بايدن يسعى لإنهاء وجود قوات بلاده في أفغانستان في حرب استمرت قرابة 20 عاماً وأودت بحياة قرابة 2400 جندي أمريكي (Tom Brenner/Reuters)

كان الرئيس الأمريكي جو بايدن يواجه ضغط مهلة تنتهي في أول مايو/أيار حدّدها الرئيس السابق دونالد ترمب، لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، قبل أن يخرج لينهي التكهنات بشأن مستقبل الوجود الأمريكي هناك، معلناً تاريخاً رمزياً في تاريخ الولايات المتحدة المعاصر (11 سبتمبر/أيلول) موعداً نهائياً للخروج.

توقيت إعلان الانسحاب والتاريخ المحدد له، لا يبدوان إلا تفصيلاً رمزياً في مقابل رغبة الإدارة الأمريكية في إنهاء حقبة تاريخية في أفغانستان، إذ كلّف الوجود العسكري الأمريكي هناك واشنطن خسائر بشرية ومالية عالية، دفعت بايدن إلى القول: "حان وقت إنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة".

"إنهاء أطول حرب"

في خطاب متلفز مطوَّل نسبياً، خرج بايدن الأربعاء ليعطي إشارة انطلاق لنهاية حقبة ربماً، معلناً أن الولايات المتحدة ستبدأ سحب قواتها بصورة نهائية من أفغانستان اعتباراً من الأول من مايو/أيار، على أن تكمل ذلك قبل 11 سبتمبر/أيلول.

بايدن برّر قراره هذا قائلاً: "أعتقد أن وجودنا في أفغانستان يجب أن يتركز على السبب الأول الذي دفعنا إلى الذهاب: التأكد من أن أفغانستان لن تُستخدم قاعدةً لمهاجمة بلادنا مجدداً. هذا ما فعلناه، لقد حققنا هذا الهدف".

وتابع بايدن: "الولايات المتحدة ستبدأ انسحابها النهائي... في الأول من مايو هذا العام. لن ننفّذ خروجاً متعجلاً. سنفعل ذلك بشكل مسؤول وآمن بالتنسيق الكامل مع حلفائنا وشركائنا الذين لديهم الآن قوات أكثر منا في أفغانستان".

وأردف: "أسباب بقائنا في أفغانستان أصبحت غير واضحة على نحو متزايد"، مؤكداً: "بعد مباحثات مستفيضة حان وقت إنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة".

بايدن قال إن للأفغان حقاً في حكم بلادهم وإن القوات الأجنبية لن تخلق حكومة مستقرة (Reuters)

في سياق متصل حض الرئيس الأمريكي حركة طالبان الأفغانية على الوفاء "بالتزامها" لجهة مكافحة الإرهاب، وقال: "نحمّل طالبان مسؤولية التزامها عدم السماح لأي إرهابي بتهديد الولايات المتحدة أو حلفائها من الأراضي الأفغانية".

وقال بايدن: "على طالبان أن تعرف أنه إذا هاجمت القوات في أثناء الانسحاب فسنردّ بكل ما أوتينا من قوة"، مطالباً باكستان خصوصاً بـ"بذل مزيد" من الجهود لمساعدة أفغانستان.

أمر الأفغان بأيديهم

كان لافتاً قول بايدن خلال خطابه إن "للأفغان حقاً في حكم بلادهم، والقوات الأجنبية لن تخلق حكومة مستقرة"، في ما يشبه مراجعة ربما للتدخل الأمريكي في أفغانستان الذي قارب 20 عاماً.

بالتزامن مع ذلك، خرج ينس ستولتنبرغ، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، معلقاً على خطط الانسحاب قائلاً إن على أفغانستان الآن التأسيس لدولة آمنة لمواطنيها، مضيفاً: "هذا القرار لم يكن سهلاً، وينطوي على مخاطر".

يأتي ذلك بعدما أعلنت دول حلف شمال الأطلسي أيضاً قرارها المباشرة سحب قواتها العاملة في إطار مهمة التحالف في أفغانستان بحلول الأول من مايو/أيار، على أن تنجز ذلك "في غضون بضعة أشهر"، وفق بيان نشره الحلف لم يأتِ على ذكر موعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.

وأضاف ستولتنبرغ في مؤتمر صحفي بجوار وزيرَي الدفاع والخارجية الأمريكيين في مقر الحلف: "نواجه معضلة، لأن بديل الانسحاب أن نكون مستعدين لالتزام عسكري طويل الأمد وإلى أجل غير مسمى... الأمر يرجع الآن إلى الشعب الأفغاني لبناء سلام مستدام".

من جهته تَعهَّد الرئيس الأفغاني أشرف غني بانسحاب "سلس" للقوات الأمريكية من بلاده، وقال في تغريدة عقب اتصال هاتفي مع بايدن: "أجريت مباحثات هاتفية مع الرئيس بايدن، وناقشنا فيها قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من أفغانستان بحلول سبتمبر/أيلول المقبل".

وشدّد غني على أن أفغانستان تحترم قرار الولايات المتحدة، مضيفاً: "سنعمل مع شركائنا الأمريكيين لضمان انسحاب سلس لقواتهم"، وأضاف أن بلاده ستواصل العمل مع حلف شمال الأطلسي "ناتو" في جهود السلام الجارية.

كما أشار إلى أن قوات الأمن والدفاع الأفغانية "قادرة تماماً على الدفاع عن شعبها وبلدها، وهو ما كانوا يفعلونه طوال الوقت"، لافتاً إلى أن الأمة الأفغانية ستظلّ ممتنة لهم إلى الأبد.

ومن المقرر عقد قمة عن أفغانستان يوم 24 أبريل/نيسان في إسطنبول وتشارك فيها الأمم المتحدة وقطر، غير أن حركة طالبان، التي أطاحت بها القوات الأمريكية من الحكم عام 2001، قالت إنها لن تشارك في أي قمة تأخذ قرارات تخصّ أفغانستان إلى أن تخرج جميع القوات الأجنبية من البلاد.

ودعا ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم طالبان الأربعاء، الولايات المتحدة إلى التزام الاتفاق الذي توصلت إليه الحركة مع إدارة ترمب، وكتب على تويتر: "إذا التُزم الاتفاق فإن المشكلات الباقية ستُحَلّ أيضاً... إذا لم يُلتزم الاتفاق... فإن المشكلات ستزداد حتماً".

نهاية حقبة تاريخية؟

يُعَدّ 11 سبتمبر/أيلول تاريخاً ذا مغزى كبير، إذ يأتي بعد مرور 20 عاماً على اليوم الذي شنّ فيه تنظيم القاعدة هجماته على الولايات المتحدة، مما دفع الرئيس آنذاك جورج بوش الابن إلى بدء الحرب التي بلغت تكاليفها ما يقدَّر بنحو تريليونَي دولار.

وكان حجم القوات الأمريكية في أفغانستان بلغ ذروته في 2011 عندما تجاوز 100 ألف جندي، بالإضافة إلى انخراط عسكري من دول الناتو على رأسها بريطانيا وألمانيا وإيطاليا، التي نشرت مع دول أخرى شريكة قرابة 10 آلاف عسكري.

ويُعَدّ قرار بايدن الانسحاب دون شروط ما يشبه نهاية حقبة تاريخية، حسب ما عنونته شبكة ABC News الأمريكية، في تقرير سابق، متسائلة عمّا حقّقَته أمريكا في أفغانستان، ومذكرة بخسائرها هناك، إذ راح ضحية تدخُّل واشنطن 2400 جندي أمريكي، وبلغت تكاليف الحرب منذ بدايتها نحو تريليونَي دولار.

غير أنّ هذا القرار الذي يُعَدّ تاريخياً عند البعض، يُثير معارضة أو مخاوف عند أطراف أخرى، إذ قال وليام بيرنز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA الأربعاء، إن قدرة واشنطن على جمع معلومات عن التهديدات المحتملة والتصرف حيالها ستتضاءل عند سحب القوات الأمريكية من أفغانستان.

وقال بيرنز للجنة المخابرات في مجلس الشيوخ الأمريكي: "يوجد خطر كبير بمجرد سحب الجيش الأمريكي وجيوش التحالف قواتهم"، لكنه استدرك بأن الولايات المتحدة "ستحتفظ بمجموعة من القدرات".

في المقابل يقول محللون إن خطة خروج القوات أشبه بالدفع بأفغانستان إلى مصير مجهول، إذ يقول أنتوني كوردزمان، الباحث في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" في واشنطن: "ما من سبيل مستساغ يمكن للولايات المتحدة من خلاله الانسحاب من أفغانستان، فلا يمكنها إعلان النصر ولا يمكنها الانتظار إلى ما لا نهاية حتى يتحقق ضرب شكليّ من ضروب السلام".

من جهته، قال الخبير نيشانك متواني، إن "الحرب في أفغانستان ستشتدّ، وستصبح أكثر قذارة وستتواصل حتى تستولي حركة طالبان على الحكم في ما سيتبقى من كابول"، وأضاف أن "الانسحاب الأمريكي سيدمّر أي أمل لدى الأفغان الذين يؤمنون بحكومة تستند إلى تقاسم السلطة والمصالحة والسلام الدائم".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً