وسط أجواء إيجابية، انتهى مؤتمر السلام الأفغاني الذي عُقد في الدوحة برعاية قطرية-ألمانية للمرة الأولى بين فرقاء أفغان حضروا بصفاتهم الشخصية. وعلى الرغم من التفاؤل العام بمخرجات المؤتمر، دعت أصوات إلى الحذر لأسباب عدة، أهمها استمرار القتال.

المباحثات التي جرت للمرة الأولى بين ممثلين عن الأطراف الأفغانية المختلفة تمخضت عن الاتفاق على
المباحثات التي جرت للمرة الأولى بين ممثلين عن الأطراف الأفغانية المختلفة تمخضت عن الاتفاق على "خارطة طريق للسلام" وسادتها أجواء إيجابية (Reuters)

انتهت أعمال مؤتمر السلام الأفغاني الذي عُقد يومي الأحد والاثنين في الدوحة برعاية قطرية وألمانية، بأجواء يسودها تفاؤل المنظمين وممثلي الأطراف الأفغانية المشاركة.

قالت وزارة الخارجية القطرية في بيان نُشِر الثلاثاء، إن الموفد القطري الخاص لمكافحة الإرهاب مطلق بن ماجد القحطاني أعلن نجاح محادثات السلام التي التقى فيها "أكثر من 60 أفغانياً يمثلون جميع أطياف المجتمع الأفغاني بمن فيهم النساء وطالبان وممثلون من الحكومة".

الدبلوماسي القطري أشار إلى أن تلك الأطراف اجتمعت بصفاتها الشخصية "لأول مرة لمناقشة سبل إنهاء الصراع في أفغانستان وتحقيق السلام فيه، إذ تناولوا على مدار يومين مجموعة واسعة من القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما فيها حقوق المرأة والأقليات ووقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الأسرى والسجناء وانسحاب القوات الأجنبية والمستقبل السياسي لأفغانستان".

القحطاني قال أيضاً في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية "لقد فوجئنا بجدّية الطرفين والتزامهما العمل على إنهاء هذا النزاع".

من جانبه اعتبر المبعوث الألماني إلى أفغانستان ماركوس بوتزل أن أهم ما ورد في البيان الختامي هو "النداء والوعد بالحدّ من العنف في أفغانستان".

وحسب البيان الختامي للاجتماعات، فإن المشاركين الذين اتفقوا مبدئياً على ما سمّوه "خارطة طريق السلام" تعهّدوا بـ"ضمان حقوق المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية، وفقاً للقيم الإسلامية".

وبلهجة لا تخلو من الحذر، قالت المديرة التنفيذية لشبكة النساء الأفغانيات ماري أكرمي، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن ما توصل إليه الطرفان "ليس اتفاقاً، بل أساس لبدء النقاش".

المباحثات مع واشنطن مستمرة

أتى اللقاء بين الأطراف الأفغانية بعد محادثات الجولة السابعة المباشرة بين طالبان والولايات المتحدة التي استمرت ستة أيام قبل أن تعلَّق بغية السماح بعقد الاجتماعات الأفغانية التي استمرت يومين.

وأكد المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان زلماي خليل زاد السبت، أن هذه الجولة من محادثات السلام هي "الأكثر إنتاجية"، موضحاً أنه "للمرة الأولى أحرزنا تقدُّماً في النقاط الأربع المهمة: الإرهاب وانسحاب القوات الأجنبية والمفاوضات الأفغانية الداخلية ووقف إطلاق النار".

في السياق نفسه أعرب المتحدث باسم طالبان في قطر سهيل شاهين عن ارتياح الحركة للمحادثات الجارية مع الولايات المتحدة. وكتب على تويتر "نحن مسرورون بالتقدم الذي أُحرز ونأمل في إنجاز العمل المتبقي".

ويفترض أن يتضمن الاتفاق بين واشنطن وطالبان نقطتين رئيسيتين هما الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وتعهُّد الحركة بعدم توفير قاعدة لجماعات إرهابية، وهو ما تؤكد الولايات المتحدة أنه أهم أسباب الاجتياح الأمريكي للبلاد قبل 18 عاماً.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال قضايا عدة عالقة، أهمها ملفات حقوق المرأة، وتشارك السلطة مع طالبان، ودور القوى الإقليمية بما في ذلك الهند وباكستان، ومستقبل حكومة أشرف غني.

دواعي الحذر

تزامنت مباحثات الأطراف الأفغانية مع استمرار الهجمات المسلحة التي كان آخرها تفجيراً نفّذته طالبان الأحد، بسيارة ملغومة أمام مجمع أمني حكومي في مدينة غزنة، شرقي البلاد، أسفر عن مقتل 14 شخصاً وإصابة 180 بينهم عشرات الأطفال.

وفي أول رد فعل قال مسؤول كبير بالحكومة الأفغانية يشارك في المحادثات إنه "من الصعب الجلوس قبالة هؤلاء الأشخاص الذين يشنون حرباً على الأفغان الأبرياء، لكن الأمر يشكّل اختباراً أيضاً لالتزامنا خيار السلام".

في هذا الصدد نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية قبل أيام من بدء المحادثات الأفغانية الداخلية، تقريراً تحذّر كاتبته الباحثة آشلي جاكسون من الإفراط في التفاؤل بأن تصريحات الأطراف المتصارعة قد تشي بإمكانية إحلال سلام دائم في أفغانستان التي فتّتَتها حرب مستمرة لـ18 عاماً.

وترى جاكسون أن واشنطن التي تريد الانسحاب من الساحة الأفغانية في أقرب وقت، اتبعت استراتيجية خاطئة عندما ظنّت أن تكثيف الهجمات والغارات الجوية على مقاتلي طالبان، الذين باتوا يسيطرون على مساحات شاسعة من البلاد، سيصبح بمثابة ورقة ضغط تجبر الحركة الأفغانية على تقديم تنازلات في المفاوضات، لا سيما في ما يتعلق برفضها التفاوض المباشر مع الحكومة.

وتتابع الباحثة بأن ما حدث كان النقيض تماماً، إذ أصبحت هدنات وقف إطلاق النار المطلوبة كلما زادت وتيرة القتال، ورقة للتفاوض في يد طالبان، فضلاً عن أن الهجمات الأمريكية زادت حنق الأفغان الذين يعيشون في مناطق سيطرة طالبان.

وتستبعد جاكسون أن يتوقف القتال في حال نجاح أو فشل المباحثات بين واشنطن وطالبان. ففي الحالة الأولى المشروط وقوعها بانسحاب القوات الأمريكية، ترجّح الباحثة أن تتوسع طالبان على حساب القوات الحكومية الضعيفة. أمّا في حالة فشل المحادثات فتقول إن الوضع سيزداد احتقاناً وترتفع وتيرة القتال.

وتشهد أفغانستان حرباً ممتدة لـ18 عاماً منذ الاجتياح الأمريكي لها في 2001، عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول من العام نفسه، ونزع السلطة من طالبان التي حكمت البلاد في الفترة منذ 1996 وحتى تاريخ الاجتياح الأمريكي.

وخلال عام 2018 فقط، تقول الأمم المتحدة إن 3804 مدنيين لقوا حتفهم بينهم أكثر من 900 طفل، كما أصيب سبعة آلاف آخرون في أفغانستان، ليصبح العام الماضي هو الأسوأ على المدنيين منذ اشتعال الحرب.

المصدر: TRT عربي