تصاعدت الاحتجاجات العراقية التي اندلعت الثلاثاء تنديداً بسوء الأوضاع الاقتصادية والفساد، لتشمل محافظات ومدناً أخرى بالإضافة إلى بغداد. يحدث ذلك بالتزامن مع ارتفاع معدلات العنف وأعداد القتلى والمصابين، لا سيّما بعد فرض السلطات حظر تجوال.

الاحتجاجات العراقية تتصاعد حدتها وسط إجراءات أمنية مشدَّدة واستخدام الشرطة العنف لتفريق المتظاهرين
الاحتجاجات العراقية تتصاعد حدتها وسط إجراءات أمنية مشدَّدة واستخدام الشرطة العنف لتفريق المتظاهرين (Reuters)
قُتل ستة أشخاص بالرصاص الحي مساء الخميس، في مدينة الناصرية في جنوب العراق، في التظاهرة الأكثر دموية في ثالث أيام حركة الاحتجاج المطلبية التي انطلقت الثلاثاء في البلاد، حسبما أفاد مسؤول طبي محلي.

وأشار عبد الحسين الجابري مدير دائرة الصحة في محافظة ذي قار الجنوبية وكبرى مدنها الناصرية، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية، إلى إصابة 56 شخصاً بجروح في تظاهرات الخميس، وبالتالي ترتفع حصيلة أعمال العنف إلى 28 قتيلاً بينهم شرطيان، وكان عدد القتلى وصل إلى 18 حتى صباح الخميس.

ودخلت احتجاجات العراق الخميس يومها الثالث على التوالي، إذ اتسعت رقعتها لتشمل مدناً أخرى بالإضافة إلى العاصمة بغداد، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات العنف وأعداد القتلى والمصابين، لا سيّما بعد إعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حظر تجوال شاملاً في بغداد حتى إشعار آخر.

تصاعد الاحتجاجات

الاحتجاجات التي اقتصرت في البداية على بغداد، قبل أن تمتدّ إلى معظم المحافظات والمدن الجنوبية، اتخذت طابعاً اقتصادياً، إلّا أن التعامل العنيف للشرطة دفع المتظاهرين إلى رفع سقف مطالبهم إلى حد المطالبة بحل الحكومة وتأسيس نظام سياسي جديد.

وأطلقت القوات الأمنية العراقية مجدَّداً الخميس، الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين الذين تَجمَّعوا في وسط بغداد على الرغم من حظر التجول الذي دخل حيّز التنفيذ فجراً.

وفرض القوات الأمنية أيضاً حظراً للتجوال في مدينة بابل، حسب وكالة الأناضول.

وكانت مظاهرات الثلاثاء خرجت في بغداد بشكل عفوي استجابة لدعوات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تعلن قوى أو تيارات سياسية بعينها نيتها المشاركة في الاحتجاجات.

إلا أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قرر الأربعاء، وضع ثقله في ميزان الاحتجاجات، ودعا أنصاره الذين سبق أن شلّوا مفاصل البلاد في عامي 2016 و2018 باحتجاجات في العاصمة، مما ساهم في إنهاء حكم رئيس الوزراء السابق حيدر البغدادي، إلى تنظيم "اعتصامات سلمية" والدخول في "إضراب عامّ"، مما أثار مخاوف من تضاعف التعبئة في الشارع.

إجراءات أمنية مشدَّدة

أطلقت قوات مكافحة الشغب العراقية الرصاص الحي في الهواء مجدداً الخميس، لتفريق عشرات المتظاهرين الذين أشعلوا إطارات في ساحة التحرير بوسط بغداد، حسب مصوّر من وكالة الصحافة الفرنسية.

وقال أحد المتظاهرين لوكالة الصحافة الفرنسية إنه قضى الليل في الساحة "حتى لا تسيطر الشرطة على المكان"، قبل أن تصدّ القوات الأمنية المحتجين إلى الشوارع الفرعية المجاورة.

وفي أماكن أخرى من العاصمة وفي مدن عدة، يواصل المحتجون إغلاق الطرقات، ويشعلون الإطارات أمام المباني الرسمية في النجف والناصرية جنوباً.

وفي محافظة ذي قار، وكبرى مدنها الناصرية التي تبعد 300 كيلومتر جنوب بغداد، قُتل عشرة أشخاص منذ الثلاثاء بينهم شرطي، حسبما أعلن مسؤول محلي.

وقُتل أربعة متظاهرين آخرين في مدينة العمارة، كبرى مدن محافظة ميسان، إضافة إلى متظاهرَين اثنين في بغداد وآخرَين في الكوت بشرق البلاد، وفق المصدر نفسه، فيما أصيب أكثر من 600 شخص بجروح في أنحاء البلاد.

من جانبها اتهمت الحكومة العراقية "معتدين" و"مندسّين" بالتسبُّب "عمداً في سقوط ضحايا بين المتظاهرين".

ومنذ مساء الأربعاء أيضاً، بدأت صعوبات في الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي مع بطء شديد في شبكة الإنترنت.

في المقابل قالت الناشطة العراقية فاطمة قاسم لـTRT عربي، إن "الشعب العراقي يتعرض لأقسى أنواع القمع"، مضيفة أن هذا القمع وحظر التجوال لم يثنيا عزم المتظاهرين الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة على نحو سلمي.

على صعيدٍ مُوازٍ، أغلقت قوات الأمن الطرق الرئيسية بين الأحياء في العاصمة بغداد، في محاولة لتثبيت قرار حظر التجوال، ومنعت القوات فريق الأناضول من الوصول إلى ساحة التحرير لتغطية الاحتجاجات التي يحاول المتظاهرون مواصلتها.

انفجار في المنطقة الخضراء

وسط اشتعال الاحتجاجات والمواجهات الناجمة عنها بين المتظاهرين وقوات الشرطة، أعلن المتحدث باسم قوات التحالف الدولي في العراق مايلز كاجينز، في ساعة مبكرة من الخميس، وقوع انفجار في المنطقة الخضراء شديدة التحصين التي فيها مقارّ وزارات مهمة.

ولفت كاجينز، وفقاً لوكالة الأناضول، إلى أن الانفجار لم يتسبب في إيقاع الضرر بأي من منشآت التحالف الموجودة في المنطقة الخضراء.

في المقابل كشف مصدر أمني عراقي الخميس، أن الانفجار الذي وقع فجر الخميس في العاصمة بغداد، ناجم عن استهداف صاروخين للمنطقة الخضراء. ونقلت الأناضول عن المصدر الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن الصاروخين لم يخلِّفا أي أضرار بشرية أو مادية.

اتهامات لقوى خارجية

يبدو أن هتافات بعض المحتجين المطالبة بكبح التدخلات الإيرانية في العراق، جعلت بعض قادة الفصائل المسلحة المدعومة إيرانياً يرجحون وجود صلة ما بين المحتجين والأمريكيين، على الرغم من عدم وجود مؤشرات على ارتباط المحتجين بأي جهة خارجية، الأمر الذي تؤكّده طبيعة مطالبهم التي هي في الأساس اقتصادية واجتماعية.

وقبل اندلاع الاحتجاجات صرّح الأمين العامّ لحركة "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، بأن "التظاهرات التي يُدعَى لها يوم الثلاثاء، مرتبطة بصفقة القرن"، مضيفاً أنها تأتي "في سياق عمل كبير من جهات داخلية مع خطاب إعلامي متصاعد لتطويع الرأي العامّ مع صفقة القرن".

وقد تكون الاحتجاجات الراهنة بمثابة التحدي الأخطر الذي يواجه حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي منذ تشكيلها قبل أقل من عام.

عبد المهدي، في محاولة منه للخروج من الأزمة، عقد اجتماعاً لمجلس الأمن الوطني برئاسته، استنكر خلاله أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات، مع وعود باتخاذ تدابير لحماية المواطنين والممتلكات العامة، والعمل على تلبية مطالب المحتجين.

المصدر: TRT عربي - وكالات