وصفت منظمة العفو الدولية أداء السلطات اللبنانية في مسار التحقيق بـ"الوقاحة".  (Anwar Amro/AFP)

تشهد هذه الأيام مرور الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت المروّع، ولم تكشف أسبابه أو يحاسب المسؤولون عنه حتى الآن.

ويأتي ذلك في وقت تمرّ فيه لبنان بأسوأ أزماتها السياسية والاقتصادية والأمنية، وسط تدهور مستمر في الأحوال المعيشية، وغضب متصاعد من الشعب.

وأصيبت المدينة بصدمة هائلة، في 4 أغسطس/آب العام الماضي، حينما اندلع حريق ضخم في مرفأ بيروت، تلاه انفجار مروّع وصلت أصداؤه إلى جزيرة قبرص، ثم تكشّف عن دمار ضخم في معظم الأحياء الشرقية للعاصمة بيروت.

لاحقاً، أعلنت السلطات أن 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم، كانت مخزنة منذ عام 2014 في المرفأ، وهي التي تسببت في الانفجار.

ومازالت التساؤلات الملحّة حول الحادث لم تجب حتى اليوم: من أحضر هذه الكمية الهائلة من نيترات الأمونيوم؟ ولماذا ظلّت 7 سنوات مخزنّة في المرفأ رغم خطورتها؟ وما الشرارة التي أدت إلى وقوع أحد أكبر الانفجارات غير النووية في العالم؟

وفيما تؤكد مصادر قضائية أن الجزء الأكبر من التحقيق انتهى، إلا أن الحصانة السياسية والفساد يمنعان استجواب نواب ووزراء سابقين ومسؤولين أمنيين وعسكريين، ما يعوق التوصل إلى نتائج حاسمة.

من جانبها، وصفت منظمة العفو الدولية، الاثنين، موقف السلطات اللبنانية بـ"الوقح"، وقالت: "أمضت السلطات اللبنانية السنة المنصرمة وهي تعرقل بوقاحة بحث الضحايا عن الحقيقة والعدالة في أعقاب الانفجار الكارثي".

وقال مصدر قضائي مطلع، إن المحقق العدلي في القضية طارق بيطار "أنهى أكثر من 75% من التحقيق السري بامتياز، وباتت حقيقة ما حدث شبه ماثلة أمامه"، مشيراً إلى أنه يأمل الكشف عن نتائج تحقيقه قبل نهاية العام الحالي، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويوضح المحامي يوسف لحود، وكيل نقابة المحامين وأكثر من ألف ضحية في الملف، أن "القضاء اللبناني حسم المسؤوليات من ناحية الجهة التي أتت بنيترات الأمونيوم إلى بيروت، وأسباب تفريغها وكيفية تخزينها وصولاً إلي قرار عدم إتلافها أو إعادة تصديرها حتى وقوع الانفجار"، وفق حديثه لوكالة الصحافة الفرنسية.

الشحنة الخطرة

ووصلت شحنة نيترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت عام 2013 على متن الباخرة "روسوس" التي كانت في طريقها من جورجيا إلى موزمبيق.

وتضاربت التقارير حول أسباب توقفها في بيروت، لكن القضاء اللبناني أصدر قراراً بالحجز عليها بعد شكوى قضائية ضدها تقدمت بها شركة لبنانية لأسباب متعلقة بمستحقات لها على الباخرة.

وفي 2014، أفرغت الحمولة وأودعت في العنبر رقم 12، قبل أن تغرق السفينة المهترئة في 2018.

وكانت شحنة نيترات الأمونيوم متجهة إلى مصنع المتفجرات "فابريكا دي إكسبلوسفوس دي موزمبيق"، وفق ما أعلنه المصنع، لكن عدم مطالبته بالحمولة بعد توقفها في لبنان، يثير أسئلة حول حقيقة وجهتها الأخيرة.

ويقول لحود إن التحقيق كشف أسماء عدة بينها الشركة التي تملك السفينة "تيتو شيبينغ" وشركة الشحن "سافارو ليمتيد" و"البنك الوطني" في موزمبيق الذي موّل الشحنة.

وليس معروفاً ما إذا كانت هناك جهات أخرى، سياسية مثلاً، تقف خلف شحنة نيترات الأمونيوم، إذ أشار لحود إلى أن مسؤولة في شركة "سافارو ليمتيد" الوسيطة، ومقرها لندن، رفضت الكشف عن المستفيدين الاقتصاديين الحقيقيين للشركة.

وينظر التحقيق في تقارير إعلامية أفادت عن دور لعبه ثلاثة رجال أعمال سوريين يحملون أيضاً الجنسية الروسية، في صفقة شراء شحنة نيترات الأمونيوم. كما سلّط الانفجار الضوء على المرفق الحيوي الذي يعتبر صورة مصغّرة عن مؤسسات الدولة اللبنانية، من حيث استشراء الفساد والمحسوبيات والرشاوى ونفوذ قوى سياسية فيه.

بدورها، ذكرت مصادر أمنية أن الحريق قد يكون نتج عن عمليات تلحيم في باب العنبر، وهي رواية مشكوك فيها، فيما يسعى المحقق العدلي إلى تنفيذ محاكاة في موقع الانفجار تمكنّه من تحديد أسباب اندلاع الحريق.

وأرسل المحقق استنابات قضائية الى أكثر من عشر دول، طلب من بعضها التعاون في التحقيق، بينها فرنسا والولايات المتحدة والهند وتركيا وإسبانيا وايطاليا، كما طالب أن يجري تزويده بصور أقمار صناعية للمرفأ.

وقال المصدر القضائي "لم يتجاوب أي منها مع طلب القضاء اللبناني، فيما أبلغت فرنسا وحدها أنه لم يكن لديها قمر صناعي فوق لبنان يوم وقوع الانفجار".

ويوضح لحود أن "عدم تزويدنا بصور الأقمار الصناعية يصعّب على التحقيق أيضاً تحديد ما إذا كان يجري تهريب نيترات أمونيوم من العنبر خلال السنوات الماضية".

وذكرت تقارير عدة أن كمية نيترات الأمونيوم التي انفجرت أقل من 2750 طناً، مشيرة إلى أن كميات منها أخرجت من العنبر، أي سرقت على الأرجح، خلال السنوات الماضية.

الفساد السياسي

وخلال سبع سنوات، أًبلغت أجهزة أمنية ومسؤولون بوجود كميات هائلة من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، بينهم رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب ووزراء، فضلاً عن أجهزة أمن الدولة والجيش والمديرية العامة للأمن العام.

وذكر جهاز أمن الدولة في تقرير أعده قبل أشهر من الانفجار أن اشتعال تلك المواد قد يؤدي إلى انفجار مدمر، مؤكداً أنه أبلغ السلطات بخطورتها.

وبعد نحو خمسة أشهر على تسلمه الملف إثر تنحي قاض سابق بسبب ضغوط سياسية، أعلن القاضي بيطار عزمه استجواب دياب كمدعى عليه، ووجّه كتاباً الى البرلمان طلب فيه رفع الحصانة النيابية عن ثلاثة وزراء سابقين هم النواب علي حسن خليل (المال)، وغازي زعيتر (الأشغال)، ونهاد المشنوق (الداخلية)، تمهيداً للادعاء عليهم.

كما طلب الإذن بملاحقة كلاً من مدير عام الأمن العام عباس إبراهيم ومدير جهاز أمن الدولة طوني صليبا، وادعى على مسؤولين عسكريين سابقين، بينهم قائد الجيش السابق جان قهوجي.

والتهم التي يمكن أن يلاحقوا بها هي "جناية القصد الاحتمالي لجريمة القتل" إضافة "إلى جنحة الإهمال والتقصير"، لأنهم كانوا على دراية بوجود نيترات الأمونيوم "ولم يتخذوا إجراءات تجنّب البلد خطر الانفجار"، وفق ما أعلن بيطار في حينه.

وأوضح المصدر القضائي أن الاستدعاءات تتعلق "بأشخاص تبيّن عبر وثائق أو شهود أنهم كانوا على علم بوجود كميات نيترات الأمونيوم وبمخاطرها".

وقد. رفض وزير الداخلية محّمد فهمي إعطاء الإذن بملاحقة عباس ابراهيم، بينما طلب البرلمان تزويده بأدلة ومستندات إضافية قبل اتخاذه القرار بشأن رفع الحصانة عن النواب والوزراء، لكن بيطار رفض الانصياع للطلب.

وانتقدت جهات دولية تأخر صدور نتائج عن التحقيق المحلي، فيما دعت أكثر من خمسين منظمة، الأمم المتحدة، إلى إنشاء بعثة تحقيق دولية في الانفجار، وكان لبنان قد رفض إجراء تحقيق دولي.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً