أشار اجتماع وزير الدفاع التركي برئيس الأركان الأميركي، إلى وجود نقاط اختلاف بين أنقرة وواشنطن فيما يخص مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من سوريا. وتشير التصريحات بعد نهاية زيارة بولتون السريعة لتركيا إلى عدم رضا تركيا عن التذبذب في الموقف الأميركي.

وزير الدفاع التركي خلوصي أكار ورئيس الأركان الأميركية المشتركة جوزيف دانفورد في أنقرة
وزير الدفاع التركي خلوصي أكار ورئيس الأركان الأميركية المشتركة جوزيف دانفورد في أنقرة (AA)

عقد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، اجتماعاً مع رئيس الأركان الأميركية المشتركة جوزيف دانفورد، الثلاثاء، تباحثا فيه حول مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من شمال سوريا.

الاجتماع الذي عقد في مقر وزارة الدفاع التركية في أنقرة، تناول بشكل رئيسٍ مكافحة التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيمات داعش، وYPG/PYD الامتداد السوري لتنظيم PKK، حسب بيان صدر عن وزارة الدفاع التركية.

ما المهم: جاء هذا الاجتماع بالتوازي مع زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إلى أنقرة، الثلاثاء، التقى فيها المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، وغادر مبكّراً دون لقاء الرئيس التركي.

الاجتماعات التركية الأميركية والمعلومات القليلة التي خرجت بعدها، تشي بعدم توصّل الطرفين إلى اتفاق شامل بخصوص مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي، إذ إن تركيا لها مطالب أساسية يمكن اختزالها في الجدول الزمني للانسحاب، والتوزيع الميداني وإعادة السيطرة على القواعد الأميركية التي ستيم إخلاؤها، وتنسيق سحب الأسلحة الأميركية من التنظيمات التي تعدها أنقرة إرهابية، في حين لا يزال الجانب الأميركي دون خطّة معلنة واضحة.

المشهد: شدّد خلوصي أكار خلال اللقاء الذي حضره رئيس الأركان التركي يشار غولار أيضاً، على ضرورة استكمال خارطة طريق منبج السورية سريعاً، وطرد تنظيم YPG من المنطقة في أقرب وقت.

وقال أكار إن القوات المسلحة التركية "ليست ضد الأشقاء الأكراد، بل تحارب إرهابيي داعش وYPG/PKK، الذين يشكلون تهديداً لجميع المكونات العرقية والدينية في المنطقة"، بحسب بيان وزارة الدفاع التركية.

وأكد أكار أن تركيا "عاقدة العزم على ضمان أمن حدودها واتخاذ جميع التدابير الكفيلة بتحقيق الاستقرار في المنطقة". وأشار البيان إلى أن أكار ودانفورد تبادلا وجهات النظر حول سحب الأسلحة المقدمة لتنظيم YPG/PYD الإرهابي.

من جهته، قال المتحدث باسم رئاسة الأركان الأميركية باتريك ريدر، إن دانفورد تناول في المباحثات مع الجانب التركي استكمال خارطة طريق منبج، وانسحاب القوات الأميركية من الأراضي السورية "بشكل منسّق ومدروس"، وأضاف أن دانفورد جدّد "التزام واشنطن بأمن تركيا"، دون أن يضيف أيّة تفاصيل أخرى حول اللقاء.

الخلفيات والدوافع: يبدو أن الجانبين التركي والأميركي لم يتوصلا بعد إلى اتفاق واضح حول مرحلة ما بعد الانسحاب، كما تشير تفاصيل لقاءات الثلاثاء إلى وجود نقاط خلاف بين أنقرة وواشنطن بعد تصريح بولتون في إسرائيل بأن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا مشروط بضمان "الدفاع عن حلفاء أميركا أولاً"، في إشارة إلى تنظيمYPG/PYD الذي تعده تركيا تنظيماً إرهابياً.

وعقب اجتماع بولتون بكالن، قال الأخير في مؤتمر صحفي منفرد، "يجب عدم السماح بأن يتسبب الانسحاب الأميركي في حدوث فراغات يتم ملؤها من قبل التنظيمات الإرهابية"، وأضاف "أبلغنا نظراءنا الأميركيين بضرورة عدم تأخير خارطة طريق منبج أكثر من ذلك".

من جهته، قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي عمر تشيليك إن "المسائل الأمنية لتركيا لا تتبع لأي مراوغة أو مماطلة أو مساومة، قد ندخل فجأة إلى هناك (شرق الفرات)"، في إشارة إلى وجود مماطلة أميركية.

وفي الوقت الذي يبدو فيه الأمريكان غير جاهزين بخطة واضحة، قدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من جهته، رؤية تركية لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي ترتكز على خطوتين أساسيتين؛ تأسيس قوة عسكرية "بمحاربين من كافة أطياف المجتمع السوري" التي لم تشارك في أعمال إرهابية، وتأسيس مجالس محلية منتخبة، تحت رقابة تركية، في شمال سوريا بعد الانسحاب الأميركي.

من جهة أخرى، طالبت أنقرة واشنطن مراراً بسحب جميع الأسلحة الأميركية التي أرسلتها إلى تنظيم YPG/PKK الإرهابي، إذ زودته الولايات المتحدة قبل عامين بكميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة عبر آلاف الشاحنات.

بين السطور: أشار الكاتب الصحفي التركي عبد القادر سيلفي، في مقال له بصحيفة حرييت، إلى أن هناك اختلافاً واضحاً في وجهات النظر التركية والأميركية، إذ إن الأمريكان زاروا أنقرة دون أن يقدموا خطة لما بعد الانسحاب، ويبدو أنهم ما زالوا لا يمتلكون خطة واضحة، كما أنهم لا ينوون تنفيذ انسحاب فوري.

ويضيف سيلفي أن النقطتين الأساسيتين للخلاف تكمنان في تنسيق توزيع القواعد العسكرية في منطقة شرق الفرات بعد الانسحاب الأميركي والبالغ عددها 16 قاعدة، والقواعد حسب توصيفه ستكون جزءاً مفصلياً في المفاوضات. كما أن الأمريكان وعدوا بخطة حول الطلب التركي بسحب الأسلحة من تنظيم YPG/PKK، وهي خطة لم تظهر حتى الآن، الأمر الذي يشكل مصدر قلق كبير لأنقرة.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية سمير صالحة إن هناك خلافاً بالفعل بين أنقرة وواشنطن يرتكز على عدد من النقاط. إذ "تصرّ تركيا على سحب السلاح الأميركي من تنظيم YPG/PKK فوراً، في حين تريد واشنطن تأجيل الأمر إلى حين انتهاء الحرب على داعش بشكل كامل. من جهة أخرى تريد واشنطن تسليم قواعدها بعد الانسحاب لتنظيم YPG/PKK الإرهابي، في حين تصرّ أنقرة على إلغاء القواعد بشكل نهائي، أو تسليمها إليها، لتسلم لاحقاً إلى قوى محلية سورية".

ويضيف صالحة في تصريح لـTRT عربي، أن موضوع منبج مهم أيضاً في توضيح الخلاف، "فالأمريكان يماطلون، وقدموا عدداً من التعهدات التي لم يفوا بها، في حين أن الأتراك جادّون بخصوص عمليتهم المرتقبة في بلدة منبج ومحيطها". هذا الأمر مرتبط أيضاً بالمنطقة العازلة المطروحة شرقيّ الفرات حسب قول صالحة، إذ إن "واشنطن تريد إنشاء منطقة عازلة في المنطقة دون أن تقدم تفاصيل أكثر، في حين يخشى الأتراك من أن تكون هذه المنطقة بمثابة حماية للتنظيمات التي تعدها إرهابية، وتصرّ على نقاش مهامّها ودورها وتفاصيل تنزيلها ميدانياً".

أما بخصوص الجدول الزمني للانسحاب الأميركي، فيشير صالحة إلى أن "الجانب الأميركي يحاول أن يماطل، ويعطي في كلّ مرة تواريخ متضاربة وغير دقيقة، والأتراك من جانبهم يشدّدون على ضرورة تحديد تاريخ معلوم للانسحاب". وهنا يختلف الجانبان أيضاً حول أهداف ما بعد الانسحاب، إذ "تريد واشنطن أن تستمر في أهدافها السابقة والمنحصرة في محاربة داعش، في حين يريد الأتراك إضافة تنظيم YPG/PKK الإرهابي ضمن الأهداف، وإبعاده عن المنطقة أيضاً".

وبحسب صالحة فإن التنسيق التركي الروسي، والتقارب التركي الإيراني هو ما يقف خلف كل هذه التفاصيل، فواشنطن "لا تنظر بعين الرضا إلى هذه التنسيقات، وتريد من أنقرة أن تطلعها على تفاصيلها، في حين ترى تركيا أن هذا الأمر يخصّها وحدها".

ويضيف صالحة أن إعلان وزير الخارجية التركي عن تواصل التحضيرات من أجل القمة الثلاثية (بين أردوغان وبوتين وروحاني) في روسيا، يزيد من تعميق المشهد. ويمثل هذا الإعلان الذي جاء بعد يوم فقط من زيارة بولتون، ردّ فعل تركي على الخلاف مع واشنطن.

المصدر: TRT عربي