البيان الختامي للمؤتمر ترجى جميع الليبيين تيسير البسط الكامل لسلطة المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة على كامل البلاد (Reuters)

لم يتضمن بيان مؤتمر برلين 2 الختامي أي عقوبات أو إدانات لعرقلة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ولا عملية توحيد الجيش، ولا إشارة إلى حليفه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ودوره في تعطيل تحرير موازنة الدولة وإصدار قوانين الانتخابات.

لم يضع مؤتمر برلين الثاني يده على الجرح، ما قد يدفع حفتر وعقيلة إلى التمادي في عرقلتهم الحوار السياسي والتحضير للانتخابات وتوحيد المؤسسة العسكرية.

بالمقابل التزم المؤتمر دعمه لمجلس النواب والمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الليبية، من دون أن يشير إلى المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري) "قدر المستطاع" بناء على طلبها.

وبدل استخدام صيغة أكثر حزماً ترجَّى البيان الختامي للمؤتمر جميع الليبيين أن ييسروا البسط الكامل لسلطة المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة على كامل البلاد.

والليبيون يدركون أن حفتر ومليشياته هم من يعوقون بسط المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة لسلطتهما على المناطق الشرقية والجنوبية للبلاد، بدليل منعهم عبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة الاجتماع مع وزرائه في مدينة بنغازي (شرق)، وتحريكهم وحدات مسلحة من الشرق إلى الجنوب الغربي من دون موافقة المجلس الرئاسي، بصفته القائد الأعلى للجيش.

والدبيبة كان واضحاً في طلبه من المشاركين "ردع المعرقلين" وليس مجرد التعبير عن الرجاء، بخاصة أنه لم يبقَ من عمر الحكومة سوى 6 أشهر، ولم يقر مجلس النواب بعد موازنة الدولة التي من خلالها يمكن للحكومة تخصيص ميزانية لمفوضية الانتخابات للشروع في التحضير للرئاسيات والتشريعيات.

وعندما تحدث المؤتمر عن المجلس الأعلى للدولة فإن ذلك جاء في سياق دعوته رفقة مجلس النواب "بشكل مُلِحٍّ" للاتفاق حول المناصب السيادية لتمكين السلطة التنفيذية من مواصلة عملية توحيد المؤسسات.

فالمجلس الأعلى للدولة يشترط لاستكمال تنفيذ الاتفاق حول توزيع المناصب السيادية (وعلى رأسها منصب محافظ البنك المركزي) توحيد المؤسسة العسكرية، بينما يشترط مجلس النواب للإفراج عن موازنة الدولة الانتهاء من ملف المناصب السيادية، مما عرقل عمل الحكومة.

لأن حفتر باعتباره أساس الأزمة الليبية يرفض ببساطة توحيد المؤسسة العسكرية، بينما لا يملك مؤتمر برلين أدوات قوية لردعه، لذلك يختار الطرف الأضعف في نظره ممثلاً للمجلس الأعلى للدولة للضغط عليه مقابل وعود يصعب تنفيذها.

شارك في مؤتمر برلين الثاني ممثلون من 16 دولة بالإضافة إلى أربع منظمات على رأسها الأمم المتحدة (Reuters)

وشارك في مؤتمر برلين الثاني حسب البيان الختامي ممثلون رفيعو المستوى من 16 دولة وأربع منظمات هي الجزائر والصين والكونغو الديمقراطية (رئيس الاتحاد الإفريقي) ومصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وليبيا وهولندا وروسيا وسويسرا وتونس وجمهورية الكونغو (رئيسة اللجنة العليا للاتحاد الإفريقي حول ليبيا) والإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية.

لكن البيان تحدث في المادة 23 عن عقوبات ضد المعرقلين لقرار مجلس الأمن بحظر توريد الأسلحة أو وقف إطلاق النار أو تهديد سلام ليبيا أو تقويض الاختتام الناجح للعملية السياسية -ويشمل ذلك انتخابات المقررة 24 ديسمبر/كانون الأول المقبل- أو الذين يرتكبون انتهاكات لحقوق الإنسان.

وفي هذا الصدد دعا المؤتمر "مجلس الأمن الدولي بقوة لأخذ فرض مثل هذه العقوبات بالشكل المناسب بعين الاعتبار".

وعلى الرغم من تسجيل الجيش الليبي استمرار توريد أسلحة وحتى طائرات حربية إلى مليشيات حفتر، واتهامها بخرق وقف إطلاق النار من خلال تحريك وحداتها المسلحة من دون إذن من القائد الأعلى للجيش، ومع ذلك لم يفرض مجلس الأمن عقوبات على حفتر ولم يُدَنْ حتى من مؤتمر برلين الثاني.

وفي ظل استمرار دول دائمة العضوية مثل فرنسا وروسيا في دعم حفتر من المستبعد أن تُفرض عقوبات رادعة ضده.

وفي تلميح بإعلان مليشيات حفتر تنفيذها مؤخراً عملية عسكرية في الجنوب وغلقها للحدود مع الجزائر وسيطرتها على معبر إيسين/تين الكوم واستخدام المتمردين التشاديين ليبيا قاعدة خلفية أعلن مؤتمر برلين الثاني التزامه دعم مساعي المجلس الرئاسي والحكومة المؤقتة لتأمين الحدود الليبية والسيطرة على حركة المجموعات المسلحة والأسلحة عبر الحدود.

غير أن أقوى نقطة في البيان الختامي تدعم سلطة المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة على مليشيات حفتر، ما جاء في المادة 31 التي دعت "لاحتكار الدولة لاستخدام القوة بشكل مشروع".

وكذلك في المادة 25 التي دعا فيها اللجنة العسكرية المشتركة (5 5) لاستكمال بناء الثقة وإطلاق المحتجزين وإزالة الألغام وفتح الطريق الساحلي و"إنشاء مؤسسات موحدة للأمن القومي تحت سلطة المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة".

والمادتان فيهما تأكيد لشرعية المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة وسلطتهما على مليشيات حفتر التي ترفض حتى الآن الخضوع لهما، بل تتمرد على قراراتهما جهاراً نهاراً.

لكن لم يوضح المؤتمر آلية إلزام حفتر بالخضوع لسلطة المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة، وما الإجراءات التي ستُتخذ ضده إذا لم يلتزم قرارات الشرعية الدولية.

وتشكل آلية تنفيذ قرارات مؤتمر برلين الثاني أصعب الأمور، بخاصة أن الدول الأوروبية النافذة فيه ترفض معالجة أصل المشكلة المتمثلة في حفتر وبدرجة أقل عقيلة صالح، وتركز على صراع النفوذ الدولي داخل أكبر بلد إفريقي من حيث احتياطات النفط ومشاريع إعادة إعمار بحجم يصل إلى 120 مليار دولار خلال العشر سنوات المقبلة، كذلك فهو بوابة أوروبا الجنوبية للمهاجرين غير النظاميين.

وإذا لم تُحل ظاهرة حفتر بشكل جذري أو على الأقل تحتوى فمن الصعب الحديث عن نهاية قريبة للأزمة الليبية حتى لو جرت الانتخابات في موعدها.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً