ما يزال المشهد السياسي الجزائري يمر بتقلبات متسارعة؛ فمع استمرار الاحتجاجات الشعبية، تقدّم رئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، الثلاثاء، باستقالته. ولم تمر سوى ساعات، حتى ألقى قائد الجيش خطاباً اتهم فيه رئيس المخابرات السابق بـ"التآمر على إرادة الشعب".

الاحتجاجات الجزائرية دخلت أسبوعها الثامن وسط إصرار المحتجين على رحيل الشخصيات المحسوبة على بوتفليقة
الاحتجاجات الجزائرية دخلت أسبوعها الثامن وسط إصرار المحتجين على رحيل الشخصيات المحسوبة على بوتفليقة (AP)

ما المهم: لا يزال الشارع الجزائري المنتفض منذ 22 فبراير/شباط الماضي، مصرّاً على عدم التراجع قبل رحيل جميع الشخصيات والرموز المحسوبة على نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وتأتي استقالة رئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، الثلاثاء، في ظل استمرار مظاهرات يطالب فيها المحتجون برحيل من سمّوهم "الباءات الثلاث"، في إشارة إلى رئيس الجمهورية المؤقت عبد القادر بن صالح ورئيس الحكومة نور الدين بدوي، بالإضافة إلى بلعيز.

اللافت أن استقالة بلعيز جاءت قبل ساعات من خطاب شديد اللهجة ألقاه رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح، وتحدث فيه عن التزام الجيش بدعم مؤسسات الدولة وحماية المحتجين، كذلك وجّه اتهامات مباشرة لرئيس جهاز الاستخبارات السابق محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق، بعقد "اجتماعات مشبوهة للتآمر على مطالب الشعب".

المحتجون الجزائريون تظاهروا ضد استمرار بلعيز رئيساً للمجلس الدستوري
المحتجون الجزائريون تظاهروا ضد استمرار بلعيز رئيساً للمجلس الدستوري (Reuters)

المشهد: شهدت العاصمة الجزائر ومدن أخرى، الثلاثاء، خروج آلاف الطلاب في مظاهرات جددوا فيها رفضهم لبقاء رئيس الجمهورية المؤقت ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الدستوري وغيرهم ممن عدّهم المحتجون رموز نظام بوتفليقة.

بالتزامن مع المظاهرات، أعلن المجلس الدستوري استقالة رئيسه الطيب بلعيز من منصبه، الأمر الذي احتفل به المتظاهرون الجزائريون مرددين "مبروك علينا نحينا بلعيز، وما زال ما زال".

وأصدر الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، مساء الثلاثاء، قراراً بتعيين كمال فنيش، وهو عضو منتخب بالمجلس الدستوري عن غرفة مجلس الدولة، خلفاً لبلعيز.

لم تمضِ سوى ساعات قليلة بين الإعلان عن رحيل بلعيز وإلقاء قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح خطاباً تحدث فيه عن أمور مهمة، منها أن المؤسسة العسكرية تشعر بالقلق إزاء خطورة الوضع الذي لا يحتمل مزيداً من التأجيل، وتدرس "كل الخيارات لإيجاد حل للأزمة في أقرب وقت ممكن".

وتشير الصحفية الجزائرية زينب بن زيطة إلى أحاديث متداولة تقول بأن استقالة بلعيز جاءت بطلب من قيادة الجيش، مضيفة في حديث لـTRT عربي أن "مختصين في القانون الدستوري يحمّلون المؤسسة العسكرية مسؤولية الإبقاء على بلعيز في منصبه بالمخالفة لنصوص الدستور".

وفي الوقت الذي تعهّد فيه صالح بحماية مؤسسات الدولة والذود عن حق المواطنين في التظاهر، اتهّم قائد الجيش رئيس المخابرات السابق بعقد اجتماعات تهدف إلى تقويض الانتقال السياسي و"التآمر على مطالب الشعب".

وعلى الرغم من أن صالح لم يحدد إن كان المقصود هو محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق أم عثمان طرطاق، رئيس المخابرات الذي أُعفي من منصبه في وقت سابق من أبريل/نيسان الجاري، أشارت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية إلى أن المقصود كان الجنرال توفيق.

الدوافع والخلفيات: اندلعت الاحتجاجات الجزائرية في 22 فبراير/شباط الماضي تنديداً بإعلان حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم ترشيح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة.

وبعد أسابيع من استمرار الاحتجاجات التي تُعد الأكبر خلال عقود، أعلن بوتفليقة استقالته من منصب رئيس الجمهورية، في 3 أبريل/نيسان الجاري، وسط ضغوط من قيادة الجيش التي طالبت بتفعيل المادة 102 من الدستور، وهي المادة المعنية بحالة شغور منصب رئيس الجمهورية.

على الرغم من ذلك، لم يهدأ الشارع واستمر في المطالبة برحيل جميع الوجوه المحسوبة على نظام بوتفليقة، وعلى رأسها رئيس الجمهورية المؤقت عبد القادر بن صالح ورئيس الحكومة نور الدين بدوي ورئيس المجلس الدستوري المستقيل الطيب بلعيز، والملقبين من قبل المحتجين بالباءات الثلاث.

وتُعد لاتهامات وتحذيرات قائد الجيش أحمد قايد صالح لرئيس المخابرات السابق محمد مدين دلالة مهمة، إذ يرى كثيرون أن مدين الذي شغل المنصب لنحو 25 عاماً حتى إقالته عام 2015، وكان الرجل الأقوى في الجزائر لفترة طويلة، فضلاً عن الدور الذي لعبه خلال فترة الصراع المسلح في التسعينيات المعروفة بالعشرية السوداء.

رئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح يتهم رئيس المخابرات السابق بالتآمر على مطالب الشعب
رئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح يتهم رئيس المخابرات السابق بالتآمر على مطالب الشعب (Reuters)

ما التالي: قال أستاذ القانون بجامعة وهران الجزائرية بوسلام ناصر إن الشعب الجزائري مصرٌّ على استكمال حراكه الاحتجاجي حتى تتم الاستجابة لجميع مطالبه، مضيفاً في حديث لـTRT عربي أن "استقالة بلعيز وصدور بيان الجيش يعدان تطورين مهمين في هذا الصدد".

وسلّط أستاذ القانون الجزائري الضوء على مطالبات "المحتجين بعدم الاكتفاء بتنحية الأشخاص المتورطين في التآمر ضد مصلحة الوطن، بل اعتقالهم ومحاكمتهم على اتهامات قد ترقى إلى درجة الخيانة العظمى"، لافتاً إلى أن قائد الجيش تحدّث في خطابه عن "أدلة قاطعة".

وقال إن هذه المطالب يُفترض أن تترجم عبر "تحرك القضاء الذي استعاد جزءاً كبيراً من استقلاليته، إذ ينبغي على القضاة المدنيين استدعاء المتهمين والبدء في إجراءات محاكمتهم، والأمر نفسه ينسحب على القضاء العسكري المنوط بمحاسبة من كانت لهم صفة العسكرية".

المصدر: TRT عربي