المواطنون في السعودية تدافعوا لشراء الذهب والسلع قبل بدء فرض الضريبة  (Reuters)

لا تزال الأزمة الاقتصادية والخسائر المتتالية تلقي بظلالها على المملكة العربية السعودية في ظل انتشار وباء كورونا وانخفاض أسعار النفط، الأزمة التي بانت معالمها في انكماش الناتج المحلي للبلاد، وكذلك سعي السلطات لتعويض خسائر الخزينة من خلال فرض المزيد من الضرائب.

وأعلنت السلطات السعودية الأربعاء، رفع ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات إلى 15%، بعد أن كانت 5% اعتباراً من مطلع 2018، وذلك بهدف تعزيز إيرادات الدولة وسط تدهور اقتصادي هو الأسوأ على الإطلاق.

وتواجه السعودية وهي أكبر بلد مصدِّر للنفط في العالم أسوأ تراجع اقتصادي لها هذا العام في ظل جائحة فيروس كورونا التي أضعفت الطلب العالمي على الخام وإجراءات احتواء الفيروس التي أضرت بالاقتصاد غير النفطي للمملكة.

يقول جيمس سوانستون الاقتصادي في كابيتال إيكونوميكس المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إن "أزمة فيروس كورونا تعني أن هذه أنباء قديمة إلى حد ما، ومن المؤكد بدرجة كبيرة أن تكون بيانات الربع الثاني مروعة".

تدافع لشراء السلع

وشهد الأسبوع الأخير في السعودية حركة شراء غير اعتيادية للمواطنين والمقيمين الذين تدافعوا لشراء السلع من عصائر الفاكهة المستوردة حتى السيارات والذهب، قبل بدء تطبيق الزيادة الكبيرة في ضريبة القيمة المضافة.

واكتظت المتاجر الكبرى في العاصمة الرياض خلال عطلة نهاية الأسبوع، وسعى المتسوقون لتخزين السلع غير القابلة للتلف. وعرضت متاجر الأثاث والأجهزة المنزلية تخفيضات لجذب المشترين، حسب وكالة رويترز.

ويقول تجار سيارات في الرياض إنهم لاحظوا زيادة واضحة في الطلب خلال الأيام الماضية، إذ أشار التاجر نجم العتيبي إلى أن المواطنين "يحاولون الشراء قبل فرض الضريبة، ونحن نسعى لتوفير ما يتطلبه السوق ويبدو واضحاً أنه يوجد طلب كبير على السيارات".

من جانبه، يقول وائل فهد وهو مواطن سعودي: "القيمة المضافة الآن تبلغ 5% وقريباً 15%، فلو اشتريت سيارة قيمتها 100 ألف ريال فستصبح 115 ألف ريال مع الضريبة الجديدة، فإذا اشتريتها الآن فسأوفر على نفسي 10 آلاف".

المقيم المصري في السعودية أشرف نور يقول: "أنا قادم لشراء سيارة خاصة، كنت أتوقع أن يكون السوق أرخص مما هو عليه بكثير لكنني وجدت جشعاً لدى التجار".

وتحدث جابر الصحاري، الذي يعمل في متجر للذهب، عن زيادة في الطلب خلال الأسبوعين الأخيرين. وقال "توجد حركة واضحة خلال الأسبوعين الأخيرين، والإقبال على المبيعات ظاهر لأن الضريبة سترتفع".

ضرائب إضافية وخطوات احترازية
وكانت السعودية أعلنت زيادة ضريبة القيمة المضافة وتعليق بدل غلاء المعيشة في مايو/أيار، ما أحدث صدمة في أوساط المواطنين والشركات الذين كان يتوقعون مزيداً من الدعم من الحكومة.

وتراجع التضخم في الأشهر الأخيرة إلى حوالي 1% بسبب انخفاض الطلب على المواد غير الغذائية وتراجع أسعار الوقود، لكن بعض المحللين يتوقعون أن يرتفع إلى ما يصل إلى 6% على أساس سنوي في يوليو/تموز، بسبب زيادة ضريبة القيمة المضافة.

وزادت السلطات خلال الشهر المنصرم رسوم الاستيراد لاحتواء العجز المالي المتضخم الذي يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتجاوز 12% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة مع 4.5% العام الماضي.

وتوضح أرقام كابيتال أن هذه الخطوات قد تخفض العجز الكلي بين 4.5% و6% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنها قد تبطئ وتيرة التعافي الاقتصادي.

الاقتصاد ينكمش

انكمش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية بالأسعار الثابتة، بنسبة 1% على أساس سنوي، خلال الربع الأول من العام الجاري، مقارنة مع نمو 1.7% في الفترة المقابلة من 2019.

وقالت الهيئة العامة للإحصاء السعودية إن التراجع يعود إلى انكماش القطاع النفطي بنسبة 4.6% على أساس سنوي، على الرغم من ارتفاع القطاع غير النفطي بنسبة 1.6%.

وتأثرت السعودية بهبوط أسعار النفط الخام خلال الشهر الأخير من الربع الأول، مع ظهور خلافات مع روسيا بشأن تمديد اتفاق خفض إنتاج النفط، إلى جانب استمرار التزامها اتفاقية خفض الإنتاج.

وعلى مستوى القطاع غير النفطي، حقق القطاع الخاص نمواً قدره 1.4% في الربع الأول 2020، بينما حقق القطاع الحكومي نمواً بنسبة 1.9%.

وبلغت قيمة الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية 695.6 مليار ريال (185.5 مليار دولار) خلال الربع الأول 2020، بانخفاض نسبته 3.2% على أساس سنوي.

ووفق بيان الهيئة العامة للإحصاء، انكمش نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول 2020، بنسبة 5.7% إلى 19.981 ألف ريال (5823 دولاراً).

ويتوقع أن تكون نسبة الانكماش في نمو الاقتصاد السعودي أكبر خلال الربع الثاني من 2020، مع تأثر البلاد سلباً بالتبعات الاقتصادية لتفشي جائحة كورونا، وهبوط أسعار النفط لأدنى مستوى في عقدين خلال أبريل/نيسان الفائت.

والأسبوع الماضي، توقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاد السعودية الأكبر في المنطقة، بنسبة 6.8% في 2020، مقارنة مع انكماش بنسبة 2.3% عن تقديراته في أبريل/نيسان الماضي.

الصادرات تهوي

وفي الربع الأول من العام الجاري، هوت صادرات السعودية نحو 11 مليار دولار على أساس سنوي. وتفيد بيانات رسمية صدرت الشهر الحالي بأنها انخفضت حوالي 12 مليار دولار في أبريل/نيسان وحده.

ومن المرجح أن تؤثر تخفيضات إنتاج النفط الكبيرة في مايو/أيار ويونيو/حزيران، بهدف رفع الأسعار على الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني، وأظهرت الأرقام الصادرة عن البنك المركزي هذا الأسبوع أن معاناة الاقتصاد غير النفطي ستستمر في مايو/أيار، حسب رويترز.

وحسب بيانات مؤسسة النقد العربي السعودية، فإن أرباح القطاع المصرفي سجلت تراجعاً سنوياً بنحو 40% في مايو/أيار، وانخفضت معاملات نقاط البيع نحو 16%.

وقالت أرقام كابيتال في دبي: "استمرت إجراءات الإغلاق وضعف الثقة في النيل من الإنفاق"، متوقعة أن يكون الانفاق الاستهلاكي انخفض بنسبة 32% على أساس سنوي الشهر الماضي، بعد تراجع بنسبة 35% في أبريل/نيسان.

خيارات قليلة

ولا تملك السعودية خيارات كثيرة في ظل تراجع أسعار النفط، فقد تلقت إيراداتها المالية ضربة أخرى مع تقليص السلطات بشكل كبير أعداد الحجاج هذا العام، من 2.5 مليون حاج العام الماضي، إلى حوالي ألف فقط، بسبب المخاوف من تفشي الفيروس الذي تسبب في وفاة أكثر من 1600 شخص في المملكة من بين نحو 200 ألف إصابة مسجلة.

وتدر مناسك الحج والعمرة 12 مليار دولار سنوياً على خزينة الدولة.

وحسب وسائل الإعلام الحكومية، فإن حملة التقشف ستضيف إلى خزائن الدولة نحو 100 مليار ريال (26.6 مليار دولار). لكن من غير المرجح أن تسد عجز الميزانية الضخم في المملكة.

وتتوقع مجموعة "جدوى" السعودية للاستثمار أن يرتفع العجز إلى مستوى قياسي قد يبلغ 112 مليار دولار هذا العام، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

توقعات بمزيد من الأضرار 

وتوقع صندوق النقد الدولي خلال شهر يونيو/حزيران الحالي، أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي للسعودية 6.8% هذا العام، في أسوأ أداء له منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي توقعات أسوأ بـ4.8% مما توقعه الصندوق قبل شهرين فقط، ما يعكس تدهوراً سريعاً محتملاً للاقتصاد السعودي.

يقول جهاد أزعور مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي في جلسة افتراضية عن بعد عُقدت الأربعاء، إن انكماش الناتج النفطي بدول المنطقة بنسبة 7%، موضحاً أن عودة الحركة في الدول الست يساعد على تحديد القطاعات الأكثر تأثراً بالجائحة.

ويضيف: "نشهد مرحلة من الضبابية المرتفعة مع تراجع حر كة التجارة العالمية بنسبة 12%، ومن الضروري بالنسبة إلى دول الخليج إبقاء الإجراءات الاحترازية ضمن أولوياتها نظراً إلى استمرار تفشي كورونا".

وفي الجلسة نفسها، قال محافظ مؤسسة النقد العربي (البنك المركزي السعودي) أحمد الخليفي إن توقعات صندوق النقد الدولي لانكماش اقتصاد السعودية "أشد تشاؤماً" من التقديرات السعودية نفسها.

بعض المحللين يتوقعون أن يرتفع التضخم بالسعودية إلى ما يصل إلى 6% على أساس سنوي في يوليو/تموز  (Reuters)
شهد الأسبوع الأخير في السعودية حركة شراء غير اعتيادية للمواطنين  (Reuters)
انكمش نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول 2020، بنسبة 5.7% (Reuters)
االإيرادات المالية للسعودية تلقت ضربة كبيرة بسبب تقليص أعداد الحجاج هذا العام (Reuters)
انكماش الناتج المحلي بالسعودية يؤدي إلى انكماش القطاع النفطي بنسبة 4.6% على أساس سنوي (Reuters)
TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً