المحطة الأولى لترحيل اللاجئين القصر من فرنسا إلى إيطاليا (هيومن رايتس ووتش)

تخفي البطاقات البريدية في العادة مظاهر البؤس والمعاناة، فخلف "برج إيفل" المعروف في العاصمة الفرنسية باريس، المَعلم الذي يظهر كرمز سياحي وتاريخي لها، وفي ساحة تروكاديرو تحديداً، ينتشر المئات من الناس الذين لا مأوى لها، والتي طالما تعاملهم الحكومة كخارجين عن القانون.

يعتبر اللاجئون أنفسهم في فرنسا ضحايا لسياسات الدولة، التي تتهرب من مسؤولياتها تجاههم، إذ يجدون أنفسهم إما ملاحقين أمنياً أو مطرودين قسرياً، وإن هربوا يجدون في الشارع ملاذاً لهم، حيث المخاطر والمخدرات والعصابات.

لم يُستثنَ من ذلك الأطفال القصر غير المصحوبين بأهاليهم، إذ تجد فرنسا اليوم نفسها متهمة بسوء معاملتها لهذه الشريحة، خاصة عن طريق ترحيلهم بطريقة غير قانونية عبر الحدود الإيطالية، وهو ما يعكس القيم التي يتعامل بها البلد الذي طالما يحاضر عن حقوق الإنسان مع أكثر الفئات الإنسانية احتياجاً إلى الإحاطة.

اطردوهم إلى إيطاليا

لم تكتف فرنسا بهذا الإهمال في حق اللاجئين، بل إن الشرطة الفرنسية تُرحّل كل شهر عشرات الأطفال القصر إلى إيطاليا، في انتهاك للقانونين الفرنسي والدولي. لتبرير عمليات الطرد هذه، تُخل الشرطة في كثير من الأحيان أعمار أو تواريخ ميلاد مختلفة عن تلك التي أعلنها الأطفال على وثائق رسمية. كما رحلت السلطات بإجراءات موجزة بالغين، بمن فيهم عائلات لديها أطفال صغار، دون إخبارهم بحقهم في طلب اللجوء في فرنسا.

تعقيباً على ذلك يؤكد مدير منظمة هيومن رايتس ووتش أنه "ليس لشرطة الحدود الفرنسية سلطة قانونية لتحديد من هو قاصر ومن ليس قاصراً، وبدلاً من إصدار أحكام متسرعة على أساس المظاهر يجب عليها إحالة هؤلاء الشباب إلى سلطات رعاية الأطفال حتى يتلقوا الرعاية المناسبة". في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2020، قابلت المنظمة ستة أطفال غير مصحوبين بذويهم عادوا إلى إيطاليا وقالوا للشرطة الفرنسية إنهم تحت سن 18. في كل حالة من هذه الحالات، على الرغم من أن الأطفال أشاروا إلى سنهم، وقدموا وثائق هوية، حجبت السلطات الفرنسية تواريخ الميلاد التي تشير إلى أنهم وصلوا إلى سن الرشد.

كما قابلت هيومن رايتس ووتش 27 بالغاً طُردوا بإجراءات موجزة من فرنسا. لم تُبلغ السلطات الفرنسية أياً من الأطفال أو البالغين الذين جرت مقابلتهم بإمكانية تقديمهم طلب اللجوء في فرنسا.

بين نوفمبر/تشرين الثاني 2020 وأبريل/نيسان 2021، أجرت المنظمة مقابلات شخصية وعن بُعد مع متطوعين وعمال إغاثة ومحامين وآخرين يعملون على جانبي الحدود الفرنسية الإيطالية، حيث تجري العديد من عمليات الطرد هذه عند نقطة الحدود الواقعة بين مينتون، وهي بلدة فرنسية على بعد حوالي 30 كيلومتراً من نيس، وفنتيميليا، وهي بلدة إيطالية على ساحل البحر الأبيض المتوسط. ترافق الشرطة الأطفال والبالغين الذين يُعتقد أنهم دخلوا فرنسا بشكل غير قانوني إلى نقطة الحدود الفرنسية وتأمرهم بالدخول إلى إيطاليا.

وعندما يتوقف مسؤولو الحدود الإيطاليون عن قبول اللاجئين الذين جرى رفض دخولهم إلى فرنسا، تنقل السلطات الفرنسية المعتقلين إلى نقطة الحدود "سانت لويس"، حيث يجري احتجازهم طوال الليل. يجري وضع الذكور البالغين في "وحدات معيارية" مسبقة الصنع، هياكل مؤقتة بحجم الحاويات.

شكوى أممية

بناء على مثل تقارير هيومن رايتس ووتش، تأتي طلبات عدة منظمات مدنية فرنسية وأوروبية للأمم المتحدة بفتح تحقيق بشأن معاملة القصر الأجانب غير المصحوبين بذويهم في فرنسا، حيث تتهم السلطات بـ"انتهاكات جسيمة وممنهجة".

وذكرت منظمة "يوتوبيا 56" (Utopia 56)، وهي إحدى الجمعيات التي تدعم هذا الإجراء، أن الإدارات الفرنسية تنتهك بشكل ممنهج حقوق الأطفال القصّر الوافدين إلى البلاد دون ذويهم.

وقالت مديرة "يوتوبيا 56" مايل دي مارسيلوس إن فرنسا لا تقوم بمسؤولياتها تجاه الأطفال القصّر، وإن الإدارة الفرنسية تترك الأطفال القصر الأجانب في الشوارع دون الرعاية اللازمة.

وتطالب الجمعيات اللجنة الأممية لحقوق الطفل بفتح "تحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها فرنسا، وهي دولة موقعة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل".

ويعاني العديد من المراهقين الأجانب الذين يصلون كل عام إلى فرنسا من "إنكار الأقلية"، حسب هذه الجمعيات.

ووفق الجمعيات فإنه غالباً ما يجري الإعلان أنهم بلغوا سن الرشد، وبالتالي لا تشملهم قوانين حماية الطفل.

ودانت "يوتوبيا 56" في بيانها "الافتقار إلى الموارد المالية والبشرية والمادية التي تخصصها الدولة للإدارات" و"غياب سلطة وطنية فعالة للرقابة أو التنسيق" في هذا المجال.

إهمال من الدولة

بالعودة إلى ساحة تروكاديرو في باريس، أصبح الأطفال اللاجئون منتشرين بها أكثر من أي وقت مضى، حيث تنتشر تجارة المخدرات ومشتقاتها، والتي تستهدفهم في غياب رعاية وإحاطة الدولة.

في الآونة الأخيرة، اتهمت الشرطة الفرنسية اللاجئين القصر غير المصحوبين بذويهم بالعديد من السرقات وعمليات السطو، ففي الربع الأخير من عام 2020 احتجز مركز شرطة الدائرة 16 في باريس حوالي 400 طفل رغم الحجر الشامل بسبب كورونا.

يتكرر المشهد كل يوم، أطفال منتشرون في الساحة، ينامون ويعيشون هناك، يأتي طاقم من ثلاثة ضباط شرطة لإيقاظهم من نومهم وطردهم. ومثل كل صباح، يكافح هؤلاء القصر لفتح أعينهم، والنهوض بصمت، والتقاط أنفسهم ويختفون دون كلمة.

ووسط غياب أي تأطير أو مسؤولية من الدولة، يقضي الأطفال القصر أيامهم في ابتلاع حبوب المخدرات، دون أمل في حياة جديدة، ودون أي إجراء واقعي تجاههم وسط هذه المتاهة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً