الخارجية التونسية تؤكد رفضها لأي علاقة مع إسرائيل (Reuters)

في الوقت الذي كانت فيه طائرة "إل عال" الإسرائيلية تحط بالعاصمة المغربية الرباط، مُحمَّلة بمستشار ترمب وصهره جاريد كوشنر والمستشار الخاص لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مئير بن شبات، جاء رد تونس على ما تداوله الإعلام الدولي حول إمكانية انضمامها إلى اتفاق التطبيع مع إسرائيل.

الطائرة الإسرائيلية التي كانت مجبرة على أن تتخذ مساراً طويلاً عبر السواحل الإيطالية والفرنسية، تداولت عدة وسائل إعلام محلية رفض كل من تونس والجزائر مرورها من أجوائها في رمزية عكست موقف الدوليتن من إسرائيل.

بعد ساعات من ذلك جاء الرد التونسي الرسمي عبر وزارة الخارجية رداً على ما ورد في صحيفة نيويورك تايمز التي نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن تونس وعمان هما الدولتان التاليتان اللتان ستنضمان إلى اتفاق التطبيع، إذ أكدت الخارجية رفضها لكل هذه الادعاءات.


لا علاقات مع "كيان محتل"


وسط هذا التيار الجارف نحو التطبيع اختارت تونس عدم الانسياق فيه بوضوح، إذ نفت صحة تقرير الصحيفة الأمريكية عن احتمال تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في ظل استمرار سياساتها الراهنة، كما شددت على دعمها الشعب الفلسطيني حتى يسترد حقوقه الشرعية "كاملة غير منقوصة".

وزارة الخارجية التونسية في بيان لها قالت إن تونس "غير معنية بإرساء علاقات دبلوماسية مع الكيان المحتل ما دام يواصل سياساته التي تضرب عرض الحائط بقرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي".

وأضافت أن "كل ما يروَّج من ادعاءات في هذا الخصوص لا أساس لها من الصحة ويتناقض تماماً مع الموقف الرسمي المبدئي للجمهورية التونسية المناصر للقضية الفلسطينية العادلة والداعم للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني".

وجددت الإعراب عن "تمسُّكها بعدم المشاركة في أية مبادرة تمس الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني الشقيق".

وذكّرت الخارجية التونسية بـ"الموقف الثابت لرئيس الجمهورية قيس سعيّد (وهو) أن حقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرُّف ولا للسقوط بالتقادم، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف".

وأعربت تونس عن "قناعتها التامة بأنه لا يمكن إرساء سلام عادل ودائم وشامل في المنطقة من دون تطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بحقوق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه المسلوبة وإقامة دولته المستقلة".

بيان الخارجية جاء بعد أيام من تصريحات رئيس الحكومة هشام المشيشي بأن تطبيع علاقات بلاده مع إسرائيل "ليس مسألة مطروحة"، إذ قال المشيشي في مقابلة مع محطة "فرانس 24": "هذا خيار اعتمده المغرب بحرية، نحترم خيار المغرب الشقيق والبلد الذي نحبه كثيراً. بالنسبة إلى تونس هذه المسألة ليست مطروحة".

تجريم التطبيع

هذا التحرك الرسمي التونسي سبقه حراك داخل البرلمان حول قضية التطبيع مع إسرائيل، إذ قدمت الكتلة الديمقراطية بمجلس نواب الشعب التونسي قبل أسبوع مقترح قانون لتجريم التطبيع مع إسرائيل بمناسبة مرور 4 سنوات على اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري، الذي اتهمت الموساد الإسرائيلي باغتياله أمام منزله في محافظة صفاقس مسقط رأسه في 15 ديسمبر/كانون الأول 2016.

الكتلة الديمقراطية ليست الوحيدة التي اتخذت خطوات تجاه التطبيع، إذ حذّر الاتحاد العام التونسي للشغل السلطة التونسية من أيّ خطوة تطبيعية مؤكداً أنّ "النقابيات والنقابيين والقوى الوطنية وكل الشعب سيتصدّون لأية محاولة لجرّ تونس إلى مستنقع التطبيع".


الاتحاد الذي يعتبر أهم منظمة نقابية والحائز على جائزة نوبل للسلام ضمن الرباعي الراعي للحوار سنة 2013 طالب " البرلمان بالتصديق على المبادرة الخاصة بسَنّ قانون تجريم التطبيع، مؤكداً "رفضه أيّ تعامل مع الكيان الصهيوني تحت أية ذريعة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو أكاديمية أو غيرها".

واعتبر الاتحاد أن "التبريرات التي يسوّق لها البعض والمتصلة بإغراءات الاستثمار والتشجيع على السياحة وتقديم الدعم المالي هي أوهام يزرعها دعاة التطبيع لضمان مصالحهم مع الكيان الصهيوني والدول الراعية له"، مشيراً إلى أن "التونسيات والتونسيين لن ينالوا منها غير مزيد من التفقير والاستغلال ونهب ثروات بلادهم".

رئيس الجمهورية قيس سعيد بدوره يُعرِّف موقفه الحاد من التطبيع، إذ اعتبر خلال حملته الانتخابية أنه "خيانة عظمى" ولا يمكن تبريره، بل يكاد يكون هذا الموقف الوحيد الواضح المعروف للرئيس تجاه أي قضية.

تاريخ من الدم

هذا الموقف الحاد والمبدئي من إسرائيل لم يأتِ من فراغ، وعلى الرغم من أن تونس كانت من أهم الداعين لحل الدولتين منذ تأسيس دولتها الحديثة على يد الحبيب بورقيبة، فإنها عاشت لحظات دموية بسبب احتضانها لمنظمة التحرير الفلسطينية بين عامَي 1982و1994. ففي 1 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1985 -الذكرى التي يخلِّدها التونسيون كل عام- سُمع دوي انفجارات في محيط مدينة حمام الشط الساحلية بعد أن مرت عشر طائرات مقاتلة من طراز F-15 وطائرتان إسرائيليتان من طراز بوينغ 707، استهدفت مقر منظمة التحرير الفلسطينية وقتل خلالها 50 فلسطينياً و18 تونسياً، فيما بات يعرف بعملية "الساق الخشبية".

لم يتوقف الأمر عندها، إذ اختارت إسرائيل بعدها الساحة التونسية لتصفية حساباتها خلال الانتفاضة الأولى، فنفذت في أبريل/نيسان 1988 جريمة اغتيال القيادي الفلسطيني الشهيد خليل الوزير الملقب بأبو جهاد. واختارت وقتها خرق المعاهدات والقوانين الدولية، عبر خمس سفن حربية وسفينة تحمل طائرات مروحية وتشكيلات من الكوماندوز ووحدات من الموساد ومن الوحدات الخاصة في الجيش والمخابرات.

وليس ببعيد عن عملية أبو جهاد، لا تزال أصابع الاتهام تتجه إلى المخابرات الإسرائيلية في عملية اغتيال محمد الزواري، المهندس الذي صمم طائرات للمقاومة الفلسطنية، عام 2016، وعلى الرغم من عدم اعترافها بالعملية فإن الرأي العام التونسي مقتنع بأن إسرائيل هي من تقف وراء العملية.


TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً