أثارت تصريحات الرئيس التونسي حول شرعية حكومة الوفاق ودور القبائل في ليبيا جدلاً واسعاً، خصوصاً أنها بدت مفاجئة، ما دفع البعض إلى القول إنها ربما تمثّل تحولاً في الموقف التونسي مما يجري بليبيا، إلا أن تحفُّظ تونس على بيان الجامعة العربية قد ينفي ذلك.

تصريحات سعيّد تناقض النهج التونسي الذي حافظ على الحياد طيلة الأزم الأزمة الليبية، واستمر ولا يزال في دعم حكومة الوفاق المعترف بها دولياً
تصريحات سعيّد تناقض النهج التونسي الذي حافظ على الحياد طيلة الأزم الأزمة الليبية، واستمر ولا يزال في دعم حكومة الوفاق المعترف بها دولياً (Reuters)

من فرنسا وفي تصريحات مفاجئة، خرج الرئيس التونسي قيس سعيّد الثلاثاء، ليقول إن شرعية حكومة الوفاق الوطني في طرابلس هي شرعية دولية "مؤقتة" و"لا يمكن أن تستمر"، مضيفاً أنه "يجب أن تحل محلها شرعية جديدة تنبع من إرادة الشعب الليبي".

وفي الوقت الذي حافظت فيه تونس الجارة الغربية لليبيا على الحياد طيلة الأزمة، واستمرت ولا تزال في دعم حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، تبدو تصريحات سعيّد هذه وكأنها نشاز خارج عن خطاب الدبلوماسية التونسية المعتاد.

شرعية جديدة؟

على هامش زيارته إلى فرنسا التي تعدّ أول رحلة إلى أوروبا منذ انتخابه، أعلن سعيّد صيغة للوصول إلى ما سمَّاه "شرعية جديدة" تتجاوز شرعية حكومة الوفاق "المؤقتة التي لا يمكن أن تكون دائمة"، مقترحاً إطلاق مبادرة ليبية داخلية يكون أولى أهدافها وضع دستور مؤقت لفترة انتقالية.

وشدّد الرئيس التونسي في حوار مع شبكة فرانس 24 الحكومية، على رفض كل تدخل خارجي في ليبيا، قائلاً: "أرفض أي تدخُّل في هذا البلد من أي طرف كان"، مؤكداً في الآن ذاته أن بلاده تعدّ أكثر دولة تضرراً مما يجري في الجارة الشرقية.

ما زاد من حدة تصريحات سعيّد تشبيهه الوضع الليبي بالمسألة الأفغانية، إذ إنه وخلال حديثه عن صياغة دستور ليبي جديد قال إنه يجب أن يكون على غرار الدستور الذي وُضع في أفغانستان، متناسياً وجود مسودة دستور ليبي بالفعل تنتظر أن يُجرى استفتاء حولها.

في هذا الصدد، قال عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي إبراهيم البابا إن تصريحات سعيّد بشأن المسار الدستوري "ربما نتجت عن عدم اطلاع كافٍ على المسار التأسيسي للدولة الليبية"، حسب ما نقله عنه موقع عربي 21.

وأضاف: "نحن الآن في آخر مرحلة لاعتماده دستوراً دائماً لليبيا تنبثق من مؤسسات تنفيذية وتشريعية دائمة"، مشيراً إلى أن "الابتعاد عن هذا المسار سواء من الداخل أو الخارج هو ضرب للاستقرار في ليبيا".

من جهته، قال الكاتب الصحفي وائل قنديل إن "قيس سعيد الموجود في فرنسا بدا ضد قيس سعيد حين كان في تونس، وتحديداً في أبريل/نيسان الماضي، حين أعلن بوضوح أن تونس متمسّكة بالشرعية الدولية، ممثلة في حكومة الوفاق".

وأضاف قنديل أن سعيّد قال حينها "حسب بيان رئاسي رسمي، خلال اتصال هاتفي أجراه مع رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية فائز السراج، إن موقف بلاده واضح من مسألة دعم حكومة الوفاق الوطني الليبية الشرعية، وإن أي تصريح يخالف ذلك لا يعبر عن الموقف الرسمي لبلاده".

وتابع: "يوجد تناقض منطقي فادح، إذ كيف يكون الحل للخروج من وضع مؤقت هو الذهاب إلى وضع مؤقت جديد؟ كيف يمكن أن يكون إنهاء مرحلة انتقالية وضع معالمها اتفاق الصخيرات ومؤتمر برلين، بالقفز إلى مرحلة انتقالية جديدة؟ هذه الرؤية المشوشة بهذه اللغة المشوشة لا بد أن مبعثها موقف مشوش مما يجري في ليبيا".

دور القبائل

بعد عدد من اللقاءات السابقة التي أجراها سعيّد مع زعماء عدد من القبائل الليبية، عاد هذه المرة ليؤكد من باريس دور القبائل في إمكانية التوصل إلى حل سياسي في البلاد، قائلاً إنه من المهم الاعتماد عليها في حل الأزمة.

وقال سعيد خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنه سبق وتباحث مع ممثلي ما يفوق 30 قبيلة ليبية مسألة صياغة دستور جديد للبلاد، مضيفاً: "لماذا لا تضع هذه القبائل دستوراً لليبيا، على غرار الدستور الذي وُضع في أفغانستان من قبل زعماء القبائل. وتكون محطة انتقالية وغير نهائية، ننتقل منها إلى السلم الذي يقرره الليبيون أنفسهم من دون تدخُّل أي جهة خارجية".

في هذا الصدد، قال إبراهيم البابا إن مثال النموذج الأفغاني الذي اقترحه سعيّد "غير قابل للتطبيق في ليبيا، بل لا يمكن أن تدار به أي دولة بطريقة ناجحة".

من جهته، قال مبعوث رئيس حكومة الوفاق إلى بلدان المغرب العربي جمعة القماطي إن "حديث سعيّد عن أن الحل في ليبيا يكمن في القبائل على غرار النموذج الأفغاني، يعكس غياباً لفهم صحيح للمجتمع الليبي سياسياً وثقافياً واجتماعياً"، حسب ما نقلته صحيفة القدس العربي.

بدوره، قال وزير التخطيط الليبي السابق عيسى التويجر إن تصريحات سعيّد "تكشف عن جهل كبير بحقيقة الدولة الليبية وطبيعة الدور الذي تلعبه القبائل في الشأن السياسي".

هل تغيّر الموقف التونسي؟

في الوقت الذي بدا فيه لكثيرين أن تصريحات سعيّد ربما تمثّل تحولاً في الموقف التونسي مما يجري بليبيا، واقتراباً من وجهة النظر المصرية-الإماراتية، فإن تحفُّظ تونس على بيان الجامعة العربية قد ينفي ذلك.

فتونس كانت إلى جانب كل من ليبيا وقطر والصومال، من المتحفظين على عدد من البنود في قرار بشأن ليبيا صدر في ختام اجتماع لوزراء الخارجية العرب عبر تقنية الفيديو كونفرانس مساء الثلاثاء.

وتحفظت تونس على البند الثامن والجزء الأخير من البند السابع، إذ ينص البند الثامن بالخصوص على "الترحيب بإعلان القاهرة بشأن ليبيا الذي يرتكز على أن الحل في ليبيا يجب أن يستند إلى الاتفاق السياسي الليبي، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ومخرجات مؤتمر برلين والقمم والجهود الدولية الأممية السابقة"، وأن "من يريد لعب دور الوساطة يجب أن يكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف".

كما ينصّ الجزء الأخير من البند السابع على "المطالبة بسحب كل القوات الأجنبية الموجودة على الأراضي الليبية وداخل المياه الإقليمية الليبية، والتحذير من مغبة الاستمرار في العمل العسكري لتحريك الخطوط التي توجد عليها الأطراف حالياً تفادياً لتوسيع المواجهة".

المصدر: TRT عربي - وكالات