.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً