ريجيني (Reuters)

مع اقتراب الذكرى الخامسة لمقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في مصر، وتحديداً في 3 فبراير/شباط 2016، حين عُثر على جثته ملقاة على جانب أحد الطرق السريعة خارج القاهرة، تتخذ إيطاليا مجموعة من الخطوات التصعيدية المتلاحقة ضد الجانب المصري، والتي قد تضع العلاقة بين البلدين على المحك.

في يوم الخميس 10 ديسمبر/كانون الأول الجاري، اتهمت النيابة الإيطالية أربعة من ضباط الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية المصرية، باختطاف وتعذيب وقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني عام 2016.

الضباط المصريون يشغلون رتباً عالية في الداخلية المصرية، حسب ما أعلنه النائب العام الإيطالي مايكل بريتيبينو بعد انتهاء التحقيقات المستمرة منذ سنوات، وهم الرائد شريف مجدي من المخابرات العامة واللواء طارق صابر الرئيس السابق لجهاز الأمن الوطني وعقيد الشرطة هشام حلمي والعقيد آسر كمال رئيس مباحث مرافق القاهرة السابق.

المدعون الإيطاليون أمهلوا الجانب المصري 20 يوماً للرد على الاتهامات وسيطلبون بعدها من القضاء بدء محاكمة غيابية في إيطاليا، بحسب صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية.

"الحقيقة قد تكون مروّعة"

الثلاثاء 15 ديسمبر/كانون الأول الجاري، قال رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، إن إجراء المحاكمة الغيابية في مقتل ريجيني بالقاهرة، يمثل "أداة للوصول إلى الحقيقة، التي للأسف يتوقع أن تكون مروّعة"، بحسب مقابلة معه نشرتها صحيفة لا ستامبا الإيطالية.

وتابع كونتي: "هذه القصة تثير الحزن في نفوسنا، لكن الآن سلطاتنا القضائية ستبدأ محاكمة حقيقية وجادة ويعتدّ بها، للكشف عن حقائق صادمة"، لافتاً إلى أن القضية ستكون ذات أهمية دولية، وقد يشارك فيها مراقبون دوليون، إذ إن نتائج التحقيقات التي خلص إليها الجانب الإيطالي تتضمن "أدلة لا تدع مجالاً للشك".

من جانبه، أكد رئيس البرلمان الإيطالي روبرتو فيكو تمسُّك مجلس النواب بضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر، بعد الاطلاع على تقارير النائب العام في روما حول التعذيب الذي تعرّض له ريجيني على يد الأمن المصري، مشيراً إلى أن ما تعرّض له ريجيني "يبعث على الذهول"، بحسب مقابلة خاصة له مع الجزيرة قبل الأسبوع الجاري.

لم يتوقف الأمر عند تصعيد رئيس الوزراء والبرلمان الإيطالي والنيابة العامة، فقد اتهمت محامية أسرة ريجيني، أليساندرا باليريني، النظام المصري بالوقوف وراء مقتل موكلها، ونفت أن يكون مقتله "فعلاً فردياً"، بحسب مقابلة خاصة لها مع الجزيرة.

وأكدت باليريني أن التحقيقات الإيطالية كشفت عن "شبكة كاملة ساهم فيها كثير من الأفراد" بدءاً من مراقبة واختطاف وتعذيب موكلها، وصولاً إلى مقتله والعثور على جثته، وشددت على أن البحث يجب أن يستمر لكشف هذه الشبكة كاملةً.

موقف الجانب المصري

منذ الكشف عن جثة ريجيني، أصرّت السلطات المصرية على نفي أي تورط لها في مقتله، ومرّت التحقيقات طوال السنوات الماضية بالكثير من المحطات وتضاربت فيها الروايات المصرية الرسمية حول حقيقة ما حدث.

آخر موقف مصري معلن كان في 1 ديسمبر/كانون الأول الجاري، إذ أعلنت السلطات المصرية بشكل مفاجئ أنها سوف "تغلق مؤقتاً" ملف التحقيق في القضية، في ظل بقاء مرتكب الجريمة "مجهولاً"، في بيان للنيابة العامة بالقاهرة.

وبعد توجيه الاتهام لأربعة ضباط في الأمن الوطني، رفضت السلطات المصرية طلب النيابة الإيطالية بالتحقيق معهم، وقالت إن "الدليل غير مكتمل لاتخاذ إجراءات ضدهم"، وتمسكت بتحفظها على الاتهامات مصرة على أن التحقيق الإيطالي "بُني على أدلة غير ثابتة".

وطوال السنوات الماضية، قدّمت مصر تفسيرات متضاربة أحياناً لمقتل ريجيني، من بينها أنه كان ضحية عملية سطو نفذتها عصابة إجرامية من خمسة أشخاص، لقوا حتفهم جميعاً في تبادل لإطلاق النار! إلا أن المسؤولين الإيطاليين رفضوا هذا التفسير ووصفوه بأنه "غير قابل للتصديق"، وأثار مقتل 5 أشخاص بدعوى قتلهم لريجيني غضباً ومظاهرات واسعة داخل مصر وخارجها.

لاحقاً، اتهم الادعاء الإيطالي المسؤولين المصريين بتعمُّد تضليل التحقيقات، وأن الشهادات كلها تؤكد "اختطاف الأمن المصري لريجيني واقتياده لموقعين أمنيين على الأقل قبل مقتله".

جانب من التظاهرات الغاضبة في مصر عقب مقتل 5 أشخاص اتهمهم النظام المصري بقتل ريجيني عام 2016 (Reuters)

ماذا حدث لريجيني؟

في 25 يناير/كانون الثاني 2016، وتزامناً مع الذكرى الخامسة حينها لاندلاع الثورة المصرية التي أطاحت بنظام مبارك، اختفى طالب الدكتوراه الإيطالي أثناء قيامه برحلة بحثية حول موضوع دراسته، في اليوم الذي انتشرت فيه قوات الأمن بكثافة بمواجهة أي تظاهرات محتملة في ذكرى الثورة.

بعدها بأسبوع، عُثر على جثة ريجيني ملقاة داخل حفرة على جانب أحد الطرق السريعة خارج القاهرة، وقالت والدته إن جثة ابنها "كانت مشوّهة لدرجة أنها عجزت عن التعرف عليه إلا من أرنبة أنفه".

بعد تشريح الجثة، تبين أن ريجيني تعرض للتعذيب على عدة مراحل خلال أسبوع اختفائه وحتى ظهور جثته، وقال الادعاء حينها إن جسده كان مصاباً بجروح بالغة تظهر تعرّضه للضرب "بالركلات واللكمات والعصي والهراوات"، قبل أن يموت متأثراً بكسر في عنقه.

لاحقاً، اشتبه محققون إيطاليون أن قوات الأمن المصرية استهدفت ريجيني بسبب أبحاثه حول "النقابات العمالية المستقلة"، الموضوع الذي يثير الكثير من الجدل السياسي في تلك الفترة الحساسة بمصر.

العلاقة بين مصر وإيطاليا

مرّت العلاقة بين الجانبين المصري والإيطالي بالكثير من المنعطفات منذ مقتل ريجيني، وصلت إلى حد تجميد العلاقات الدبلوماسية بين رئيس مجلس النواب الإيطالي ونظيره المصري عام 2018، واستدعاء وزير الخارجية للسفير المصري في روما حينها.

إلا أن مصادر حكومية مطلعة أكدت لموقع مدى مصر أن هناك "تفاهمات مشتركة بين القاهرة وروما، مفادها أن إيطاليا ستفعل ما تريد ومصر ستفعل ما تريد، وسيبقى البلدان صديقين"، معللاً ذلك بأن إيطاليا لن تحتمل خسارة ما تقدمه لها مصر من صفقات اقتصادية كبرى، خاصة صفقات السلاح التي تتضمن مكاسب مالية كبرى.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً