صناع القرار الإسرائيليون المتورطون في الحرب على غزة عام 2014 سيكونون أول من يواجه  المحكمة الجنائية الدولية (AFP)

ما إن توارد الحديث عن إمكانية إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين كبار وتحقيق جنائي في شبهة ارتكابهم جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية بالأراضي الفلسطينية، حتى استعدت إسرائيل لمحاربة هذا الإجراء بتكتم وسرية، ودون أن تترك دليلاً خلفها يدينها في المحكمة.

وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، الثلاثاء: إنه "من المرجح أن تتخذ المحكمة الجنائية قريباً قراراً بشأن إن كانت ستفتح تحقيقاً في شبهة ارتكاب إسرائيل جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية".

ويأتي ذلك بعد إعلان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا أن للمحكمة صلاحية التحقيق في جرائم حرب محتملة بالأراضي الفلسطينية، في مطلع مايو/أيار الماضي.

وكانت المدعية العامة للمحكمة الجنائية، فاتو بنسودا، قد أيدت أن تُطلق المحكمة تحقيقاً في شبهات جرائم إسرائيلية ضد الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، لكن القرار ما يزال متروكاً لقضاة المحكمة. ولم يتضح موعد إصدار القضاة قرارهم، في الوقت الذي تتوقع وسائل إعلام إسرائيلية أن يكون خلال الأيام القادمة.

قائمة سرية وتحرك إسرائيلي بالخفاء

وتعمل إسرائيل الآن على وضع قائمة سرية بأسماء المئات من ضباط الجيش والمخابرات، الذين قد يتعرضون للاعتقال في الخارج، في حال فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً بحقهم.

وقالت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، الخميس، إن القائمة تضم الآن ما بين 200 و300 مسؤول، لم يتم إبلاغ بعضهم.

وتتبع إسرائيل سرية كبيرة فيما يخص هذا الموضوع، لأن مجرد الكشف عن وجود القائمة يمكن أن يعرض الأشخاص الموجودين فيها للخطر، ومن المرجح أن تنظر المحكمة الجنائية إلى قائمة الأسماء على أنها اعتراف إسرائيلي رسمي بتورط هؤلاء المسؤولين في الحوادث قيد التحقيق، بحسب الصحيفة.

وأشارت الصحيفة إلى أنه "من المتوقع أن تبت المحكمة الجنائية الدولية قريباً إن كانت ستوافق على طلب المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا، بالتحقيق مع إسرائيل، بشأن الاشتباه في ارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية بدءاً من عام 2014"، وهو العام الذي شنت فيه إسرائيل حربها الأخيرة على غزة.

ومن المحتمل أن ترفض تل أبيب التعاون مع المحكمة، الأمر الذي قد يقودها فيما بعد إلى إصدار مذكرات اعتقال سرية ضد الإسرائيليين، ولن تتمكن إسرائيل بالضرورة من معرفة ذلك، وسيتطلب ذلك من الأخيرة توخي الحذر، خاصة في رحلات الشخصيات وكبار الضباط في الخارج خشية الاعتقال.

ومن المقرر أن تعلن وزارة الخارجية الإسرائيلية قريباً عن جهودها السياسية بما يتعلق بالمحكمة الدولية، بحسب صحيفة "يدعوت أحرنوت".

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن شبح المحكمة الدولية قد يبقى يطاردنا زمناً طويلاً، “لكن أيدينا ليست مكتوفة ولدينا ما نفعله“.

ولم تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي تجاه هذه التحركات التي قد تشكل صداعاً كبيراً لتل أبيب، على حد تعبير مسؤولين كبار لوسائل إعلام إسرائيلية، قالت: إن "إسرائيل ستعمل على نزع الشرعية عن المحكمة، وستطلب من الولايات المتحدة فرض مزيد من العقوبات ضدها".

وفي الأسابيع الأخيرة عُقدت عدة جلسات استماع حول مسألة التحضير لقرار المحكمة الجنائية الدولية، بمشاركة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

فحوى الجرائم.. الاستيطان وحرب غزة والأسرى

ويعتقد الخبراء في القانون الدولي أن المسؤولين وصناع القرار المتورطين في الحوادث، التي تبدأ بالحرب في غزة في صيف 2014، سيكونون أول من يواجه تدقيق المحكمة، بالإضافة إلى كل ما يخص الاستيطان في الضفة الغربية واعتقال إسرائيل لفلسطينيين.

ومن بين المتورطين في جرائم حرب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وزراء الدفاع السابقون موشيه يعلون وأفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت، ورئيسا الأركان السابقين في الجيش الإسرائيلي بيني غانتس وجادي أيزنكوت، ورئيس الأركان الحالي أفيف كوخافي، والرئيسان السابق والحالي لجهاز الأمن العام (الشاباك) يورام كوهين ونداف أرغمان.

استمرت حرب إسرائيل على غزة عام 2014 أكثر من 50 يوماًً، وتسببت باستشهاد 2322 فلسطينياً بينهم 578 طفلاً و489 امرأة و102 مسن، ودمرت نحو 11 ألف وحدة سكنية

وكالة الأناضول

ويُظهر طول القائمة أنها تشمل أشخاصاً في وظائف أصغر بكثير، بما في ذلك ضباط عسكريون من الرتب الدنيا، وربما تطال مسؤولين ضالعين في إصدار أنواع مختلفة من تصاريح البناء في المستوطنات والبؤر الاستيطانية، لأن قضية الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية هي أيضاً ضمن نطاق التحقيق المطلوب.

ولا تحقق المحكمة الجنائية الدولية مع دول، وإنما فقط مع مسؤولين سياسيين وعسكريين.

تحرك فلسطيني وانحياز أمريكي

ويأتي هذا التحرك من قبل الجنائية الدولية بطلب من فلسطين للتحقيق في الحروب الإسرائيلية على غزة، والاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وأسرى فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

ورحب الفلسطينيون بإعلان بنسودا، معبرين عن الأمل بأن تطلق المحكمة تحقيقها الرسمي قريباً، لكن إسرائيل والولايات المتحدة انتقدتا الخطوة. ففي يونيو/حزيران الماضي وقع ترمب مرسوماً رئاسياً يسمح بفرض عقوبات اقتصادية على "الجنائية الدولية"، بداعي محاولات استجواب ومحاكمة القوات الأمريكية على شبهة ارتكاب جرائم في أفغانستان، أو حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك إسرائيل.

وتعتبر إسرائيل والولايات المتحدة أن المحكمة لا تملك صلاحية للتحقيق مع مسؤولين إسرائيليين، باعتبار أن تل أبيب ليست عضوة بالمحكمة، وأن فلسطين ليست دولة، لكن الحكومة الفلسطينية وبنسودا رفضتا هذه المبررات.

وعلى صعيد الفلسطينيين، فقد وجّهت 83 مؤسسة أهلية فلسطينية ودولية، نداءً "عاجلًا" إلى الأمم المتحدة حول حادث مقتل الفلسطيني أحمد عريقات (26 عاماً) عمداً وإعدامه خارج نطاق القضاء، على يد الجيش الإسرائيلي.

وحثت المؤسسات في بيان مشترك وقعت عليه 35 منظمة فلسطينية، و5 إقليمية و43 دولية، ونشره مركز الميزان للحقوق، الثلاثاء، "على تحقيق العدالة الدولية وإخضاع السياسة التي تنتهجها إسرائيل في إطلاق النار بقصد قتل الفلسطينيين للمساءلة والمحاسبة".

وفي 24 يونيو/حزيران نشر الجيش الإسرائيلي تسجيل فيديو يُزعم أنه يُظهِر عريقات وهو يقتحم بسيارته الحاجز، قبل أن يطلق الجنود الإسرائيليون النار عليه.

وبموجب أحكام القانون الدولي يرقى قتل الجنود الإسرائيليين الفلسطيني أحمد عريقات إلى مرتبة القتل العمد والإعدام خارج نطاق القضاء، ممَّا يُفضي إلى نشوء مسؤولية جنائية فردية عنه باعتباره جريمة حرب تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية

أحمد عريقات هو الفلسطيني، الواحد والعشرون، الذي يُقتل على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال النصف الأول من عام 2020

بيان لـ83 مؤسسة أهلية فلسطينية ودولية

وتعتقد إسرائيل أن المحكمة ستختار في الواقع تأجيل قرارها إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني، لمعرفة إن كان دونالد ترمب قد انتخب لولاية رئاسية ثانية أم لا.

حذر دائم

وتقول الباحثة في مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي والرئيسة السابقة لقسم القانون الدولي في النيابة العسكرية بنينا شربيط: إن "القضاة الذين سيبتون في القضية أغلبهم ليسوا من الموالين لإسرائيل ولا مؤيديها".

وتضيف لصحيفة "يديعوت أحرونوت": “في حال قررت المحكمة الجنائية الدولية أن المدعية العامة فاتو بنسودا باستطاعتها بدء تحقيق في جرائم الحرب، فإن مسؤولين إسرائيليين، سواءً في الجيش أو في مناصب وأوساط أخرى، وأؤلئك الذين يدعمون ويشجعون الاستيطان سيجدون أنفسهم معرضين لمحاكمات جنائية، وقد تصدر بحقهم أوامر اعتقال ويطلبون للمثول أمام المحكمة".

وتشير إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد يكون أحد هؤلاء المسؤولين، وإلى جانبه عدد من الوزراء وكذلك رئيس أركان الجيش أفيف كوخابي ورؤساء مجالس محلية وبلديات في المستوطنات.

وتؤكد أن تل أبيب لن تتعاون مع المحكمة أبداً، "وهو ما من شأنه أن يدفع المحكمة الدولية لإصدار أوامر اعتقال سرية ضد إسرائيليين دون أن تعرف تل أبيب بهذا الأمر، الأمر الذي سيجعل إسرائيل في حالة حذر دائم خاصة بما يتعلق بسفر المسؤولين والضباط إلى الخارج خشية تعرضهم للاعتقال".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً