واجه بعض فصائل "الحشد الشعبي" اتهامات بالوقوف وراء عمليات اغتيال لنشطاء في الاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019 (Alaa Al-Marjani/Reuters)

للمرة الثانية خلال أقل من نصف عام، تجدد صراع مسلح بين رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وفصائل من "الحشد الشعبي"، داخل "المنطقة الخضراء"، المحصنة أمنياً وسط العاصمة بغداد، لفرض "سياسة الأمر الواقع" بقوة السلاح.

ورداً على اعتقال قيادي في "الحشد" بتهمة الإرهاب، حاصرت قوات من "الحشد الشعبي"، الأربعاء، منزل الكاظمي وأماكن أخرى بـ"المنطقة الخضراء"، حيث توجد منازل مسؤولين ومقار مؤسسات رسمية والبعثات الدبلوماسية الأجنبية، وفق مصادر أمنية وتسجيلات مصورة.

وأوقفت قوة أمنية عراقية، الأربعاء، قاسم مصلح، قائد عمليات "الحشد" في محافظة الأنبار (غرب)، بتهمة الإرهاب، وفق وزارة الدفاع.

ولم توضح وزارة الدفاع التهمة المنسوبة إلى مصلح على وجه الدقة، إلا أن وسائل إعلام محلية أفادت بأنه "متهم بقتل ناشطين في الاحتجاجات"، بينهم إيهاب الوزني رئيس تنسيقية الاحتجاجات في كربلاء (جنوب) الذي قتل على يد مجهولين في 9 مايو/أيار الجاري.

لكن بعد ساعات تم الإعلان عن إطلاق سراحه، وتسليمه لقوات "الحشد الشعبي"، بعد انتشار عناصرها في "المنطقة الخضراء".

ومن الأماكن التي سيطرت عليها قوات "الحشد الشعبي"، مبنى رئاسة الوزراء، وهو ما وضعه محللون سياسيون في خانة "الصراع القائم بين الدولة و اللادولة" في البلاد.

احترام القانون

وقال عضو مركز القرار للدراسات الاستراتيجية (غير حكومي)، ماهر جودة، للأناضول: إن "المؤسسات الأمنية المعروفة ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، وما حصل مساء الأربعاء يبدو أنه صراع بين الدولة واللادولة، والصورة أصبحت واضحة".

وأضاف "جودة": أنه "كان من المفترض أن يتم احترام مذكرة القبض الصادرة من القضاء ضد القائد في الحشد الشعبي (قاسم مصلح)، وانتظار نتائج التحقيق، وما يقرره القضاء".

وتابع: "من خلال أحداث التوتر الأمني في بغداد، أصبح واضحاً للجميع بأنه (الحشد الشعبي) خارج نطاق المؤسسة العسكرية، والشارع العراقي مع الدولة ومع احترام القانون".

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، اقتحمت قوات من "الحشد الشعبي"، تابعة لفصيل "عصائب أهل الحق"، "المنطقة الخضراء"، بعد ساعات من توقيف قوات الأمن لشخص ينتمي إلى الفصيل، بتهمة قصف "المنطقة الخضراء" بالصواريخ، ليتم لاحقاً إطلاق سراحه.

وتواجه بعض فصائل "الحشد الشعبي"، وبينها مقربة من إيران، اتهامات بالوقوف وراء عمليات اغتيال لنشطاء في الاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019.

وترفض هذه الفصائل أي عمليات اعتقال لعناصر ها تقوم بها قوات من الجيش أو الشرطة أو قوات مكافحة الإرهاب.

واشتد الصراع الأمني والسياسي بين بعض هذه الفصائل والكاظمي منذ مقتل قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.

وتتهم هذه الفصائل الكاظمي بمساعدة الأمريكيين على اغتيال سليماني في غارة جوية قرب مطار بغداد، في 3 يناير/كانون الثاني 2020.

تحذير من سقوط الدولة

وإزاء استعراض "الحشد الشعبي" لقوته في قلب بغداد، حذر رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (2014-2018)، من دخول البلاد في "مرحلة الفوضى".

وقال العبادي، في تغريدة الأربعاء: إن "بناء الدولة مسؤولية تضامنية، فإما أن تسير الدولة إلى السيادة والنظام ، أو أن تسقط الدولة على رؤوس الجميع".

واعتبر العبادي، الذي دخل خلال رئاسته للحكومة في خلافات أيضاً مع "الحشد الشعبي"، أن "التجاوز والاستقواء والتمرد على الدولة ممنوع"، و"لا أحد فوق القانون، وليحتكم الجميع إلى الدولة ومنطقها قبل أن تبتلعنا الفوضى".

تحدٍ للدولة

يرى خبراء في الجانب العسكري أن أحداث الأربعاء تجاوز على سلطة الدولة.

وقال الخبير في الشؤون العسكرية أعياد الطوفان، للأناضول: إن "ما جرى من أحداث الأربعاء تجاوز على الدولة والقانون، وتصرف مرفوض، فمن صلاحيات رئيس الوزراء بصفته القائد العام للقوات المسلحة تطبيق أوامر القبض الصادرة من القضاء".

وأوضح "الطوفان" أن "الإجراء كان تمرداً عسكرياً، باعتبار أن الشخص المعتقل قائد بالحشد الشعبي، الذي يعتبر جزءاً من القوات الأمنية، ويفترض بالحكومة اتخاذ إجراءات عقابية بفصلهم من مناصبهم وإحالتهم إلى القضاء".

ووفق القانون يتسلم الحشد الشعبي أوامره من قيادة العمليات المشتركة، التي تتبع وزارة الدفاع، وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي.

استياء شعبي

على المستوى الشعبي، اعتبر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أن سيطرة قوات من "الحشد الشعبي" على أماكن مهمة داخل المنطقة الخضراء "تحدٍ لسلطة الدولة"، وحملوا الكاظمي مسؤولية هذه "النتائج السلبية".

ونددوا بسياسة فرض الأمر الواقع بقوة السلاح من جانب فصائل "الحشد الشعبي"، خاصة المقربة من طهران، التي تتمتع بنفوذ كبير في بغداد منذ 2003.

وكتب زياد عدنان، أحد المدونين على صفحته في الفيسبوك، "لدينا قوات تتبع الدفاع والداخلية قوامها أكثر من مليون شخص، ويتم إنفاق مليارات الدولارات كرواتب وتسليح وتجهيز، وكل هذه القوات غير قادرة على ضبط أشخاص خارجين عن القانون، الأمر يحتاج إلى تفكر".

وعلّق محمد الميراني، على صفحته بفيسبوك بالقول: "الدولة تفرض طوقاً أمنياً على الدولة.. أين جيشك يا رئيس الوزراء!؟" في إشارة إلى تطويق قوات الحشد الشعبي مقار الحكومة في المنطقة الخضراء.

وتعقيباً على انتشار قوات "الحشد الشعبي"، قال الكاظمي، الأربعاء، إن "المظاهر المسلحة التي حدثت من قبل مجموعات مسلحة تُعد انتهاكاً خطيراً للدستور والقوانين النافذة، ووجهنا بالتحقيق الفوري في هذه التحركات حسب القانون".

ورغم تبعية الحشد الشعبي "قانونياً" للقوات المسلحة، وارتباطه مباشرة برئيس الوزراء، فإن مراقبين يرون أن نفوذه تصاعد على نطاق واسع، وبات أقوى من مؤسسات الدولة الأخرى، ولا يخضع قادته لأوامر الحكومة، بل لقادته المقربين من إيران.

AA
الأكثر تداولاً