فيما يواجه العراق تحديات سياسية واقتصادية وأمنية صعبة، مقرونة باستياء جماهيري واسع عُبِّر عنه بانتفاضة شعبية، يميل رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي إلى خلق توازنات بين قوى سياسية وشعبية متناحرة، ويحاول شق طريقه عبر إصلاح تدريجي، فهل ينجح في ذلك؟

رئيس الوزراء العراقي الجديد يواجه تحديات داخلية وخارجية عديدة
رئيس الوزراء العراقي الجديد يواجه تحديات داخلية وخارجية عديدة (Reuters)

"لم أجد أثناء تسلمي مهامي إلا خزينة شبه خاوية، ووضعاً لا نُحسد عليه بعد 17 عاماً من التغيير، فسيادتنا استمرت منقوصة أو منتهكة أو معرضة للشكوك"، بهذه الكلمات عبّر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي عن حجم التحديات التي تنتظره في منصبه الذي تسلّمه قبل أيام.

وأضاف الكاظمي في مقال نشرته صحيفة "بغداد اليوم" الثلاثاء، أن "أراضي بلادنا يُراد أن تصبح ميداناً لصراع الآخرين، وأمن مواطنينا مهدد، لا من استمرار داعش وخلاياه النائمة (فقط)، بل أيضاً من السلاح المنفلت خارج إطار الدولة".

زيارة إلى "الحشد الشعبي"

تصريحات الكاظمي جاءت بعد يومين من إجرائه زيارة مثيرة للجدل إلى مقر هيئة الحشد الشعبي. وأظهرت الصور حضور ممثلي الفصائل الأربعة الخاضعة لمرجعية النجف في اجتماعات مع الكاظمي الذي ظهر في بعض الصور وهو يرتدي زي الحشد الشعبي.

وعلى الرغم من آراء بعض المراقبين الناقدة للزيارة والاجتماعات التي عقدها الكاظمي مع قادة الفصيل العسكري المقرّب من إيران، بخاصة أن الاجتماعات حضرها أشخاص متهمون بالمشاركة في قمع الاحتجاجات وقتل المتظاهرين، فإن البعض الآخر رأى أن الكاظمي يحاول خلق توازنات لا غنى عنها إن أراد إتمام مهمته في المنصب.

في هذا الصدد، يرى الباحث والمحلل السياسي العراقي هاشم الهاشمي أن الزيارة تحمل "دلالة معنوية واعتبارية كبيرة ينبغي استثمارها من قبل أنصار الحشد"، مجادلاً بأن الزيارة قد "تساعد على نزع الخلافات الداخلية وإعادة توزيع المناصب القيادية".

إصلاح بطيء

نشرت مجلة فورين بوليسي الاثنين، تقريراً قالت فيه إن الكاظمي يميل إلى السير في مسار إصلاحات تدريجية، يمكنه من خلاله احتواء الأزمات الكبيرة التي تعيشها البلاد.

ويركّز التقرير على التحديات المرتبطة بفساد النخب السياسية وانخراطها في تنافس أجوف أضّر بالمصالح المباشرة للشعب، وأفضى إلى الانتفاضة التي كان إسقاط تلك النخب على رأس مطالب المشاركين فيها، بالإضافة إلى صعوبات أخرى مرتبطة بالوضع الاقتصادي المتردي وانتشار الفساد والطائفية، ومؤخراً وباء كورونا.

انطلاقاً من ذلك، يرى كاتب التقرير ريناد منصور أن الكاظمي لا يميل إلى أن يكون راديكالياً في إصلاحاته، وسيعمل تدريجياً على رأب الصدع بين النخب السياسية فيما بينها من جهة، ومع القواعد الشعبية المستاءة من جهة أخرى.

ويشير التقرير أيضاً إلى أن الكاظمي، في محاولة لكسب رضا المحتجين، كان حريصاً على أن تولى الوزارات السيادية مثل وزارتَي الدفاع والداخلية، شخصيات محايدة لا تنتمي إلى أي أحزاب، ومعروفة بكفاءتها ونزاهتها.

في السياق نفسه، أصدر الكاظمي الأحد، أوامره لوزارة الداخلية بالإسراع في كشف مصير آلاف المختفين قسرياً ومعظمهم من أبناء الطائفة السنية، والذين فُقد أثرهم خلال سنوات الحرب ضد تنظيم "داعش" الإرهابي.

وذكر بيان صادر عن الحكومة، أن "ذلك جاء خلال زيارته اليوم الأحد، مقر وزارة الداخلية، ولقائه وزير الداخلية عثمان الغانمي والمسؤولين في الوزارة"، من دون مزيد من التوضيح.

ومنذ توليه المنصب، اتخذ الكاظمي عدداً من القرارات التي تخص ملف حقوق الإنسان، بينها الإفراج عن معتقلي المظاهرات، والتحقيق في ما إذا كانت في البلاد سجون سرية، وذلك وسط ضغط مسبق من الحراك الشعبي المستمر منذ عدة أشهر.

شخصية غير استفزازية

في مقال له على موقع "العربي الجديد"، يرى الباحث السياسي جو معكرون أن ابتعاد الكاظمي عن الأضواء وعدم الظهور كثيراً في الإعلام خلال الفترة التي شغل فيها رئاسة جهاز الاستخبارات، جعلت منه شخصية غير استفزازية للعديدين.

ويدلل معكرون على ميل الكاظمي إلى الحلول التوافقية والحفاظ على التوازنات بأنه فيما يتخذ "كلَّ الخطوات الممكنة لمحاولة كسب ثقة المتظاهرين.. يصبح أول رئيس حكومة عراقي يرتدي زي الحشد الشعبي العسكري، في مسعىً لطمأنة قادته المنقسمين بين مرجعية النجف والولاء لإيران".

ولا يقتصر الأمر وفقاً لمعكرون، على الساحة الداخلية فحسب، وإنما يمتد إلى موقف الكاظمي من التجاذبات الدولية والإقليمية، وهو ما يفسِّر قراره بإعادة "عبد الوهاب السعدي المقرب من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى منصب قائد قوات مكافحة الإرهاب".

ويعاني العراق مشكلات اقتصادية وسياسية وأمنية منها التفجيرات الإرهابية وتزايد نفوذ المليشيات المسلحة الموالية لإيران وغيرها، منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، واجتياح تنظيم داعش الإرهابي صيف 2014.

وصوّت البرلمان في مطلع مايو/أيار الجاري، بأغلبية الأعضاء الحاضرين، على منح الثقة للكاظمي و15 وزيراً، فيما لم يحظَ 4 مرشحين بالثقة، مع شغور حقيبتَي النفط والخارجية.

وخلفت الحكومة الجديدة حكومة عادل عبد المهدي، الذي قدم استقالته في ديسمبر/كانون الأول 2019، تحت ضغط احتجاجات شعبية مناهضة للحكومة والطبقة السياسية الحاكمة المتهمة بالفساد والتبعية للخارج.

المصدر: TRT عربي