المجموعات المسحلة تدخل خلال تقدمها في تبادل لإطلاق النار ومعارك لساعات مع قوات الجيش وجنود بعثة الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى  (AFP)

قبل أيام قليلة أعلن قادة المجموعات المسلحة الثلاث الكبرى التي تسيطر على الغالبية العظمى من أراضي جمهورية إفريقيا الوسطى، وتشن هجوماً في شمال وغرب البلاد، اندماجها وتشكيل تحالف تحت اسم "تحالف الوطنيين من أجل التغيير"، في بيان صدر السبت.

هذا التحالف الجديد وسّع عملياته العسكرية وبات يهدد العاصمة بانغي بحصار عن بعد، في الوقت الذي تستعد فيه البلاد لإجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 27 ديسمبر/كانون الأول.

التمرد العسكري الذي باتت تقوده "قيادة موحدة"، والدعم الروسي العسكري الذي بات معلناً للسلطة القائمة، ومخاوف المعارضة من إجراء التزوير، وغموض الدور الفرنسي، أدخلت البلاد في دوامة بأبعاد سياسية وعسكرية وعرقية إلى جانب التجاذب على النفوذ الدولي. فما الذي يحدث في إفريقيا الوسطى؟

تمرُّد وفوضى قُبيل الانتخابات

عقب قرار محكمة في 3 ديسمبر/كانون الأول منْع رئيس إفريقيا الوسطى السابق فرانسوا بوزيز من المشاركة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، رد بوزيز بحشد جماعات مسلّحة متمردة في مسيرة نحو العاصمة بانغي.

استولت المجموعات المسلحة المتمردة حتى الثلاثاء على أربع مدن وباتت متمركزة في مدينة بامباري على بعد 380 كلم شمال شرق العاصمة بانغي، وشنت هجمات على الطرق الحيوية المؤدية إلى العاصمة.

وخلال الهجمات التي تشنها هذه المجموعات خلال تقدُّمها، تدخل في تبادل لإطلاق النار ومعارك لساعات مع قوات الجيش وجنود بعثة الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

هذه المجموعات المتّحدة تضمّ مليشيات "سيليكا" و"آنتي بالاكا" وتتحالف ضد سلطة الرئيس فوستين أرشانج تواديرا، وهي الآن تُسيطر على أكثر من ثلثَي أراضي البلاد، وتتحرّك في اتجاه العاصمة فيما وصفته الحكومة بأنه "محاولة انقلاب" من الرئيس السابق فرنسوا بوزيزيه.

المليشيات المتحدة تتحالف ضد الرئيس الحالي فوستين أرشانج تواديرا (Reuters)

هذه المجموعات المتمردة كانت في قتال فيما بينها، وغيّرت مراراً اصطفافها السياسي، إذ دمرت حرب أهلية إفريقيا الوسطى بعد أن أطاح تحالف المجموعات المسلحة ذات الغالبية المسلمة "سيليكا" بنظام الجنرال فرانسوا بوزيزيه في 2013، وأدت الاشتباكات لاحقاً بين "سيليكا" والمليشيات المسيحية "آنتي بالاكا" إلى سقوط آلاف القتلى.

ومنذ 2018 تحوّلت الحرب إلى نزاع أقل حدة في البلاد إذ تتنافس المجموعات المسلحة للسيطرة على موارد البلاد، خصوصاً الألماس والذهب والمعادن وحتى الماشية، بينما ترتكب بانتظام انتهاكات ضد المدنيين.

التدخُّل الروسي وتآكل الدور الفرنسي

موارد البلاد وعلى رأسها الألماس والذهب جعلت منها هدفاً للتدخلات الخارجية، ففرنسا التي تتمتع بنفوذ تاريخي في البلاد تصارع لاستعادة نفوذها المتآكل هناك، فيما بات الدور الروسي واضحاً وعلنياً.

وتُعتبر إفريقيا الوسطى منطقة نفوذ فرنسي تاريخياً، وينظر إليها كمنطقة مصالح اقتصادية فرنسية بالدرجة الأولى، إلا أن هذا البلد باتت تتولى فيه عناصر خاصة توظفها شركات أمن روسية حماية الرئيس فوستين أرشانج تواديرا، ويتولى اختصاصيون روس تدريب القوات المسلحة في البلاد.

علاوة على ذلك أعلنت روسيا الثلاثاء أنها أرسلت 300 مدرب عسكري إضافي إلى إفريقيا الوسطى حيث تدعم السلطة القائمة بعد هجوم الجماعات المتمردة، وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان: "بهدف مساعدة بانغي في تعزيز القدرات الدفاعية لجمهورية إفريقيا الوسطى استجابت روسيا بسرعة لطلب حكومة إفريقيا الوسطى وأرسلت 300 مدرب إضافي لتدريب الجيش الوطني".

وأوضحت الوزارة أنها أبلغت هذا القرار لجنة مجلس الأمن الدولي التي شُكلت بموجب القرار 2127 بشأن العقوبات ضد جمهورية إفريقيا الوسطى.

من جانبه، صرح نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف الاثنين: "لا نرسل قوات، نحن نحترم بنود قرارات الأمم المتحدة"، وذلك بعد تصريحات للناطق باسم حكومة جنوب إفريقيا أشار فيها إلى إرسال "مئات" من الجنود الروس في إطار اتفاق تعاون ثنائي، من دون تحديد العديد أو تاريخ وصولهم.

وأضاف بوغدانوف: "بالطبع لدينا أشخاص هناك بموجب اتفاقاتنا مع حكومة جنوب إفريقيا واتفاقاتنا حول تدريب الكوادر وعمل مدربينا".

لدى فرنسا الكثير من المصالح في هذا البلد الثري بالمعادن، إنها تسعى دائماً لزعزعة استقرار حكوماتنا بهدف تعيين القادة الذين سوف يسمحون لهم بأن تفعل ما تريد

بوبوسي غوستاف - أكاديمي ورئيس جامعة بانغي

غير أن صحيفة لوفيغارو الفرنسية أشارت إلى أن روسيا أرسلت مئات المرتزقة التابعين لمجموعة فاغنر التي يديرها مقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأن هؤلاء المرتزقة زوّدوا بأسلحة ثقيلة وانضم إليهم مسلحون من رواندا القريبة.

وفي تقرير مطول نشر عام 2019 أشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن المرتزقة الروس كانوا يجوبون البلاد ويدرّبون القوات الحكومية كي تستطيع توحيد البلاد واسترجاع مناجم الألماس من الجماعات المسلحة، فيما يبدو أنه صفقة مع الجانب الروسي الذي يريد وضع يده على سوق الألماس والأحجار الكريمة في البلاد، حسب تعبير الصحيفة.

ويذهب موقع أفريكا ريبورت إلى أن الحضور الروسي في البلاد يتعدى الألماس إلى الذهب وتجارة الأسلحة وغسيل الأموال ومختلف أنشطة التهريب والسوق السوداء.

هذا الحضور الروسي في البلاد جاء على حساب الوجود الفرنسي، خصوصاً بعد أن أعلن وزير الدفاع الفرنسي سابقاً في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 انتهاء العمليات العسكرية الفرنسية "سانغاريس" في إفريقيا الوسطى، بعد أن أُطلقت في ديسمبر/كانون الأول 2013 لدعم القوة الأممية إثر "مواجهات دامية بين مليشيات مسيحية ومسلمة" في البلاد.

العملية الفرنسية لم تلقَ نجاحاً، إذ شهدت القوات الفرنسية طيلة فترة وجودها أعمال عنف عشوائية ومواجهات دامية في مختلف أرجاء المستعمرة الفرنسية السابقة، فيما صرَّح وزير الدفاع الفرنسي آنذاك بأن انتهاء المهمة "لا يعني انتهاء العلاقات العسكرية بين فرنسا وجمهورية إفريقيا الوسطى".

وأضاف أن "وجود الجيش الفرنسي سيكون أقل ولكنه سيكون موجوداً وناشطاً ويقظاً"، إذ تعهَّد الوزير الفرنسي بالإبقاء على "قوة احتياطية تكتيكية من 350 جندياً" تدعمها الطائرات من دون طيار، حسب الشبكة الفرنسية فرانس 24.

فعلي الرغم من أن الوضع في البلاد يبدو أنه تخلّص ظاهرياً من النفوذ الفرنسي فإن رئيس جامعة بانغي بوبوسي غوستاف كان قد اتهم فرنسا في وقت سابق بأنها "تسعى دائماً لزعزعة استقرار جمهورية إفريقيا الوسطى من أجل الحفاظ على مصالحها".

وحمّل غوستاف فرنسا مسؤولية الأزمة في البلاد طلية السنوات الماضية قائلاً: "لو كانت فرنسا مهتمة حقاً بإنهاء الاضطرابات الحالية في مستعمرتها السابقة لفعلت ما يجدر عليها فعله، ولكنها ليست مهتمة بإنهاء الأزمة حتى الآن".

وأوضح الأكاديمي أن لدى فرنسا "الكثير من المصالح في هذا البلد الغني بالمعادن"، مشيراً إلى أنها "تسعى دائماً لزعزعة استقرار حكوماتنا بهدف تعيين القادة الذين سوف يسمحون لها بأن تفعل ما تريد".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً