الرئيس التركي يدعو لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين بلاده والاتحاد الأوروبي بالتزامن مع خطوات عملية تتخذها أنقرة في هذا الاتجاه (AA)

على الرغم من الروابط الوثيقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي على الصُعد التاريخية والجغرافية والثقافية فإن العلاقات بين الجانبين لم تكن في أفضل أحوالها خلال الفترة الأخيرة، بسبب قضايا خلافية خلّفت فتوراً وصل أحياناً إلى درجة التوتر الواضح بين أنقرة وبروكسل.

وكانت القضية القبرصية والخلافات شرقي البحر المتوسط وتوتر العلاقات مع فرنسا من أبرز الملفات التي تسببت مؤخراً في تصعيد متبادل لدى الجانبين التركي والأوروبي، إلا أن الأيام الأخيرة شهدت مؤشرات على إمكانية عودة المياه إلى مجاريها وتقارب محتمل عبّر عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن بلاده ترغب في فتح "صفحة جديدة" مع أوروبا.

ولم يقتصر الأمر فقط على تصريحات أردوغان وغيره من المسؤولين الأتراك، بل قوبلت بشكل إيجابي من المسؤولين الأوروبيين الذين أعربوا بدورهم عن استعدادهم للانخراط في نقاش جاد وبنّاء مع أنقرة.

وأجمل الصحفي التركي راغب صويلو الخطوات الأخرى التي اتخذها الجانب التركي تعبيراً عن حسن النوايا، في نقاطٍ أهمها "وقف الأبحاث السيزمية شرقي البحر المتوسط، واقتراح خارطة طريق لتهدئة التوتر مع فرنسا، والانخراط في لقاءات واجتماعات مع المسؤولين الأوروبيين".

صفحة جديدة

لدى استقباله سفراء دول الاتحاد الأوروبي الثلاثاء في المجمع الرئاسي بأنقرة، جدد الرئيس التركي دعوة أطلقها قبل أيام لفتح "صفحة جديدة" مع الاتحاد، وناشد السفراء بدعم ذلك التوجه نحو تحسين العلاقات التركية-الأوروبية، سواءً على مستوى الاتحاد وعلى صعيد الدول منفردة.

وأعرب أردوغان عن رغبة بلاده في إعادة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي إلى مسارها وفق رؤية طويلة الأمد، مصرِّحاً بأن "من الممكن تحويل 2021 إلى عام النجاحات في العلاقات التركية-الأوروبية" على خلاف عام 2020 الذي لم يكن على مستوى طموح الجانبين، بسبب مشكلات كان معظمها مصطنع، نظراً إلى أن "بعض دول الاتحاد الأوروبي سعت لنقل مشاكلها الخاصة مع تركيا إلى أروقة التكتل".

وأضاف: "استغلت تلك الدول مفهوم التضامن داخل الاتحاد لتلحق ضرراً بالعلاقات القائمة بين أنقرة وبروكسل، وهذا الموقف يخل بعلاقاتنا الثنائية ويضعف طموح الاتحاد في التحول إلى قوة إقليمية ودولية".

وأكد الرئيس التركي أن بلاده ترغب بصدق في إحلال السلام والاستقرار في منطقة شرقي البحر المتوسط، لافتاً إلى أن جميع مشروعات الطاقة التي أقدمت عليها تركيا حتى الآن ساهمت في توفير أمن الطاقة للاتحاد الأوروبي.

خيار استراتيجي ومستقبل مشترك

وفي إطار "الصفحة الجديدة" التي دعا أردوغان لفتحها مع الاتحاد الأوروبي، شدد الرئيس التركي على أن شعبه لا يزال يرى مستقبله مع أوروبا، وأن بلاده لا تزال راغبة في الانضمام إلى الاتحاد، على الرغم من المفاوضات المتعثرة منذ سنوات وتعنُّت بعض الأطراف داخل الاتحاد الأوروبي لعدم رغبتهم في انضمام تركيا.

وفي هذا الصدد أكّد أردوغان أنه "إضافة إلى أن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي كان خياراً استراتيجياً لبلادنا منذ 60 عاماً، فإن الموافقة على هذا الانضمام ستكون خياراً وجودياً بالنسبة لمستقبل الاتحاد".

الفكرة نفسها أكّدها وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو الذي صرّح خلال اجتماع جمعه بالسفراء الأوروبيين بأن بلاده ترى مستقبلها في أوروبا وترغب في بناء مستقبل تركي-أوروبي مشترك.

وأشار جاوش أوغلو إلى أن "أنقرة لعبت دوراً مهماً خلال سنوات الحرب الباردة وأزمة الهجرة، وإذا كان الاتحاد الأوروبي اليوم عبارة عن مشروع رفاهية فإن لتركيا دوراً مهماً في ذلك".

وتابع: "خلال الفترة الماضية تضاعفت العلاقات التجارية والاقتصادية والفنية والثقافية والتعليمية والعلمية بين الجانبين، وأصبحنا الآن في وضعية لا يمكننا استغناء بعضنا عن بعض".

حوار بنّاء

وفي مقابل التصريحات التركية الإيجابية الداعية لبدء مرحلة جديدة قائمة على الحوار والتعاون المشترك في العلاقات بين أنقرة وبروكسل، أدلى مسؤولون أوروبيون كذلك بتصريحات مبشِّرة حول "رغبة الاتحاد الأوروبي في حوار بنَّاءٍ مع تركيا على أساس التعاون الثنائي".

وأكّد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي بيتر ستانو تعليقاً على اجتماع بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بأردوغان، أن الاجتماع يأتي في إطار الجهود المبذولة في اتجاه هذا الحوار البناء.

بدورها كتبت فون دير لاين عبر حسابها على تويتر أنها أجرت "لقاء جيداً مع الرئيس التركي أردوغان، لبحث تطورات جائحة كورونا والانتعاش الاقتصادي والعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا".

وأعاد ممثل الاتحاد الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل نشر تغريدة فون دير لاين، معلقاً عليها بالقول: "إننا مستعدون للحوار مع تركيا، ونتطلع إلى استقبال الوزير جاوش أوغلو قريباً في بروكسل لاستئناف مباحثاتنا التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول الماضي".

خطوات عملية

وفي أولى الخطوات العملية التي اتخذتها تركيا لتعزيز التوجه الجديد في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أعلنت وزارة الخارجية التركية الاثنين أن إسطنبول ستستضيف في 25 يناير/كانون الثاني الجاري أعمال الجولة الـ61 من المحادثات الاستكشافية بين تركيا واليونان بعد توقفها قبل نحو 5 أعوام، بهدف نقاش الخلافات المتعلقة بالتنقيب عن الموارد الطبيعية شرقي البحر المتوسط تلبية لدعوة الوزير جاوش أوغلو.

وانطلقت الجولة الأولى من المحادثات الاستكشافية بين البلدين عام 2002 من أجل تحضير أرضية لحل "عادل ودائم وشامل" يقبله الطرفان للخلافات حول بحر إيجة، وانعقدت آخر جولة منها (رقم 60) في 1 مارس/آذار 2016 في أثينا.

وتعقيباً على ذلك قال متحدث الاتحاد ستانو إن "المحادثات بين تركيا واليونان هي في الوقت ذاته جزء من العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي"، مؤكداً أن "استئناف المحادثات أمر ينتظره الاتحاد الأوروبي، ونتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تعزيز الجهود لتطوير مسار إيجابي في علاقاتنا".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً