أصبح دعم الدول العربية والغربية، وفي مقدمتها فرنسا، لخليفة حفتر، أمراً معلوماً للجميع، لا تخفيه حتى حكومة الوفاق في سياق اتهاماتها، وهو ما دفع تركيا وقطر إضافةً إلى الأمم المتحدة للتدخل من أجل الدفاع عن الشرعية الدولية في محاولة لترجيح الكفة.

الانقسام الدولي حول ليبيا يعكس تباين الآراء حول عملية طرابلس
الانقسام الدولي حول ليبيا يعكس تباين الآراء حول عملية طرابلس (AFP)

في العاصمة الليبية طرابلس، لا صوت يعلو على صوت الرصاص وأزيز الطائرات الحربية، منذ أن أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر زحفه إلى الغرب، من أجل ما أطلق عليه "تطهير العاصمة من المليشيات الإرهابية".

منذ4 أبريل/نيسان الجاري، لم تنقطع المعارك في أحياء عديدة، إذ خاضت القوات المشكلة للحكومة الليبية المعترف بها دوليّاً مواجهات عنيفة من منزل إلى آخر ضدّ مختلف تشكيلات قوات حفتر، بخاصة في المناطق الجنوبية من العاصمة.

في غضون ذلك تعقدت الحسابات الخارجية وتشابكت المصالح بين دول الإقليم المتداخلة في ليبيا، ممَّا رجَّح الكفة لصالح اللواء المتقاعد الذي تدعمه كل من مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى فرنسا، فيما تحاول دول أخرى، منها تركيا وقطر إضافة إلى الأمم المتحدة، تكريس مبدأ الشرعية الدولية والدفاع عن الحل السياسي.

ترجيح الكفة

لم يكُن خفيّاً على أحد، الدعم الكبير الذي يتلقاه حفتر من حلفائه، سياسيّاً وعسكريّاً، رغم أن ذلك فيه خرق للقوانين الدولية ولقرارات الأمم المتحدة التي تعترف بالسراج وحكومته وتمنع التسليح في ليبيا لأي جانب منذ عام2011.

وفي ظلّ تخلِّي بعض الدول عن الشرعية الدولية، يأتي الموقف التركي والقطري مرجحاً لكفة الديمقراطية والقرارات الأممية، وتعزيزاً لمواقف المبعوث الأممي في ليبيا غسان سلامة.

في هذا الإطار جاء اتصال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برئيس حكومة الوفاق فايز السراج الذي شدّد فيه على دعم تركيا له في "مواجهة العدوان".

الرئيس التركي شدّد على أن بلاده "ستسخّر كل إمكانياتها لمنع هذه المؤامرة على الشعب الليبي"، مندّداً "بالاعتداء الذي يُشَنّ على العاصمة طرابلس، والمؤامرة التي تُحاك على ليبيا واستقرارها".

وأوضح أردوغان أنه "لا وجود لحل عسكري للأزمة الليبية، والمسار السياسي هو المسار الوحيد لبناء الدولة المدنية التي يتطلع إليها كل الليبيين".

إتصال هاتفي بين رئيس المجلس الرئاسي والرئيس رجب الطيب اردوغان أجرى مساء اليوم الأحد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق...

Posted by ‎المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني‎ on Sunday, 28 April 2019

من جانبه أكّد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، أن "قوات الجيش الليبي تدافع بكل قوة عن العاصمة وعن خيار الشعب الليبي في الدولة المدنية، وستواصل القتال إلى أن تنسحب القوات المعتدية وتعود من حيث أتت".

وأثنى السراج على دور تركيا الداعم للحكومة الشرعية، مؤكّداً "توثيق العلاقات الثنائية وتطوير التعاون وتفعيل الاتفاقيات المشتركة بين البلدين".

في سياق متصل قال وزير الخارجية القطري في تغريدة على تويتر، إن استهداف المدنيين بغرض خلق الفوضى وضرب المؤسسات والأهداف الحيوية، جريمة حرب يتحملها مرتكبوها وداعموهم.

وأضاف الشيخ محمد بن عبد الرحمن أن النفاق السياسي وازدواجية المعايير أثقلا كاهل الوطن العربي وشكّلا بيئة خصبة لنمو الإرهاب.

وتابع "بينما يدّعي بعض الدول العربية مكافحة الإرهاب، تستخدم أدواتها إرهاباً ضدّ الشعوب العربية".

ازدواجية الضفة الأخرى

منذ بدء العملية العسكرية الأخيرة تتوجه أصابع الاتهام إلى فرنسا تلميحاً وتصريحاً، مما تسبب في اهتزاز صورتها لدى حكومة الوفاق، الطرف الرئيسي في الحوار الذي ترعاه فرنسا مع غريمتها إيطاليا.

في هذا الإطار يأتي اتهام وزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني فتحي باشاغا لباريس "بتقديم الدعم للمشير خليفة حفتر".

وخلال مؤتمر صحفي في تونس أشار باشاغا إلى أن "فرنسا دولة رائدة في الديمقراطية ومعاداة الأنظمة القمعية والاستبداد وكان لها دور رئيسي في إسقاط النظام السابق في سنة 2011"، مبدياً تعجُّبه "من دورها الداعم لحفتر وأبنائه".

مطالبة باشاغا فرنسا بالالتزام بالقيم الفرنسية وتاريخها الديمقراطي، جاءت تأكيداً لكلام فايز السراج لصحيفة ليبراسيون الفرنسية، أن فرنسا تدعم المشير خليفة حفتر "الديكتاتوري".

وعلى الرغم من النفي الفرنسي الدائم لهذه الاتهامات، فإن موقع ميديابارت الفرنسي كان له رأي آخر، حين سلّط الضوء في تقرير له، على الدعم الذي تقدّمه فرنسا لخليفة حفتر، الأمر الذي "عكس ازدواجية تعامل باريس مع الملف الليبي"، وفق قوله.

وأكّد الموقع أنه في الوقت الذي تعترف فيه باريس رسميّاً بحكومة طرابلس، فهي تدعم سرّاً منذ سنوات خصم الحكومة خليفة حفتر في شرق البلاد. وهكذا تَمكَّن "الرجل القوي في برقة" من ترسيخ سلطته وبناء الجيش الذي استعمله مؤخراً لمهاجمة العاصمة. ويُهدد هذا الأمر بتأجج الأوضاع بشكل عامّ.

وأضاف الموقع أن هذه المعركة أكّدت بالفعل الغموض الدبلوماسي والازدواج الاستراتيجي للموقف الفرنسي إزاء الصراع الليبي. وقد ندد المتظاهرون في العاصمة الليبية بهذا الغموض والازدواجية في التعامل، مُتهمين باريس بمساندة هجوم حفتر سرًّا. أمَّا رسميّاً فتدعم باريس حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، في العاصمة طرابلس.

وبيّن الموقع أنه بالتوازي مع ذلك كانت باريس تقدّم منذ سنوات عديدة دعماً ملموساً في شكل مساعدة عسكرية سرية للجانب الآخر، أي قطب السلطة الذي تَشكَّل في صيف سنة 2016 في برقة، حول برلمان طبرق الذي رفض الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، فضلاً عن "قائد الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر.

وباتت هذه اللعبة المزدوجة لباريس، المعروفة منذ سنوات والمسكوت عنها رسميّاً من طرف أصحاب المصلحة الرئيسيين لأسباب تتعلق بالمجاملة الدبلوماسية، موضع استنكار صريح اليوم من السلطة في طرابلس، التي عبّرت عن "اندهاشها وحيرتها".

المصدر: TRT عربي