جنود فرنسيون في أثناء اعتقالهم مواطنين جزائريين إبان حقبة الاحتلال (AFP Archive)

في فبراير/شباط عام 2017، كان السياسي الشابّ إيمانويل ماكرون الذي يخوض غمار الانتخابات الرئاسية لأول مرة يتجول في العاصمة الجزائر، عندما قرر أن يصدم كثيرين في فرنسا بوصفه استعمار بلاده للجزائر الذي استمر 132 عاماً بأنه "جريمة ضد الإنسانية".

كان التصريح الذي لقي ترحيباً هائلاً في الجزائر، بمثابة إعلان حرب على أحزاب اليمين التي كانت تنافسه في الانتخابات، بل أثار وقتها سخطاً لدى كثير من النخب الفرنسية، التي لا تتبنى هذه الرؤية.

لم يصمد ذلك التصريح كثيراً، فبعد أشهر من توليه منصب الرئاسة، وخلال زيارته الأولى للجزائر في ديسمبر/كانون الأول من ذات العام، قالت الرئاسة الفرنسية تمهيداً لوصوله، إن "الرئيس استخدم كلمات قوية نالت استحسان الجزائريين، لكن الفكرة اليوم هي طيّ الصفحة وبناء علاقات جديدة مع الجزائر".

كان التراجع السريع لماكرون الرئيس على حساب ماكرون المرشح مرتبطاً بعدة اعتبارات، أهمها الحسابات السياسية الداخلية والخارجية، وهو ربما ما يفسر التقرير الذي وضعه المؤرخ بنجامين ستورا على ذمة الرئيس، إذ يخلو من الاعتذار ويحثّ على "الأبعاد الرمزية"، وهو ما قد يطرح إشكالية حول جدية مصالحة الذاكرة بين الجزائر وفرنسا.

معالجة "رمزية" للماضي

تحت اسم "الذاكرة والحقيقة"، وضع المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا تقريره الذي كُلف إياه في يوليو/تموز 2020 لدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إذ يتضمن جملة من التوصيات تتعلق بكيفية معالجة ملف الذاكرة والاستعمار الفرنسي للجزائر، كما حدّد الخطوات اللازمة لعقد مصالحة تاريخية بين الشعبين الفرنسي والجزائري، دون أن يتضمن التقرير أي توصية بتقديم اعتذارات فرنسية رسمية عن جرائمها في الجزائر.
لم يتوقف الأمر عند عدم تضمين الاعتراف في التقرير، بل يصف ما حدث في الجزائر طوال سنوات الاستعمار بـ"الحرب"، كما وضع إطار تفعيله في 22 بنداً ذي طابع رمزي.

تقرير الذاكرة والحقيقة الذي أعده بنجامين ستورا (AFP)

أهم توصيات ستورا:

- إحياء فرنسا لثلاث مناسبات تذكارية متصلة بالجزائر، وهي التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في 19 مارس/آذار 1962، ومجازر 17 أكتوبر/تشرين الأول 1961 التي راح ضحيتها العمال الجزائريون في فرنسا، إضافة إلى إحياء اليوم التكريمي للحركي، وهم الجزائريون المتعاونون مع الجيش الفرنسي في الجزائر.

- إجراء مباحثات بين السلطات الفرنسية والجزائرية، بشأن إمكانية تسهيل زيارة هؤلاء المتعاونين مع الاحتلال (الحركى) وأبنائهم إلى الجزائر، إذ ترفض الجزائر منذ عقود عودتهم إلى البلاد.

- إنشاء هيئة مختصة تتولى جمع وتدوين شهادات "ضحايا هذه الحرب لإثبات مزيد من الحقائق وتحقيق المصالحة"، كما يقترح اعتراف الحكومة الفرنسية بمسؤوليتها عن اغتيال المحامي الشهيد علي بومنجل الذي قُتل عام 1957.

- مواصلة العمل المشترك الخاص بكشف حقيقة ملف التجارب النووية الفرنسية في الجزائر بين عامي 1960 و1966 ونتائجها، والآثار المترتبة عليها حتى الآن في مدن الصحراء الجزائرية، إضافة إلى معالجة مشتركة لقضية زرع الألغام على الحدود التونسية والمغربية.

- إنجاز تمثال للأمير عبد القادر في منفاه بمدينة أومبواز الفرنسية، التي بقي فيها بين عامي 1848 و1852، قبل أن يغادر إلى دمشق، بعد مقاومته الغزو الفرنسي للجزائر في منتصف القرن التاسع عشر، ويدشن هذا النصب التذكاري في يوليو/تموز 2022، بمناسبة الذكرى الستين لاستقلال الجزائر.

الأمير عبد القادر أحد أهمّ رموز الجزائر (Le Monde)

- إصدار "دليل المفقودين" الذين يُجهل مصيرهم حتى الآن، مناضلين جزائريين كانوا أو أوروبيين، اختطفهم البوليس الاستعماري في معركة الجزائر، لتسهيل عمل لجنة الباحثين لتحديد موقع قبور هؤلاء المختفين منذ ثورة التحرير الجزائرية.

- استمرار نشاط اللجنة المشتركة للخبراء العلميين الجزائريين والفرنسيين، المكلفة دراسة الرفات البشري لمقاتلين جزائريين في متحف الإنسان والتاريخ الطبيعي بباريس.

- إنشاء لجنة مؤرخين من البلدين لبحث موضوع استرجاع مدفع "بابا مرزوق" التاريخي المنصوب في مارسيليا، الذي تعود أهميته إلى كونه استخدمه في الجزائر حاكمها الباشا حسن، في القرن السابع عشر، لقصف قناصلة فرنسيين في البحر.

- تفعيل مجموعة عمل المشتركة مهمتها جرد الوثائق التي أخذتها فرنسا أو تركتها في الجزائر، وإنشاء قاعدة أرشيفية مشتركة بين البلدين، يمكن الوصول إليها بسهولة.

- إعادة إطلاق مشروع إنشاء متحف لتاريخ فرنسا والجزائر، في مدينة مونبلييه الفرنسية، بعد تجميده عام 2014. ونقل رفات المحامية والمناضلة جيزيل حليمي إلى مقبرة العظماء في بانثيون فرنسا، باعتبارها شخصية بارزة وقفت إلى جانب الشعب الجزائري وناضلت في سبيل استقلاله.

الذاكرة أمام حسابات السياسة

رغم مضيّ ستة عقود من نهايتها، ما زال موضوع الاستعمار الفرنسي يسمم علاقات باريس مع الجزائر، ويبدو أن الخروج من صراع الذاكرة هذا أضحى أكثر من أي وقت مضى ضرورة سياسية، كونه “يطمس رسالة فرنسا إلى منطقة المغرب العربي ويضرّ بالتماسك الوطني، ولا سيما اندماج أبناء المهاجرين والحركيين” حسب صحيفة لوموند الفرنسية.

إيمانويل ماكرون، أول رئيس فرنسي يولد بعد استقلال الجزائر، أظهر رغبة كبيرة في تحريك الأمور، من خلال تكليفه المؤرخ الفرنسي المعروف بنجامين ستورا إعداد تقرير حول “قضايا الذاكرة المتعلقة بالاستعمار وحرب الجزائر”، التي ما زالت حلقة مؤلمة في ذاكرة ملايين العائلات في كل من الجزائر وفرنسا.

لكن ستورا تصفه لومند بأنه “حذر وطموح” في الوقت نفسه: “حذرٌ لأنه يتجاهل قضية التّوبة والاعتذار التي ما زالت تسمّم النقاش، من أجل التركيز على الاعتراف بأحداث معينة. وطموحٌ لأنه يقترح إعادة بعض الأرشيفات إلى الجزائر، لتسليط الضوء على اغتيالات الأوروبيين في وهران في يوليو/تموز عام 1962، والتعرف بشكل منهجي على أولئك الذين اختفوا من الجانبين خلال الحرب، والعمل مع الجزائريين بشأن موضوع التلوث الذي أعقب التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء حتى عام 1966”.

بنجامين ستورا يقدّم للرئيس الفرنسي تقريره حول احتلال فرنسا للجزائر (AFP)

الصحيفة الفرنسية تعتبر أن ماكرون رغم كل شيء سيبذل قصارى جهده لنقل الزخم الذي أعطته مقترحات ستورا وتنفيذها، والسبب الرئيسي هو خلوّ ضغطه على جيش بلاده لفتح الأرشيف، وهو ما يجعل تقرير المؤرخ مجرد بالون اختبار، وفق الصحيفة الفرنسية التي اعتبرت أنه من المسلَّم به أن المهمة تبدو صعبة بشكل منفرد على المستوى الدبلوماسي، إذ إن موضوع الذنب الاستعماري والصراعات التذكارية، يغذّي دخلاً مفيداً دائماً ويُعَدّ إحدى أدوات التأثير القليلة المتاحة للنظام الجزائري التي ما يزال يهيمن عليها الجيش في علاقاته مع باريس.

لكن الرهان الفرنسي-الفرنسي أيضاً له اعتبارات قوية في هذا التقرير، ففي الوقت الذي تتزايد فيه التصدعات الاجتماعية، يمكن لخطاب رئاسي واضح أن يساعد على بناء الجسور بين الذكريات المجروحة والمتضاربة للتغلب على الإنكار والأكاذيب، والاعتراف بتعقيد الحرب الجزائرية، والسماح للمجتمع الفرنسي بتَعرُّف الإرث، إلا أن ماكرون يواجه هذه المرة جزءاً من كتلته الانتخابية المحتملة، وهي قواعد اليمين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً