دُعي الجزائريون للتصويت، يوم الخميس، في انتخابات رئاسية يرفضها غالبيتهم، فيما يُنظر إلى الاقتراع على أنه وسيلة لتجديد النظام السابق، بعد قرابة تسعة أشهر من الاحتجاجات ضد السلطة ورموز نظام بوتفليقة المتنحي.

رفع العديد من المتظاهرين بطاقات كُتب عليها
رفع العديد من المتظاهرين بطاقات كُتب عليها "لا" للانتخابات (AP)

تظاهر آلاف من الطلاب، كما في كل أسبوع، في الجزائر العاصمة ضد الانتخابات الرئاسية، في آخر يوم ثلاثاء قبل يوم الاقتراع الذي يرفضه الحراك.

وجاب المتظاهرون المحاور الرئيسية لوسط المدينة وصولاً إلى ساحة البريد المركزي، نقطة التقاء كل التظاهرات، فيما كان شعار "لا انتخابات مع العصابات" الأكثر ترديداً في هتافات الطلاب ومعهم كثير من المواطنين.

وقالت صحيفة الخبر الجزائرية إن مظاهرات الثلاثاء شهدت مشاركة مكثّفة للمواطنين الذين انضموا إلى الطلاب، وأضافت أن المظاهرات مستمرة وتشهد حضوراً كبيراً "على غير العادة".

ورفع المتظاهرون شعاراتهم وسط انتشار أمني كثيف، مطالبين بـ"دولة مدنية وليس عسكرية" في رسالة إلى قيادة الجيش، الحاكم الفعلي منذ رحيل بوتفليقة وهتفوا "باي باي قايد صالح"، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

كما رفع العديد من المتظاهرين بطاقات حمراء كُتب عليها "لا" للانتخابات، و"شكراً" للجزائريين المقيمين في الخارج الذين قاطعوا الاقتراع الرئاسي منذ بدايته السبت.

رفضٌ واسع للانتخابات

لم تُنشر أي استطلاعات للرأي، لكن المراقبين يتوقعون امتناعاً واسعاً عن التصويت في بلد عُرف بتدني نسبة المشاركة في ظل نظام سياسي لم يتغير منذ عقود، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وبينما لا تظهر الحركة الاحتجاجية الشعبية أي علامات على التراجع، يُنتظر أن يكون الاقتراع "إخفاقاً تاماً" فيما يتعلق بنسبة المشاركة، وفقًا للباحثة الجزائرية كريمة ديرش.

وبدت مراكز الاقتراع خارج البلاد، المفتوحة منذ يوم السبت، شبه خالية فيما كان القليل من الناخبين هدفاً لهتافات مهينة من معارضي الانتخابات.

وقالت ديريش، مديرة الأبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية في باريس: "لقد تجنّد المغتربون ضد الانتخابات، رغم أنهم تقليدياً محافظون وقريبون من السلطة".

ويُعتبر المرشحون الخمسة جميعهم "أبناء للنظام" لدورهم خلال رئاسة بوتفليقة، فبينهم رئيسا وزراء ووزيران في حكوماته، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وحسب كريمة ديريش، فإن الرئيس الذي سيتم انتخابه "فقد مصداقيته مسبقاً، ولن يعترف به الشعب وسيواجه مشكلة حقيقية تتعلق بالشرعية الانتخابية"، ورأت أن الحراك حرب استنزاف سوف تستمر بعد الانتخابات.

وأضافت الباحثة أن هذا الرئيس المنتخب "سيكون ملزماً بالحكم مع ما أنتجه الحراك، أي المعارضة والقوى الموازية للسلطة التي ظهرت".

وختمت "يريد الجيش ضمان استمرارية السلطة، كما كانت موجودة في عهد بوتفليقة، لكن هذا مستحيل الآن".

حكم بالسجن 15 عاماً و12 عاماً، على رئيسي الوزراء السابقين، أحمد أويحي (يسار)، وعبد المالك سلال (يمين)، بعد إدانتهما في قضايا فساد
حكم بالسجن 15 عاماً و12 عاماً، على رئيسي الوزراء السابقين، أحمد أويحي (يسار)، وعبد المالك سلال (يمين)، بعد إدانتهما في قضايا فساد (AP)

محاكمة تاريخية؟

أصدر القضاء الجزائري، الثلاثاء، حكماً بالسجن 15 عاماً و12 عاماً، على رئيسي الوزراء السابقين، أحمد أويحي، وعبد المالك سلال، بعد إدانتهما في قضايا فساد.

جاء ذلك في نطق محكمة "سيدي امحمد" بالعاصمة، بالأحكام المتعلقة بالقضية المعروفة بملفي "تركيب السيارات، والتمويل الخفي لحملة الرئيس المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة" التي يحاكم فيها عدة وزراء ومسؤولون سابقون ورجال أعمال.

وقضت المحكمة بالسجن النافذ لمدة 15 عاماً بحق أو يحيى، الذي قاد الحكومة عدة مرات في عهد بوتفليقة، مع منعه من ممارسة حقوقه المدنية والسياسية.

كما قضت بالسجن النافذ لمدة 12 عاماً بحق سلال الذي قاد الحكومة بين 2012 و2017، بعد أن طلبت النيابة الأحد، إنزال عقوبة 20 سنة ضد كلٍّ منهما.

كما أصدرت المحكمة، عقوبة السجن 20 عاماً بحق عبد السلام بوشوارب، وزير الصناعة الأسبق، وإصدار مذكرة توقيف دولية بحقه بسبب وجوده خارج البلاد.

وقضت المحكمة أيضاً بالسجن النافذ 10 سنوات، بحق وزيرَي الصناعة السابقين يوسف يوسفي، ومحجوب بدة، فيما صدرت براءة وزير النقل السابق مدير حملة بوتفليقة الانتخابية عبد الغني زعلان.

وأصدرت أيضاً أحكاماً بالسجن 5 سنوات ضد وزيرة السياحة السابقة يمينة زرهوني، و3 سنوات ضد فارس سلال، نجل رئيس الوزراء السابق.

كما أمرت بمصادرة أملاك المتهمين المدانين في القضية التي تعد فريدة من نوعها منذ استقلال البلاد من حيث نوعية المتهمين، حسب وكالة الأناضول.

في هذا الصدد، قال الكاتب الصحفي حسان زهار إن "من لا يعتقد حيال محاكمة العصابة أننا لسنا أمام محاكمة تاريخية بكل المقاييس، عليه أن يراجع نفسه، ذلك أنه لم يحدث في تاريخ الجزائر كلها أن شاهدنا صوراً كالتي نشاهدها اليوم، وتاريخاً كالذي نكتبه اليوم، حين يتذوق رموز الفساد والإجرام بعض الذي أذاقوه للناس".

محطّة "سيجتازها الحراك"

استباقاً لما قد يسفر عنه الرفض الشعبي للانتخابات، دعت 19 شخصية سياسية، الثلاثاء، إلى المحافظة على سلمية الحراك الشعبي في البلاد، واحترام رافضي الانتخابات لمن قرروا المشاركة فيها.

ووقع البيان شخصيات سياسية وحقوقية؛ أبرزها رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، ووزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي، والرئيس الشرفي للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان يحيى عبد النور.

وحثت الوثيقة على "اعتبار موعد 12 ديسمبر/كانون الأول محطة من محطات نضالية عديدة سيجتازها الحراك الشعبي بوعيه وسلوكه الحضاري حتى يحافظ على سلميته بعد هذا التاريخ".

ودعت إلى "عدم التعرض لحقوق الآخرين في التعبير الديمقراطي عن آرائهم رغم اختلافنا في الاجتهادات وما بُني عليها من مواقف سياسية، وتجنب أي احتكاك أو الرد على الاستفزازات من أيّة جهة كانت"، وذلك "حتى لا تُخدش هذه الملحمة الجامعة في سلميتها وسمعتها، وتبقي بياناً لوحدة الشعب" .

وقال البيان: "لا تزال قطاعات واسعة من الشعب الجزائري ترفض إجراء الانتخابات في هذه الظروف المتوترة، وهذا ما تؤكده المسيرات الحاشدة كل يوم جمعة وثلاثاء".

ودعا "السلطة القائمة إلى الابتعاد عن الخطابات الاستفزازية ولغة التهديد وتخوين كل من يخالفها الرأي في كيفية الخروج من الأزمة. ونحملها مسؤولية أي انزلاق قد تؤول إليه الأمور في قادم الأيام".

المصدر: TRT عربي - وكالات