كشفت تقارير أن المستشار سعود القحطاني ما زال يقف على رأس عمله على الرغم من الاشتباه في علاقته المباشرة بجريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي. في الوقت نفسه يواصل تويتر حربه على الحسابات الوهمية التي أنشأها القحطاني لتلميع السعودية وملاحقة المعارضين.

 القحطاني ما زال يمارس عمله رغم ادّعاء السلطات السعودية تنحيته
 القحطاني ما زال يمارس عمله رغم ادّعاء السلطات السعودية تنحيته (Reuters)

كان المستشار السابق في الديوان الملكي سعود القحطاني، من أوائل الذين دفعت بهم السلطات السعودية إلى الواجهة، في خضم المناورات التي خاضها مسؤولون للتغطية على جريمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية، في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018.

والقحطاني الذي أُبعد "شكليّاً" من دائرة صنع القرار في المملكة العربية السعودية، عُرف بنشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي، وتشكيله ما يسمى "كتائب الذباب الإلكتروني" التي كان يسلّطها على كل من تصنّفه المملكة "عدوّاً" أو صاحب رأي مُعارض، وقد نال الصحافي المغدور خاشقجي جزءاً كبيراً من استهداف هذه الكتائب قُبيل مقتله.

وكانت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية كشفت في تقرير لها بعنوان "صناع الصورة في السعودية: جيش من متصيدي الإنترنت، وموظف مطرود من تويتر"، أن السعودية كانت شكّلَت "جيشاً" على الإنترنت لمواجهة الصحفي جمال خاشقجي وغيره من منتقدي المملكة على موقع تويتر.

وكشفت الصحيفة أن جهود الهجوم على خاشقجي وغيره من السعوديين ذوي التأثير وتأليب الرأي العام عليهم عبر تويتر شملت تشكيل ما يطلق عليه "لجنة إلكترونية" مقرها الرياض بالتعاون مع من يشتبه بأنه "جاسوس" داخل شركة تويتر جندته المملكة لمراقبة حسابات المستخدمين.

وذكرت أن ناشطين سعوديين دشنوا في عام 2010 حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لمضايقة المنتقدين للسعودية، كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين وسعوديين قولهم إن سعود القحطاني، وهو أحد مستشاري ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، هو من وضع استراتيجية هذه الحملة.

وأضافت الصحيفة أن جهود الهجوم على خاشقجي وغيره من السعوديين ذوي التأثير وتأليب الرأي العامّ عليهم عبر تويتر شملت تشكيل ما يطلق عليه "لجنة إلكترونية" مقرها الرياض بالتعاون مع من يشتبه بأنه "جاسوس" داخل شركة تويتر جندته المملكة لمراقبة حسابات المستخدمين.

وفضحت جريمة مقتل الصحفي خاشقجي سياسة الملاحقة الإلكترونية السعودية التي يديرها القحطاني، مما أدى في ظل الجدل الدولي الذي أثارته الجريمة إلى محاصرة "كتائب القحطاني"، ومحاولة تفكيكها، ولفت الانتباه إليها، بخاصة بعدما ساهمت إلى حد بعيد في محاولة تضليل الرأي العامّ بما يتعلق بالجريمة في بدايتها، قبل أن تُقِرّ السعودية بها رسميّاً، وتعترف بأنها وقعت داخل القنصلية على يد عناصر أمن ومستشارين، أحيل عدد منهم إلى الاعتقال.

وتَوصَّل تحقيق لوكالة رويترز إلى أن مثل هذه الحسابات الوهمية ومستخدمين سعوديين من ذوي النفوذ نشروا مراراً وسوماً على تويتر منها "مخابرات قطر تقتل خاشقجي" و"السعودية الأعظم"، وذلك بعد ساعات قليلة من اختفاء الصحفي السعودي.

حملة الإبادة

بعد أسابيع قليلة من مقتل الصحافي خاشقجي، أعلنت شركة "تويتر" إغلاق مئات الحسابات التي تعمل بشكل آلي ويُعتقد أنها "روبوتات الويب"، استخدمت لإعادة تغريدات تؤيد موقف السعودية في حادثة اختفاء الصحفي جمال خاشقجي.

ونشرت قناة NBC الإخبارية الأمريكية، قائمة لمئات من هذه الحسابات جمعها المتخصص في تكنولوجيا المعلومات جوش روسيل.

وعملت هذه الحسابات على إعادة تغريد مواقف نشرتها حسابات موالية للحكومة السعودية، حسب موقع "هافينغتون بوست" الإخباري الأمريكي.

ونقلت القناة عن مصدر من شركة تويتر طلب عدم الكشف عن اسمه، قوله إن "الشركة كانت على دراية بهذا النشاط، وعلّقت حالياً عدداً كبيراً من الحسابات لانتهاك قواعد الرسائل الإلكترونية غير المرغوب فيها".

وقالت القناة إن من يعمل على تشغيل تلك البرامج يعرف آلية عمل تويتر، إذ إنها مصممة للتغريد آليّاً، لكن ببطء حتى تعطي انطباعاً بوجود زخم حول القضية، وفي الوقت نفسه لا تلتقطها رادارات الرصد في تويتر التي تحارب التضليل الإعلامي.

وحسب المعلومات التي شملها التقرير؛ فمعظم هذه الحسابات أنشئت عام 2012 بفارق دقائق بينها، بما يعزّز نظرية أنها حسابات وهمية يستخدمها ما يسمى "الذباب الإلكتروني" في حرب الأرقام على منصات التواصل الاجتماعي.

قيصر الإعلام الاجتماعي

تطلق نيويورك تايمز على القحطاني لقب "قيصر الإعلام الاجتماعي"، وتشير في تقرير لها إلى أنه رغم فقدانه منصبه مستشاراً بالديوان الملكي بعد مقتل خاشقجي فإنه لم يفقد نفوذه على ما يسمى "الذباب الإلكتروني" الذي يغرّد لصالح محمد بن سلمان كما يبدو.

وكان القحطاني تَسلَّم تدريجيّاً ملف الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ولعل أكثر ما اشتهر به هو صناعة ما يسمى "الذباب الإلكتروني"، وهو عبارة عن حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي مهمتها مهاجمة المعارضين للسعودية والترويج لسياستها.

وعُرف بأنه كان رأس حربة في الأزمة الخليجية بين السعودية والإمارات من جهة وقطر من جهة أخرى، بخاصة في ما يتعلق بالتراشق الإلكتروني.

ودشن القحطاني حينها على موقع تويتر ما سماه "القائمة السوداء" للمدونين المعارضين لسياسات المملكة العربية السعودية، وقال "ملف الاغتيال تم فتحه من جديد".

ويشتهر بتغريدته التي قال فيها إنه لا ينفذ السياسات من رأسه، بل بأمر مباشر من ولي العهد محمد بن سلمان، "وتعتقد أني أقدح من رأسي دون توجيه؟ أنا موظف ومنفّذ أمين لأوامر سيدي الملك وسمو سيدي ولي العهد الأمين".

زعيم الذباب حُراً

بعد الاشتباه بضلوعه بشكل مباشر وإشرافه على جريمة قتل الصحافي خاشقجي، قرر عاهل السعودية الملك سلمان بن عبد العزيز إعفاء القحطاني وعدد من المسؤولين من مناصبهم، إلا أن تقارير أشارت إلى أن القحطاني ما زال يمارس عمله.

وكشف تقرير لوكالة رويترز أن المستشار بالديوان الملكي سعود القحطاني الذي أقيل من منصبه في ما يتعلق بقتل الصحفي جمال خاشقجي، ليس من بين 11 مشتبهاً بهم يحاكَمون في جلسات سرية في الرياض رغم تعهُّد السعودية بمحاسبة الجناة.

وذكرت الوكالة نقلاً عن مصادر مطّلعة على سير المحاكمة أن القحطاني ليس من بين المتهمين الذين يحاكَمون ولم يظهر في أي من الجلسات.

وكان مصدران قالا للوكالة بعد أسابيع من الجريمة إن القحطاني أشرف على قتل خاشقجي وتقطيع أوصاله بإصدار الأوامر عبر سكايب لفريق مؤلف من عناصر في أجهزة الأمن والمخابرات.

ورغم أن القحطاني عُزل من منصبه، فإن مصادر سعودية مطّلعة، ذكرت أنه لا يزال يتمتع بنفوذ ضمن الدائرة المقرَّبة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

في ذلك الحين قال مسؤول سعودي رفيع المستوى، إن عزله "قرار سياسي، بسبب التقصير في أداء الواجب والاشتراك في تسلسل الأحداث" التي أفضت إلى واقعة القتل. بعد ذلك بأسابيع فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على القحطاني بسبب دوره.

لكن المصدر يقول إن القحطاني لا يزال يتصرف نيابة عن الديوان الملكي، ولا يزال على اتصال بولي العهد ويواصل توجيه تعليمات إلى مجموعة صغيرة من الصحفيين السعوديين بشأن ما ينبغي أن يكتبوه عن سياسات المملكة.

يشار إلى أن خبيرة حوق الإنسان بالأمم المتحدة التي تحقق في قضية مقتل جمال خاشقجي أغنيس كالامارد، كانت أصدرت تقريراً في منتصف 2019، توصي من خلاله بإجراء تحقيق في الدور المحتمَل لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مستشهدةً بـ"أدلة موثوقة".

وأشارت كالامارد إلى "الحساسية الشديدة" للنظر في المسؤولية الجنائية لولي العهد، وكذلك سعود القحطاني، المستشار البارز في ا لديوان الملكي السعودي الذي لم توجه إليه أي تهمة.

وكانت مصادر غربية وعربية وسعودية على صلة بالديوان الملكي السعودي، قالت لرويترز في يناير/كانون الثاني الماضي إن القحطاني لا يزال يتمتع بنفوذ ضمن الدائرة المقربة من ولي العهد.

ونفى مسؤول سعودي وقتها أن يكون القحطاني مستمراً في ممارسة أي دور في الديوان الملكي، وقال إنه لم يقم بأي عمل منذ عزله ولا يزال رهن التحقيق وممنوعاً من السفر.

ولم تسمح السلطات بحضور المحاكمة إلا لعدد من الدبلوماسيين من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وتركيا الذين عادة ما يُستدعون قبل فترة وجيزة جداً من الجلسة ولا يُسمح لهم باصطحاب مترجمين.

وكانت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، أشارت إلى أن واشنطن تضغط على السعودية لمحلاحقة القحطاني ومعاقبته على خلفية قضية خاشجي، "لكن الرياض ترفض هذا الضغط باستمرار"، ولفتت إلى أن واشنطن تفرض عقوبات على القحطاني من ضمنها منعه من دخول الأراضي الأمريكية.

وقالت الصحيفة إن "محمد بن سلمان لا يزال يتصل بالقحطاني مستشاره السابق، طلباً للمشورة، ولا يزال يصفه بمستشاره، بينما ذكر مسؤول أمريكي أن القحطاني لا يزال يعمل مستشارًا لولي العهد بشكل مستتر".

يشار إلى أن تركيا طالبت غير مرّة السلطات السعودية بتسليمها قتلة جمال خاشقجي، "لأنه قُتل على أرضها" من أجل محكامتهم، إلا أن الطلب قوبل بالرفض، أو السكوت المطلق.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن "بلاده ستواصل التحقيق في قضية الصحفي جمال خاشقجي وإثارتها".

تويتر يصعّد مرّة أخرى

وبعد نحو عام من مقتل خاشقجي لا يزال موقع تويتر يُصعّد حربه على "الذباب الإلكتروني" والحسابات "المرتبطة بحكومات أجنبية والمتهمة بنشر أخبار كاذبة".

وأعلن الموقع في20 سبتمبر/أيلول 2019 أنه أغلق آلاف الحسابات التي تنشر أخباراً كاذبة، من بينها "حسابات تضخّم الرسائل المؤيدة للسعودية في شكل مصطنع كجزء من حرب الدعاية الإقليمية".

وطال الإجراء أيضاً حسابات مؤيدة للسعودية في مصر والإمارات موجَّهة لشؤون قطر واليمن، بالإضافة إلى حسابات في الصين تستهدف تشويه صورة المحتجين في هونغ كونغ.

وعُلّقَت حسابات إضافية في إسبانيا والإكوادور، حسبما ذكر فريق الأمان في تويتر.

وقال تويتر إن الحسابات المصرية والإماراتية "شاركت في عملية تضليل إعلامي طالت بالأخصّ قطر ودولاً أخرى مثل إيران"، مشيراً إلى ان هذه الحسابات أنشأتها وأدارتها مؤسسة "دوت دوف" المتمركزة في مصر والإمارات والتي نشطت في "توسيع نطاق انتشار رسائل دعم للحكومة السعودية".

ومن ضمن الحسابات التي أغلقها تويتر، حساب سعود القحطاني الذي عاد إلى التغريد على الرغم من عزله، والاشتباه بعلاقته المباشرة بمقتل خاشقجي.

توظيف الذباب

يعتمد "الذباب الإلكتروني" على إنشاء حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، بخاصة تويتر الأكثر انتشاراً في الخليج، ويديرها بشكل آلي مبرمجون مرتبطون بأجهزة حكومية وأمنية.

وكشف المعارض السعودي عمر بن عبد العزيز عن توظيف الحكومة السعودية مواطنين شباباً في اللجان الإلكترونية، أو ما بات يُعرَف بـ"الذباب الإلكتروني"، وقال المقيم في كندا إن أحد الذين تركوا العمل في هذه الوظيفة كشف له طريقة توظيف شبان مواطنين بشهادات جامعية في هذه اللجان.

وأشار بن عبد العزيز إلى أنه في 6 فبراير/شباط 2018 "أعلن شخص يُدعَى ريان عن توافر فرص توظيف جديدة للذباب الإلكتروني عن طريق إعلان مبهم، لا يطلب خبرة ولا يذكر جهة العمل وبرواتب تصل إلى عشرة آلاف ريال لكل عامل".

وبالرجوع إلى صاحب الإعلان، فإن اسمه هو ريان بن عبد العزيز، ويقدم نفسه في حساب على تويتر وموقع "لينكد إن" للتوظيف على أنه مدير توظيف في القطاع الخاص، ويعمل لفائدة شركة "إنترناشيونال هيومن ريسورسز" ومقرها في الرياض.

وتدّعي الشركة في صفحتها بموقع" لينكد إن" أنها أكبر شركة لتوظيف الموارد البشرية في المملكة، وهي موجودة منذ عام 2005، ولها ثمانية أفرُع في السعودية وأربعة خارج البلاد.

أما عن كيفية إدارة هذه الحسابات، فيديرها "روبوت الويب" أو BOTS الذي يؤدِّي مهامَّ متكررة وتلقائية عبر برمجة تنتهي بوضع عمليات إعجاب أو إعادة تغريد أو تعليق على تغريدات أو لحسابات بعينها في نمط من النشر الغزير يؤدي إلى نشر وسوم بشكل كبير يجعلها تنافس في قوائم الترند العالمية أو تتصدر الترند في الدول المستهدفة.

ونشر موقع ويكيليكس وثائق عن تواصل سعود القحطاني عام 2012 مع شركة تجسس إيطالية اشترى منها برامج تجسس مع مفاتيح تشفيرها، إضافة إلى عضويته النشطة في مواقع الاختراق المخصصة لبيع خدمات المخترقين.

المصدر: TRT عربي - وكالات