يُعتبر تشكيل المجلس السيادي في السودان أهمّ العواقب أمام القوى المتحاورة وهي المجلس الانتقالي العسكري وقوى الحرية والتغيير. وفتح الاختلاف على نسبة التمثيل داخله الأبواب أمام الخلافات والصراعات التي من الممكن أن تأخذ السودان إلى عدة سيناريوهات مختلفة.

تواصل المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الثورة في السودان حول المجلس السيادي
تواصل المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الثورة في السودان حول المجلس السيادي (AFP)

شكّل يوم السادس من أبريل/نيسان 2019 نقطة التحوُّل في مسار الاحتجاجات المستمرة منذ نهاية العام الماضي في السودان، حين قرَّر المحتجون أن يتخذوا من الذكرى الرابعة والثلاثين للانتفاضة الشعبية التي أسقطت نظام نميري العسكري عام 1985، موعداً للاحتشاد أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، بهدف مواصلة الضغط على الجيش للانحياز للثورة.

وألهم حجم الحشود الضخمة على نحو غير مسبوق الذي شارك في هذه التظاهرة الاحتجاجية قيادة الحراك بتحويله إلى اعتصام في عين المكان بكل رمزيته حتى تحقيق هدف إسقاط النظام.

ولم يمضِ وقتها سوى أقلَّ من خمس ساعات على حديث رئيس الحزب الحاكم المفوَّض أحمد هارون، في برنامج تليفزيوني على الهواء ينفي فيه بثقة إمكانية حدوث تغيير على نمط ثورتي أكتوبر/تشرين الأول 1964، وأبريل/نيسان 1985 اللتين أطاحتا بالنظامين العسكريين السابقين، معتبراً أن معطيات ذلك "غير متيسرة، لأن متغيرات حدثت تجعل سياقات ما حدث في الثورتين السابقتين مختلفة تماماً".

لكن الواقع جاء بعكس توقعات زعيم الحزب الحاكم؛ فقد حدث التغيير بالفعل وبالطريقة النمطية ذاتها، وسقط النظام تحت ضغط الحراك الشعبي بإعلان المنظومة الأمنية للنظام انحيازها للشارع في فجر الحادي عشر من أبريل/نيسان 2019، أما المفاجأة الوحيدة فهي أن قرار إنهاء النظام اتخذته منظومته الأمنية نفسها التي استخدمها لقمع الاحتجاجات المطالبة بالتغيير.

مشهد الساعات الأخيرة لحكم الرئيس عمر البشير، وما حمله من مفارقات وتناقضات، أعطى دفعة جديدة للمؤسسة العسكرية من أجل ولادة أخرى تكون منحازة للثورة، في الوقت الذي اشتدّ فيه عود الثوار ومكوناتهم، ليولّد استقطاباً جديداً لا مثيل له بين الطرفين، يتجاذب الرؤى والمقترحات حول طبيعة الفترة الانتقالية.

المجلس السيادي أول التحديات

شهدت الأيام الأخيرة توترًا كبيرًا بين إعلان قوى الحرية والتغيير والمجلس الانتقالي بسبب الاختلاف في وجهات النظر حول طبيعة الفترة الانتقالية ومن يديرها.

وكان اقتراح المجلس العسكري في البداية أن يدير هذه الفترة مجلس سيادي ذو أغلبية عسكرية، يضم7منهم إضافة إلى3مدنيين، الأمر الذي رفضه الثوار، وطالب بورقة دستورية بمجلس سيادي ذي أغلبية مدنية، ومجلس قومي يديرها مجموعة من الوزراء.

التباين في وجهات النظر استدعى تدخُّل لجنة الوساطة يقودها شخصيات وطنية، أبرزها الخبير الإعلامي محجوب محمد صالح، ورجل الأعمال أسامة داود، قدّمَت بدورها مقترَحاً لحل الأزمة ينصّ على تكوين مجلس سيادي مدني يضطلع بمهام غير تنفيذية، ومجلس آخر للأمن بأغلبية عسكرية وتمثيل مدني محدود يختص بشؤون الأمن والدفاع.

لكن يبدو أن هذه الأزمة تتجه إلى الانفراج، مع ورود أنباء عن موافقة المجلس العسكري على مقترح قوى الحرية والتغيير الذي ينصّ على مجلس سيادي بأغلبية مدنية، إلا أن هذه الموافقة مشروطة بأن يكون رئيس هذا المجلس ونائبه من العسكريين، حسب مراسل TRT عربي في الخرطوم.

وفي انتظار التوافق على التمثيليات داخل المجلس والصيغة المرضية للطرفين، يتواصل الاعتصام أمام مقر القيادة العامة حتى استكمال كل المسار، حسب تجمع المهنيين السوادنيين، المكون الرئيسي لقوى الحرية والتغيير، الذي أكّد في بيان له أن مهامّ الجيش تنحصر في الأمن والدفاع وإعلان الحرب.

تجمع المهنيين السودانيين #بيان شعبنا الأبي إن تجمع المهنيين السودانيين عندما بادر في أواخر العام الماضي بطرح إعلان...

Posted by ‎تجمع المهنيين السودانيين‎ on Saturday, 4 May 2019

سيناريوهات محتمَلة

عدم الاتفاق حتى الآن على صيغة نهائية لفترة الانتقال نحو الانتخابات، ومع تزايد المخاطر من دور المؤسسة العسكرية في السودان، فتح الباب لجملة من السيناريوهات المحتملة.

وحسب معهد الجزيرة للدراسات، فإن نجاح القوى السياسية في الاعتبار من تجارب الانتقال السابقة بالعمل على الاستفادة من الفرصة المتاحة خلال الفترة الانتقالية المحدودة لتأسيس حكم مدني تقوده كفاءات، يشرع في معالجة الاختلالات الهيكلية في نظام الحكم ويضع لبنات تحوُّل ديمقراطي مستدام.

أما في حالة تجاهل القوى السياسية الاستجابة لضرورة التوافق على مشتركات وطنية والاستعداد لدفع استحقاقات الانتقال اللازمة من نظام شمولي، والصبر على متطلبات التحول الديمقراطي، فسيقود تشتتها وتنافسها على المغانم الصغيرة إلى إعادة إنتاج قصور فترات السابقة، مما يعني فعليًّا تمهيد الطريق للعودة إلى نظام شمولي خلال فترة وجيزة.

وحسب المعهد، فإن دور الجيش سيتحدد في فترة الانتقال بعد الثورة السودانية الثالثة، التي تميزت بزخم شعبي غير مسبوق، على نجاح الثوار في الاحتفاظ بشرعية الشارع التي نجحت في فرض إرادتها على المؤسسة العسكرية، وهو ما يتطلب بالضرورة الحفاظ على وحدة القوى السياسية والشعبية المطالبة بالتغيير حتى تحقيق شعاراته على أرض الواقع.

لكن يبقى خطر عدم محافظة قوى الثورة على وحدتها وإرادتها المشتركة الأكبر على المسار، لأن ذلك سيتيح للمؤسسة العسكرية أن تجد نفسها في حِلّ من الوفاء بتعهُّدها بالاقتصار على لعب دور سيادي خلال الفترة الانتقالية التي حدّدَتها بعامين، وستفيد من تراجع الزخم الثوري في إطالة بقائها في سدة الحكم بدواعي ضرورات الحفاظ على المصالح الوطنية.

المصدر: TRT عربي