لليوم الحادي عشر على التوالي، يواصل المحتجون العراقيون حراكهم المدني المطالب بإسقاط الطبقة السياسية ونظام المحاصصة ومحاسبة الفاسدين ووقف التدخلات الأجنبية، رغم تحذيرات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي من عواقب استمرار الاحتجاجات على الاقتصاد والأمن.

الموجة الثانية من الاحتجاجات العراقية تتواصل لأكثر من 10 أيام على الرغم من تحذيرات عبد المهدي من عواقب استمرارها على اقتصاد البلاد
الموجة الثانية من الاحتجاجات العراقية تتواصل لأكثر من 10 أيام على الرغم من تحذيرات عبد المهدي من عواقب استمرارها على اقتصاد البلاد (Reuters)

على الرغم من وعود رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي وتحذيراته الضمنية من تواصل الاحتجاجات لما للأمر من آثار سلبية على أمن واقتصاد العراق، بدا المحتجون مصرِّين على مواصلة حراكهم حتى تنفيذ مطالبهم الأساسية، وفي مقدمتها إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة ومحاسبة الفاسدين وإلغاء نظام المحاصصة الطائفية وكبح جماح التدخلات الأجنبية.

عبد المهدي يحذّر من عواقب اقتصادية

أصدر عبد المهدي مساء الأحد، بياناً أبدى فيه تفهمه مطالب المحتجين، معتبراً أن المظاهرات حقّقَت "كثيراً من أغراضها ودفعت السلطات الثلاث إلى مراجعة مواقفها، فحصل حراك سياسي واسع، كما صدرت قرارات عديدة لتلبية كثير من المطالب التي تَقدَّم بها المتظاهرون".

واستدرك رئيس الوزراء العراقي بأن الحراك تخلله أمران كدّرا صفوه، هما استمرار سقوط قتلى وجرحى، واستغلال "الخارجين على القانون" المظاهرات من أجل "تنفيذ أعمال قطع الطرق والحرق والنهب والاشتباك مع القوات الأمنية".

عبد المهدي حذّر أيضاً من أن استمرار الاحتجاجات يهدد المصالح العامة والخاصة، كما أن "تهديد المصالح النفطية وقطع البعض الطرق عن مواني العراق يتسبب في خسائر كبيرة تتجاوز مليارات، ويؤخر وصول البضائع، وهذا وغيره يرفع الأسعار التي يدفع ثمنها المواطنون بعامة والفقراء بخاصة ويعطّل توفير فرص العمل ونمو الاقتصاد ويعرض المرضى للخطر بسبب إغلاق العيادات الطبية وعرقلة حركة سيارات الإسعاف".

بيان عبد المهدي جاء بعد يومين تقريباً من إعلان الرئيس العراقي برهم صالح دعمه مطالب المتظاهرين، وعزمه الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكِّرة وفق قانون انتخابات جديد، بخلاف القانون الحالي القائم على نظام المحاصصة الطائفية، وإشارته إلى أن رئيس الوزراء أبدى استعداده لتقديم استقالته في حال توافر بديل واقعي يضمن أن لا تنزلق البلاد إلى "الفوضى".

ومن المرجّح أن تحذيرات عبد المهدي تأتي ردّاً على الدعوات التي أطلقها محتجون وممثلون نقابيون للدخول في عصيانٍ مدنيٍ عامّ حتى تتحقق مطالب المتظاهرين.

ووفقاً لما نقلته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فإن المسؤولين الحكوميين والأمنيين في العراق يعقدون اجتماعات يومية يناقشون خلالها ما إذا كان من الضروري استخدام العنف لتفريق المتظاهرين الذين يحاولون عبور جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء حيث توجد مقرات حكومية ودبلوماسية هامة. وتلفت الصحيفة إلى أن المسؤولين حتى الآن لم يتخذوا قراراً باستخدام العنف، تجنباً لتكرار السيناريو الدموي الذي حدث، مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي مع الموجة الأولى للحراك الاحتجاجي، وأدّى إلى اتساع رقعة الاحتجاجات بشكل كبير.

الاحتجاجات مستمرة

لا يبدو أن التحذيرات التي أطلقها عبد المهدي وجدت الصدى المرجوّ منها لدى المحتجين، الذين واصلوا مظاهراتهم، كما"أغلقوا عدداً من الطرق في بغداد ومحافظات جنوبية أخرى، مما تسبب في حالة ازدحام مروري وتعذّر وصول كثير من الموظفين إلى أعمالهم"، وفقاً لمراسل TRT عربي رائد المعموري.

المراسل أفاد أيضاً بأن الاثنين، اليوم التالي لبيان عبد المهدي، شهد "توافداً ملحوظاً من الطلبة والمحامين وممثلي أعضاء النقابات على ساحة التحرير في بغداد، وسط استمرار دعوات للدخول في عصيانٍ مدنيّ عامّ".

في المقابل أوضح المعموري أن "قوات مكافحة الشغب فرّقت الاثنين، متظاهرين في منطقة الدورة ببغداد، وفُتِح َأحد الطرق التي كان المتظاهرون أغلقوها صباحاً".

إصرارٌ على رفض التدخلات الأجنبية

منذ اندلاع الموجة الأولى من الاحتجاجات العراقية قبل نحو شهر، بدا "النفوذ الإيراني" جنباً إلى جنب مع التدخلات الأمريكية ومحاولات الرياض فرض أجندتها على بغداد، من أبرز مسببات الغضب والحنق لدى شرائح واسعة من المحتجين.

اللافت أن كثيراً من المظاهرات التي خرجت مردّدةً شعارات من قبيل "لا أمريكا ولا السعودية ولا إيران"، اندلعت بالأساس من المدن العراقية ذات الأغلبية الشيعية.

لم يكُن مستغرَباً إذاً أن يتوجه الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني ومهندس العمليات العسكرية الخارجية لطهران، إلى المنطقة الخضراء في بغداد غداة اندلاع الموجة الأولى من الاحتجاجات العراقية، ليلتقي هناك رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي وعدداً من المسؤولين الأمنيين العراقيين، وفقاً لما نقلته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.

وكان آخر التعبيرات عن رفض المحتجين لنفوذ طهران المتزايد، تجمُّع متظاهرين أمام مقر القنصلية الإيرانية في كربلاء، ومحاولة بعضهم اقتحامها ورفع العلم العراقي عليها.

في المقابل استعادت قوات الأمن العراقي الاثنين، السيطرة على محيط مبنى القنصلية بعد مواجهات مع المتظاهرين، وفقاً لمصدر أمنيّ نقلت عنه وكالة الأناضول دون ذكر هويته.

ويوضح المصدر الأمني أن "الشرطة وقوات مكافحة الشغب استعادت السيطرة على الأوضاع بمحيط مبنى القنصلية الايرانية في كربلاء"، مشيراً إلى أن "12 جريحاً من المتظاهرين نُقلوا إلى المستشفى ليلة الأحد/الاثنين".

ويشهد العراق منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، موجة احتجاجات مناهضة للحكومة، هي الثانية من نوعها بعد أخرى سبقتها بنحو أسبوعين.

وطالب المحتجون في البداية بتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص عمل ومكافحة الفساد، قبل أن يرفعوا سقف مطالبهم إلى إسقاط الطبقة الحاكمة ونظام المحاصصة الطائفية، إثر استخدام الجيش وقوات الأمن العنف المفرط بحقهم، وهو ما أقرّت به الحكومة ووعدت بمحاسبة المسؤولين عنه.

ومنذ بدء الاحتجاجات، أعلنت حكومة عبد المهدي عن اتخاذ حزمة إصلاحات في قطاعات متعددة، لكنها لم تُرضِ المحتجين.

ووفقا لمفوضية حقوق الانسان العراقية فإن 260 متظاهراً قُتلوا وأصيب 12 ألفاً بجروح خلال الاحتجاجات.

المصدر: TRT عربي