منذ ظهور وباء كورونا وانتشاره تدريجياً حول العالم، بدا أن تداعياته الاقتصادية ستكون كبيرة ومؤثرة، فمع توقف حركة الأفراد والملاحة الجوية باتت قطاعات السياحة مهددة، في الوقت الذي سيكون فيه العاملون في القطاعات غير المهيكلة عربياً أشد المتضررين.

يُفترض أن يتسبّب فيروس كورونا على مستوى العالم في إغلاق مفاجئ لكثير من الأسواق الاستهلاكية وارتفاع مستوى البطالة
يُفترض أن يتسبّب فيروس كورونا على مستوى العالم في إغلاق مفاجئ لكثير من الأسواق الاستهلاكية وارتفاع مستوى البطالة (Reuters)

بدأ فيروس كورونا التأثير على قطاعات اقتصادية عالمية، وبات يزيد الضغوط على قطاعات حيوية أخرى كالنقل الجوي وشركات الطيران، التي كانت تعاني أصلاً قبل ظهور المرض، مما قد يسرع وتيرة إفلاس بعض الشركات.

وتوقّع باحثون من الجامعة الوطنية الأسترالية الخطر المحدق بالولايات المتحدة، في دراسة صدرت حديثاً، تطرقت إلى التكلفة المحتملة من الناحيتين البشرية والمالية، حسب ما نقلته وكالة الأناضول.

مؤلفو هذه الدراسة أوضحوا أن التكلفة المتوقعة للمال المهدَر بسبب تفشي فيروس كورونا يمكن أن تصل إلى 1.7 تريليون دولار عام 2020.

وقد زادت وتيرة إلغاء الرحلات الجوية بنسبة قاربت 85% في بعض الشركات، وبدأت بعض شركات الطيران في تسريح فوري للعمالة، وسط حالة الرعب التي ينشرها كورونا، حسب وكالة الأناضول.

وبدأت الآثار السلبية على الشركات في الظهور، بسبب إلغاء الفاعليات الترفيهية والاقتصادية حول العالم، وقرر عدد من الشركات تجميد التوظيف وتقديم إجازات طوعية غير مدفوعة الأجر.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قال في 16 آذار/ مارس 2020، إن اقتصاد الولايات المتّحدة قد يتباطأ ويتجه نحو الركود، على خلفية انتشار كورونا، وفعلاً بدأ خبراء الاقتصاد في الولايات المتّحدة القول إن البلاد دخلت رسمياً حالة ركود.

ويُفترض أن يتسبّب فيروس كورونا على مستوى العالم في إغلاق مفاجئ لكثير من الأسواق الاستهلاكية، وارتفاع مستوى البطالة وانخفاض إنفاق المستهلكين وتدني الثقة.

وحذر أستاذ الاقتصاد خالد شبيب، من أزمة اقتصادية عالمية في حال استمر الوباء في الانتشار، وتوقع أن تخرج الدول الأوروبية من 2020 الذي سماه "عام كورونا"، بحصيلة موجعة من العجز والديون، بينما تقف أسواق المال الأوروبية والعالمية على شفير انهيارات محتملة، قد تتداعى بتأثير الدومينو المتعاقب الذي سيهوي باليورو.

وأكد أن "العالم يعيش أزمة حقيقية مرتبطة بجائحة كورونا، وهو على شفا الهاوية إذا لم يجرِ استيعاب هذا الفيروس". ويرى شبيب أن الوباء "انتقل إلى سوق المال العالمي، وأصبح مرتبطاً به عضوياً، وما انهيارات البورصة في العالم وتردي سعر برميل النفط إلى 28 دولاراً إلا دليل على حجم الأزمة الاقتصادية العالمية"، حسب الأناضول.

الوباء انتقل إلى سوق المال العالمي، وما انهيارات البورصة في العالم وتردّي سعر برميل النفط إلا دليل على حجم الأزمة الاقتصادية العالمية.

خالد شبيب - أستاذ اقتصاد

خسائر شركات الطيران

قدّر اتحاد النقل الجوي الدولي (إياتا) في بيان، أن خسائر شركات الطيران حول العالم قد تصل إلى 113 مليار دولار، كإحدى تبعات تفشي كورونا. واعتبر الاتحاد أن بقاء الفيروس من دون توسع عن مستواه الحالي جغرافياً، يشير إلى خسائر حتى 63 ملياراً، ويصعد الرقم ليبلغ أقصاه 113 ملياراً في حال أخذ نطاقاً أوسع نحو بلدان إضافية في أوروبا والأمريكتين.

وتوقعت شركة CFE المتخصصة في استشارات الطيران التابعة لشركة "جنرال إلكتريك للطيران"، أن تشهر معظم خطوط الطيران الجوية إفلاسها بحلول مايو/أيار، بسبب الخسائر المترتبة على قيود حظر الرحلات حول العالم بسبب تفشي كورونا.

وناشدت شركات الطيران العالمية الحكومات الثلاثاء، للتعجيل بصفقات إنقاذ لقطاع النقل الجوي، وذلك بعد أن تضاعفت تقديراتها لفاقد الإيرادات في 2020، بسبب أزمة كورونا، إلى أكثر من 250 مليار دولار.

وقال ألكسندر دو جونياك رئيس "إياتا": "نحتاج بوضوح إلى تحرك هائل على نحو سريع وملحٍّ للغاية"، وأضاف: "لدينا أزمة سيولة تأتي مسرعة. لم يعد في دفاترنا إيرادات، لكن التكاليف مستمرة، لذا نحن بحاجة ماسة إلى بعض السيولة".

ويتوقع القطاع الآن توقف حركة الطيران لشهور، إذ قالت "رايان إير"، أكبر شركة طيران أوروبية من حيث أعداد المسافرين، إنها لا تتوقع تشغيل رحلات في أبريل/نيسان أو مايو/أيار.

ولن تنجو شركات كثيرة من ضربة بهذا العنف لمالياتها، وفي الوقت الذي قال فيه "إياتا" إنه من دون دعم حكومي، سيواجه ما يصل إلى نصف شركات الطيران إفلاساً محتملاً في الأسابيع المقبلة.

قالت
قالت "رايان إير"، أكبر شركة طيران أوروبية من حيث أعداد المسافرين، إنها لا تتوقع تشغيل رحلات في أبريل/نيسان أو مايو/أيار (AP)

البطالة تهدّد نصف العاملين في القطاع السياحي

من جهة أخرى، قال مجلس السياحة والسفر العالمي (WTTC)، إن نحو 50% من العاملين في القطاع السياحي حول العالم سيفقدون وظائفهم، على خلفية تفشي كورونا.

وشدّد المجلس في بيان الأربعاء، على أن "ظهور فيروس كورونا حول العالم كبد القطاع السياحي خسائر تقدر حتى اليوم بنحو 2.1 تريليون دولار".

وأضاف أن "الفيروس زاد من مخاطر فقد الوظائف في آسيا والباسيفيك بنحو 48.7%، بينما في الأمريكتين بنسبة 10%، والنسبة نفسها في أوروبا، بينما سيفقد نحو 1.8% من العاملين في السياحة في الشرق الأوسط وظائفهم".

وأوضح البيان أن "نحو مليون عامل في صناعة السياحة يفقدون وظائفهم يومياً بسبب كورونا وتعطل السفر والطيران".

وأشار إلى "توقعات بأن تبلغ الخسائر الأوروبية في القطاع قريباً نحو 552 مليار دولار، ونحو 10 ملايين وظيفة، فيما ستصل إلى 49 مليون وظيفة في منطقة آسيا والباسيفسك التي تعد الأكثر تضرراً في العالم بخسائر قد تصل إلى 880 مليار دولار".

وتابع: "بينما ستخسر أمريكا الشمالية 570 مليار دولار و7 ملايين وظيفة".

بدورها، توقّعت غلوريا جيفارا الرئيس التنفيذي للمجلس "فقدان 75 مليون وظيفة عالمياً في قطاع السياحة بسبب فيروس كورونا".

وأردفت قائلة: "إذا ما أضيفت الأسر والعائلات فسيصبح رقماً قاسياً"، مضيفة: "إذا لم تتخذ خطوات جادة سريعة خلال الأيام القليلة المقبلة، فإن شبح الأزمة الاقتصادية سيطل على العالم من جديد، ولكنها هذه المرة ستطال العامل والمدير والمستثمر السياحي نفسه".

أتوقع فقدان 75 مليون وظيفة عالمياً في قطاع السياحة بسبب فيروس كورونا.

غلوريا جيفارا - الرئيس التنفيذي لمجلس السياحة والسفر العالمي

عربياً.. توقعات بخسارة 1.7 مليون وظيفة

عربياً، يواجه ملايين المتوقفين عن العمل بسبب كورونا أوضاعاً صعبة في بلدان المغرب والجزائر وتونس، إذ يفتقد أغلبهم الحماية الاجتماعية ويعملون في ظروف هشة من دون عقود عمل ولا مدخرات.

وتهدد تداعيات هذه الأزمة على وجه الخصوص العاملين في القطاع غير المنظم، مثل العديد من الحرفيين والباعة الجائلين والعمال المياومين أو عاملات البيوت، ما يمثل ملايين العمال على مستوى البلدان الثلاثة.

وسيكون الوضع أشد وطأة في المغرب، حيث يمثل عدد العاملين في القطاع غير المُهيكل 79.9%، مقابل 63.3% في الجزائر و58.8% في تونس، حسب أرقام نشرتها منظمة العمل الدولية عام 2018.

ويحاول المغرب تخفيف تداعيات هذه الأزمة من خلال إجراءات أعلنتها الأسبوع المنصرم لجنة أنشئت لهذا الغرض، لفائدة الشركات والأجراء المتوقفين عن العمل إذا كانوا مستفيدين من التغطية الاجتماعية.

وسيمنح هؤلاء العمال تعويضاً شهرياً قدره 2000 درهم (نحو 200 دولار)، بينما لم يعلن بعد عن الإجراءات الموجهة إلى الأجراء غير المستفيدين من أي تغطية اجتماعية، والذي يشكلون ثلاثة أرباع المغاربة العاملين، حسب معطيات رسمية.

وأعلن عن مخطط مماثل في تونس، التي تعاني تفشي البطالة ومعدل تضخم بـ7%، لدعم المقاولات والأجراء، ورصد له في المجموع 2.5 مليار دينار (800 مليون دولار)، بينها 150 مليون دينار (51 مليون دولار) مساعدات مالية مباشرة للأسر الأشد عوزاً.

ترى الإسكوا أن زيادة فترة الإغلاق التام في المنطقة العربية كإحدى إجراءات الوقاية من الفيروس، ستزيد الكلفة المترتبة على اقتصادات المنطقة
ترى الإسكوا أن زيادة فترة الإغلاق التام في المنطقة العربية كإحدى إجراءات الوقاية من الفيروس، ستزيد الكلفة المترتبة على اقتصادات المنطقة (Reuters)

من جهة أخرى، أورد تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، أن المنطقة العربية مرشحة لخسارة 1.7 مليون وظيفة، بسبب تفشي فيروس كورونا إقليمياً ودولياً.

وتوقعت الإسكوا في تقرير صدر الأربعاء الماضي، تراجع الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية بما لا يقل عن 42 مليار دولار، مضيفة: "هذا الرقم مرشح للارتفاع نتيجة للآثار المضاعفة لانخفاض أسعار النفط والتباطؤ الاقتصادي".

وكانت منظمة العمل الدولية قالت الأربعاء الماضي، إن سوق العمل حول العالم مرشحة لفقدان 25 مليون وظيفة، نتيجة تفشي فيروس كورونا، في أول تقييم مبدئي للمنظمة.

وترى الإسكوا أن زيادة فترة الإغلاق التام في المنطقة العربية كإحدى إجراءات الوقاية من الفيروس ستزيد الكلفة المترتبة على اقتصادات المنطقة.

وزادت: "المنطقة قد تخسر أكثر من 1.7 مليون وظيفة في 2020، مع ارتفاع معدل البطالة بمقدار 1.2 نقطة مئوية، ومن المتوقع أن تتأثر فرص العمل في جميع القطاعات بقيادة الخدمات".

ويظهر تقييم اللجنة أن فيروس كورونا أدى إلى انخفاض أسعار النفط، "ما كلّف المنطقة 11 مليار دولار من إيرادات نفطية صافية في الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني الماضي إلى منتصف الشهر الجاري".

سيناريوهات لحالة الركود

جاء في تحليل لـمحمود عثمان على وكالة الأناضول، أن من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن يصيب الركود الاقتصادي اقتصادات العالم كلّه، إذ تضعف الحركة وتتوقف معظم الأنشطة التجارية، باستثناء القطاع الطبي وبعض القطاعات الأخرى.

ومن المرجح أن تلجأ معظم دول العالم إلى ضخ أموال كبيرة داخل الاقتصاد من أجل تنشيطه، وفق ما يُعرف بـ"التدخل الكينزي"، إذ يُفترض أن يتغيّر دور الدولة في الحياة الاقتصادية في ظل هذه الظروف، وهو ما تشير إليه تصريحات المسؤولين في فرنسا وإيطاليا بالبدء بهذا الشكل من التدخّل.

ومن الواضح أنّ عام 2020 سيكون مليئاً بالصعوبات على دول العالم، ليس اقتصادياً فقط بل توجد مسائل يُفترض إعادة النظر فيها، مثل سلاسل التوريد التي اعتمدت على الصين بشكل مبالغ فيه جداً، حسب تعبير عثمان.

المصدر: TRT عربي - وكالات