بعد يومين من تسيير أولى الدوريات العسكرية المشتركة بين الجيشين الأمريكي والتركي شمالي سوريا، أعربت أنقرة عن تخوفاتها من جدية واشنطن في اتفاق المنطقة الآمنة. فما أساس التخوفات التركية؟ وما أهمية الاتفاق في سياق التوتر بين الجانبين التركي والأمريكي؟

انطلقت، الأحد، أولى الدوريات العسكرية المشتركة بين الجيشين التركي والأمريكي 
انطلقت، الأحد، أولى الدوريات العسكرية المشتركة بين الجيشين التركي والأمريكي  (AA)

على الرغم من بدء الدوريات البرية المشتركة بين الجيشين الأمريكي والتركي، الأحد، كجزء من اتفاق إنشاء المنطقة الآمنة شمالي سوريا بين الجانبين، لا تزال القضية نقطة خلافٍ أساسية بين أنقرة وواشنطن، وهو ما يظهر جلياً من خلال تصريحات المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان.

أنقرة متشككة

منذ بداية توصّل الجانب الأمريكي والجانب التركي إلى اتفاق المنطقة الآمنة في أغسطس/آب الماضي، أعرب المسؤولون في أنقرة مراراً وتكراراً عن تخوفاتهم من احتمالية مماطلة الأمريكيين من أجل كسب مزيد من الوقت، وأكّدوا أن تركيا لن تسمح بذلك ولن تقف متفرجة حال لم يُستجب لمخاوفها ومتطلبات أمنها القومي على نحو فوري وعملي.

في أحدث تصريحات له، قال وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، الثلاثاء، إن "الولايات المتحدة تُعطل تنفيذ اتفاق لإقامة منطقة آمنة شمال شرقي سوريا"، مؤكداً أن بلاده تريد العمل مع الولايات المتحدة، لكنها أيضاً مستعدة للعمل بمفردها على "إخلاء المنطقة من مقاتلي التنظيمات الإرهابية إذا تطلب الأمر".

وأضاف "نعم توجد بعض الدوريات المشتركة، لكن فيما عدا ذلك فإن الخطوات التي اتُخذت أو التي قيل إنها اتُخذت ليست سوى خطوات شكلية"، كما أعرب عن تخوف تركيا من "أن تكون الولايات المتحدة دخلت مرحلة تعطيل، وتحاول حمل تركيا على الاعتياد على عملية التعطيل هذه".

في السياق ذاته، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء، إن بلاده تتوقع من الولايات المتحدة الوقوف معها في محاربة الإرهاب، وتشكيل مناطق آمنة تتيح عودة اللاجئين السوريين، مشيراً إلى أن تركيا لم يعد بإمكانها تحمل موجة لجوء جديدة من سوريا وأن التنظيمات الإرهابية تشكل أكبر عائق أمام عودة السوريين.

واستنكر أردوغان استمرار الدعم الأمريكي المقدّم إلى التنظيمات الإرهابية في المنطقة، مشيراً إلى إرسال واشنطن "ما يقارب 50 ألف شاحنة محملة بالأسلحة والذخائر إلى المجموعات الإرهابية شمال شرقي سوريا". وأضاف "ما نتوقعه من الولايات المتحدة وقوفها إلى جانب جهودنا في مكافحة الإرهاب وتشكيل مناطق آمنة تتيح عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم".

وأكّد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن أن أنقرة لن تسمح بالمماطلة مثلما حصل في منبج، والابتعاد عن الهدف الرئيسي بخصوص المنطقة الآمنة شمالي سوريا.

وحذّر قالن، في مؤتمر صحفي عقده الثلاثاء عقب اجتماع حكومي، من أن يتحول الأمر إلى "تشكيل منطقة آمنة أخرى لتنظيم PKK/YPG الإرهابي أسفل الحدود بعمق 10 أو 20 أو 30 كيلومتراً"، مضيفاً "إذا ساورتنا أي شكوك بهذا الخصوص، فإن الجمهورية التركية لديها الإمكان والقدرة على تشكيل المنطقة الآمنة فعلياً".

مستقبل العلاقات التركية الأمريكية

على الرغم من أن اتفاق المنطقة الآمنة الذي خرج في 7 أغسطس/آب الماضي، كثمرة للمباحثات التي جمعت المسؤولين الأتراك مع نظرائهم الأمريكيين، يُعد بمثابة تقدم ملحوظ في سبيل إنهاء التوتر المتصاعد الذي شهدته العلاقات بين البلدين في الفترة الأخيرة، إلا أن متابعي الشأن يحذرون من الإفراط في التفاؤل الذي قد يكون مصاحباً للاتفاق وأثره على مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين.

في هذا الصدد، يقول أستاذ العلاقات الدولية سمير صالحة إن "الأمور على الأرض ما زالت غير واضحة المعالم حتى اللحظة، من وجهة النظر الأمريكية".

وأضاف لـTRT عربي "يمكن التوصل إلى تفاهمات جديدة بين تركيا والولايات المتحدة حول المنطقة الآمنة، وفي الوقت الذي تتحدث فيه القيادات التركية عن منطقة آمنة شمالي سوريا بأكملها وعلى امتداد الحدود التركية السورية، فإن أمريكا تتحدث عن تفاهمات أمنية".

وأشار إلى أن هناك مشكلة حقيقية مع الموقف الأمريكي بالنسبة لتركيا، لأن واشنطن تتحدث عن تفاهمات أمنية في الوقت الذي تتحدث فيه تركيا عن ممر سلام، وعن عمق داخل سوريا من شأنه أن يطهر المنطقة من التنظيمات الإرهابية.

وقال صالحة "أنقرة تتحدث عمّا بعد الدوريات المشتركة، وعمّا بعد ممر السلام الآمن، وتسعى إلى معرفة ما تعد له واشنطن في المنطقة، وهي معنية بذلك بشكل كبير".

ولفت إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقد العزم على زيارة الولايات المتحدة الأمريكية، "وقد يتم حسم الكثير من النقاط العالقة خلال تلك الزيارة، خاصة فيما يتعلق بمنطقة شرق الفرات".

ويقول الباحث السياسي في المركز العربي بواشنطن جو معكرون، إن هذا الاتفاق يهدف بالأساس إلى إدارة صراع المصالح بين تركيا والولايات المتحدة، وليس إيجاد حل نهائي للخلاف.

ويتابع معكرون "طالما استمرت الولايات المتحدة في دعم تنظيم YPG واستمرت تركيا في تحالفها مع روسيا، فإن احتمالات إعادة الحياة بالكامل للتعاون بين أنقرة وواشنطن في سوريا ضئيلة"، مشيراً إلى أن "الولايات المتحدة، تحت الضغط التركي، سارعت بتسيير الدوريات العسكرية المشتركة، حتى قبل الاتفاق على عمق المنطقة الآمنة ومن سيتولى مراقبتها".

ويرى معكرون أن "أردوغان ينتقد الإدارة الأمريكية لكنه يراهن على إمكانية التوصل لتسوية خلال الاجتماع المرتقب الذي سيجمعه هذا الشهر بترمب في نيويورك، لاسيما وأن الجانبين يرغبان في التوصل إلى حل مُرضٍ للطرفين، ويتجنبان المواجهة أو على الأقل يؤجلها".

المصدر: TRT عربي