مع تزايد انتشار فيروس كورونا في مصر وفشل السلطات في مقاومة انتشاره، تشنّ أجهزة الأمن في نظام السيسي حملة ممنهجة ضد الأطباء والعاملين في المجال الصحي والصحفيين، تشمل الاعتقال والترهيب والفصل، في محاولة لإسكات كل صوت انتقادي.

كانت حكومة السيسي منذ الانقلاب العسكري عام 2013 تُسكِت المعارضة وتسجن المعارضين لتتوسع الحملة الآن وتشمل أطباء
كانت حكومة السيسي منذ الانقلاب العسكري عام 2013 تُسكِت المعارضة وتسجن المعارضين لتتوسع الحملة الآن وتشمل أطباء (AP)

يوماً بعد يوم يتزايد انتشار فيروس كورونا في مصر التي يبلغ عدد سكانها قرابة 100 مليون نسمة، ويهدد بإرباك مستشفيات البلاد، إذ سجلت وزارة الصحة المصرية ما يزيد على 76 ألف إصابة، بينها 3343 وفاة، وهو أعلى عدد للوفيات في العالم العربي.

وفي الوقت الذي تكافح فيه السلطات المصرية تفشي الفيروس بصعوبة، تمارس الأجهزة الأمنية في المقابل الخنق والتضييق على كل من ينتقد تعامل حكومة عبد الفتاح السيسي مع الأزمة الصحية.

إذ تقول منظمات حقوقية إن عشرات الأطباء والعاملين في المجال الصحي والصحفيين اعتُقلوا أو ضُيّق عليهم منذ بداية ظهور الفيروس في مصر في فبراير/شباط الماضي.

الصمت أو العقاب

اعتقلت الأجهزة الأمنية المصرية طبيباً بعد أن كتب مقالاً حول النظام الصحي الهش في مصر، وداهمت منزل صحفي واعتقلته بعد أن أجرى تحقيقاً عن الفيروس، فيما فُصل صيدلي من عمله بعد كتابته حول نقص معدات الحماية من الفيروس على الإنترنت.

وأُلقي القبض على طبيبة حامل بعد أن استخدم زميلها هاتفها للإبلاغ عن حالة مشتبه في إصابتها بالفيروس، فيما يقول عاملون في المجال الصحي إن رؤساءهم حذّروهم: "إما التزام الهدوء وإما العقاب".

من جهة أخرى فرّ أحد المراسلين الأجانب من البلاد خوفاً من الاعتقال، وأُنّب اثنان آخران بسبب "الانتهاكات المهنية"، حسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس.

في هذا الصدد قال طبيب في القاهرة، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام مثل جميع الأطباء الذين قابلتهم أسوشيتد برس: "كل يوم أذهب إلى العمل، أضحي بنفسي وأسرتي بأكملها. اعتقلوا زملائي لإرسال رسالة إلينا. لا أرى ضوءاً في الأفق".

وقالت السلطات إنها وفّرت إمدادات طبية للاستعداد لمزيد من المرضى، في الوقت الذي أقام فيه الجيش المصري مستشفيات ميدانية بسعة 4000 سرير، ووسع نطاق الاختبارات، وأمر شركاتٍ بإنتاج أقنعة وجه وإمدادات أخرى.

وكانت حكومة السيسي منذ الانقلاب العسكري عام 2013، تُسكِت المعارضة، وتسجن معارضين سياسيين إسلاميين ونشطاء علمانيين وصحفيين، لتتوسع الحملة الآن لتشمل أطباء يتحدثون عن ظروف عملهم.

يعاني العاملون في المجال الصحي في مصر من نقص المعدات، فيما يقول أطباء إنهم مُجبَرون على شراء أقنعة بأجورهم الضئيلة
يعاني العاملون في المجال الصحي في مصر من نقص المعدات، فيما يقول أطباء إنهم مُجبَرون على شراء أقنعة بأجورهم الضئيلة (AP)

حملة ممنهجة

يدقّ العاملون في المجال الصحي ناقوس الخطر على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يقول أطباء إنهم مُجبَرون على شراء أقنعة بأجورهم الضئيلة، فيما تتوسل عائلات للحصول على أسرّة العناية المركَّزة.

ودفع الوباء نقابة الأطباء المصرية إلى لعب دور جديد كمدافع وحيد عن حقوق الأطباء، إذ أصدرت النقابة الشهر الماضي رسالة إلى النائب العام تطالبه فيها بالإفراج عن خمسة أطباء محتجزين لإبداء آرائهم حول التعامل مع الفيروس.

وأُودِعَ محمد الفوال، عضو آخر في النقابة، السجن الأسبوع الماضي، بعد أن طالب على الإنترنت رئيس الوزراء بالاعتذار عن التعليقات التي يبدو أنها تلوم العاملين الصحيين على ارتفاع عدد الوفيات.

ورد أطباء غاضبون قائلين إنهم أقلّ في التدريب وفي الأجور، ويكافحون من أجل إنقاذ المرضى، إذ توُفّي حتى الآن 117 طبيباً و 39 ممرضة و 32 صيدلياً جراء الفيروس، كما أصيب آلاف، وفقاً لإحصاءات النقابة.

وأفادت منى مينا، القيادية السابقة في نقابة الأطباء، بأن قوات الأمن ألغت مؤتمراً صحفياً نقابياً كان الهدف منه الرد على تعليقات رئيس الوزراء ومناقشة نقص الإمدادات.

من جهته قال عمرو مجدي، الباحث في منظمة هيومن رايتس ووتش الذي أكّد اعتقال ثمانية أطباء وصيدليين اثنين: "هؤلاء الأطباء ليس لديهم تاريخ من النشاط، لقد اعتُقلوا لأنهم انتقدوا ظروفهم المهنية الخاصة للغاية. أُفرِجَ عن اثنين، ولا يزال الباقون رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة".

الوباء سلاح السيسي الأخير ضدّ الصحافة في مصر

جيسون ويزيان - صحيفة واشنطن بوست الأمريكية

قصص ترهيب الأطباء

في إحدى الحالات اقتحم رجال الأمن منزل طبيب العيون هاني بكر شمالي القاهرة، وفقاً لمحاميه ومنظمة العفو الدولية، بعد أن انتقد على صفحته في فيسبوك الحكومة لإرسالها مساعدات إلى إيطاليا والصين فيما يفتقر الأطباء المصريون إلى المعدات.

واتهمت النيابة العامة في مارس/آذار الماضي الطبيبة آلاء شعبان حميدة بالإرهاب، بعد أن سمحت لزميلها بالاتصال بالخط الساخن المخصص للإبلاغ عن حالات فيروس كورونا من هاتفها، بدلاً من إبلاغ مديريها بالقضية أولاً، وفقاً لمنظمة العفو الدولية.

ويقول أطباء في ثلاث محافظات مصرية إن مديريهم هددوهم بالإبلاغ عنهم إذا ما أعربوا علناً عن إحباطهم تجاه السلطات أو لم يذهبوا إلى العمل.

وفي تسجيل صوتي مسرَّب، أمكن سماع مسؤول صحي في إحدى مقاطعات دلتا النيل يقول: "حتى لو كان الطبيب يموت، عليه الاستمرار في العمل... وإلا فسيتعرض لأشدّ العقوبات"، حسب وكالة أسوشيتد برس.

وأرسل طبيب في القاهرة رسائل عبر تطبيق واتساب من مديره، ينبه فيها الأطباء محذراً من أن حضورهم إلى العمل يخضع لمراقبة أمن الدولة، حسب وكالة أسوشيتد برس.

وفي مستشفيين آخرين في العاصمة، سحب أطباء خطابات استقالة جماعية بسبب ظروف العمل خوفاً من الانتقام.

هدد الوباء اقتصاد مصر الهشّ خصوصاً بعد أن اختفت عائدات السياحة المهمة مع إغلاق الحدود وتعطل الحركة الجوية
هدد الوباء اقتصاد مصر الهشّ خصوصاً بعد أن اختفت عائدات السياحة المهمة مع إغلاق الحدود وتعطل الحركة الجوية (Reuters)

سلطات "حساسة" تجاه النقد

يقول محللون إن الحكومة المصرية أصبحت أكثر قلقاً بعدما أظهر الوباء حقيقة قدراتها وهدد اقتصادها، خصوصاً بعد أن اختفت عائدات السياحة المهمة في مصر، مع إغلاق الحدود وتعطل الحركة الجوية.

ففي الأسبوع الماضي، وخوفاً من مزيد من التداعيات الاقتصادية، أعادت الحكومة فتح جزء كبير من الفاعليات المجتمعية، ورحبت بمئات السياح الدوليين في المنتجعات، حتى مع تجاوز عدد الوفيات 80 حالة يومياً.

في هذا الصدد قالت إيمي هوثورن، الخبيرة في الشؤون المصرية بمشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط: "بسبب اهتمام مصر المستمر بصورتها كمكان مفتوح للسياحة، والأعمال، والاستثمار، تبدو السلطات حساسة بشكل خاص تجاه وجهات النظر المتباينة خلال الوباء".

لهذا تواصل الحكومة حملتها على العمل الصحفي في البلاد، إذ قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن 15 شخصاً على الأقل اعتُقلوا بدعوى بثهم "أنباء كاذبة" عن الوباء.

ولا يزال أربعة صحفيين مصريين تحدثوا عن معلومات حول تفشي المرض في السجن، وفقاً لـلجنة حماية الصحفيين، التي صنفت مصر ضمن أسوأ الدول في معاملة الصحفيين.

ففي مارس/آذار الماضي، طردت مصر مراسل صحيفة الغارديان، الذي استشهد بتقرير اعترض على العدد الرسمي للمصابين والوفيات، فيما استدعت الهيئة العامة للاستعلامات مراسلَين لصحيفتَي واشنطن بوست ونيويورك تايمز بسبب تغطيتهما خلال الوباء.

وقال أحد المدافعين عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط في الأمم المتحدة، بشرط عدم الكشف عن اسمه: "على الرغم من تزايد انتهاكات حقوق الإنسان، فإن المجتمع الدولي يعتبر مصر حصناً ضد عدم الاستقرار الإقليمي".

وأضاف: "لا شهية للتصدي لما يجري في مصر، ناهيك بمعاقبتهم بأي شكل من الأشكال على ما تفعله الحكومة حيال شعبها"، حسب ما نقلته عنه وكالة أسوشيتد برس.

في هذا الصدد قال جيسون ويزيان في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، إن "الوباء يُعد سلاح السيسي الأخير ضد الصحافة في مصر"، مضيفاً أن الوباء جعل العمل الصحفي أمراً أكثر خطورة من خطورته السابقة، منذ بداية حكم السيسي.

المصدر: TRT عربي - وكالات