نالت حكومة إلياس الفخفاخ ثقة البرلمان التونسي، بأغلبية 129 صوتاً. واتجهت الأنظار إلى النقطة التي ستنطلق منها الحكومة لمواجهة الصعوبات التي تعاني منها تونس.

نالت حكومة إلياس الفخفاخ ثقة البرلمان التونسي بأغلبية 129 صوتاً
نالت حكومة إلياس الفخفاخ ثقة البرلمان التونسي بأغلبية 129 صوتاً (AP)

بعد أشهر من الخلاف السياسي وفي ظل سيطرة المشكلات الاقتصادية في تونس، منح البرلمان التونسي الثقة لحكومة إلياس الفخفاخ بأغلبية 129 صوتاً، لتخرج إلى النور حكومة تتضمن كل التيارات السياسية والفكرية، تسعى لتجسيد المصالحة الوطنية.

وشهدت عملية التصويت موافقة 129 نائباً على حكومة الفخفاخ، فيما تَحفَّظ نائب واحد على التصويت، واعترض 77 آخرون. وشارك في عملية التصويت 207 نواب من أصل 217. وتتطلب الموافقة على الحكومة حصولها على أغلبية 50+1 صوت، أي 109 أصوات، وهو ما حصلت حكومة الفخفاخ على أكثر منه.

ردود فعل متباينة

الجلسة التي استمرت ساعات طويلة قبل منح البرلمان التونسي الثقة لحكومة إلياس الفخفاخ، تضمنت ردود فعل متباينة، إذ قالت مراسلة TRT عربي في تونس، إن "أكثر من 11 ساعة من مداخلات النواب بدأت بعد الكلمة التي قدّمها رئيس الحكومة المكلفة"، مشيرة إلى أن ردود الفعل كانت متباينة من النواب، فمنهم مَن ثمّن كلمة الفخفاخ والبرنامج الذي أعلن عنه، ومنهم مَن اعتبر أنه يحتاج إلى تعديل في المستقبل".

وأضافت: "في المقابل هناك من انتقد البرنامج وتشكيلة الحكومة معلناً رفضه منح الثقة".

وأفادت مصادر لـTRT عربي بأنه وُجد توجُّه عامّ لمنح حكومة الفخفاخ الثقة، وإن كان فقط من أجل تجنب العودة إلى الانتخابات وحلّ البرلمان.

من جانب آخر أبدت حركة النهضة استعداداً لمصالحة شاملة، على الرغم من قرارها السابق عدم المشاركة في حكومة الفخفاخ وعدم منحها الثقة في البرلمان، إلا أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي عاد وقال الأربعاء، إن "تونس تمرّ باختبار ديمقراطي جديد في سياقات عربية ودولية مضطربة"، مشدداً على أن "البرلمان سيدعم كل نفس إصلاحي، وسيسرع في سن التشريعات التي تعزّز آمال التونسيين في تغيير واقعهم المعيشي الصعب".

وكان من الواضح التخوُّف العامّ للتونسيين أن لا تنال الحكومة الثقة، والعودة إلى نقطة الصفر وانتخابات جديدة، إذا قالت جريدة الشروق التونسية في مقال بصفحتها السياسية، إن "تونس تقف أمام طريقين، أحدهما قد يؤدي ولو نسبيّاً إلى استقرار الأوضاع وقد تتولد عنه مؤشرات مطمئنة حول الأقدر، وهو طريق منح الثقة للحكومة، أما الثاني فسيؤدي وجوباً إلى سيناريو لا يتمناه أغلب التونسيين، وهو حلّ البرلمان وإعادة الانتخابات لأنه سيزيد تفاقم أوضاع البلاد نحو الأسوأ".

ونوهت بأن "الأطراف الداعمة للحكومة يجب أن لا يتوقف بهم الأمر عند منحها الثقة، بل إنهم سيكونون مطالَبين بدعمها في مهامّها وتوفير الحزام السياسي لها ومساعدتها على التحلِّي بالجرأة وبالشجاعة السياسية لتنفيذ برنامجها".

أولويات الفخفاخ

ويرغب الفخفاخ في تغير حقيقي وجذري في البلاد، ولخّص أولويات حكومته في ثماني نقاط أساسية، هي مقاومة الجريمة والعبث بالقانون، ومقاومة غلاء الأسعار والغشّ وتوفير متطلبات العيش الكريم والتصدي للمحتكرين، وإنعاش الاقتصاد وتشجيع الاستثمار وحماية المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتفكيك منظومة الفساد.

وستكون تعبئة اﻟﻤﻮارد اﻟﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﻀﺮورﯾﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ ﻟﺴﻨﺔ 2020، والمحافظة على قيمة العملة الوطنية والحد من نسبة التضخُّم المستورد، والاهتمام بملف الحوض المنجمي والفوسفات، وتسوية ملفات شغلية عالقة تتعلق بفئات عمال الحضائر والأساتذة والمعلمين النواب، من بين أولويات الحكومة الجديدة.

ويرى الفخفاخ أن الحكومة الجديدة ما هي إلا "ائتلاف واسع يمثّل الطيف السياسي بتنوعاته، مبنيّ على مذكّرة تعاقدية شكّلَت أرضية سياسية أساسها إعادة الأمل والثقة للشعب"، وتضمّ تركيبتها 30 وزيراً وكاتبَيْ دولة (مساعدَيْ وزراء)، منهم 16 عضواً منتمياً إلى الأحزاب و14 مستقلّاً، أما كاتبا الدولة فمستقلّان.

ويسلط نجاح الفخفاخ في نيل ثقة البرلمان وتشكيل الحكومة، الضوء على مدى إمكانية نجاحه في تحقيق وعوده وإخراج البلاد من أزماتها، إذ قالت جريدة "المغرب" التونسية إن "مصير حكومة الفخفاخ شبه معروف، على عكس حكومة الحبيب الجملي التي اكتنفها الغموض إلى غاية الساعات الأخيرة من الجلسة العامة.

واعتبر المحلل السياسي عبد الجليل بوقرة في تصريحات للصحيفة، أنه "بالنظر إلى تصريحات قيادات الأحزاب المشاركة في حكومة الفخفاخ، يمكن استنتاج نية ونظرة هذه الأحزاب للعمل الحكومي، إذ صرّح أمين عامّ حزب التيار الديمقراطي محمد عبو، بأنه من خلال هذه الوثيقة التعاقدية هناك تعهُّد والتزام بالقضاء على الفساد السياسي".

وقال الكاتب زياد كريشان في مقال له بصحيفة "المغرب" التونسية، إنه لكي ينجح الفخفاخ في مهمته، "لا بد من معالجة حالات اجتماعية صعبة والتركيز على الفئات الأكثر هشاشة"، ويستدرك قائلاً: "في المقابل يجب على الحكومة القادمة أن تبرهن لأهم ممولي اقتصاد البلاد أنها جادَّة في وقف نزيف الإنفاق العمومي الذي ميّز هذه العشرية وأن التحسين الجوهري لظروف عيش المواطنات والمواطنين لا بد أن يكون نتيجة تحسُّن أداء الآلة الإنتاجية كمّاً وكيفاً".

وأشار الكاتب إلى صنفين من الحلول، "أولهما الحلول المبدعة وغير المستهلكة للموارد العمومية، والثاني الحلول الاضطرارية الوقتية المتمثلة في إيجاد موارد إضافية للدولة خارج مواردها العادية من جباية وعائدات وهبات واقتراض، أي بوضوح التفريط في بعض ممتلكات الدولة، كليّاً أو جزئيّاً".

ويلفت الكاتب إلى أن الفخفاخ اختار منذ البداية شعار "حكومة الوضوح وإعادة الثقة"، ولكنه قصر حتى الآن مفعول هذا الشعار على "الحزام السياسي" لحكومته، لا على مصارحة التونسيين بحقيقة أوضاع بلادهم وبالجهد الذي ينبغي للجميع بذله لوضع حدّ للنزيف وللنهوض باقتصاد.

ويختم الكاتب قائلاً: "نعتقد أنه ما زال بإمكان إلياس الفخفاخ بعد نيله ثقة النواب أن يصلح ما فات وأن يعود إلى مجلس نواب الشعب بالمعطيات المنقذة لاقتصاد البلاد ويتحدث بوضوح للتونسيين عن سياسته لإصلاح الأوضاع المالية أولاً، ولكيفية تنشيط لاقتصاد وإنقاذه من الانكماش الفعلي -لا التقني- الذي يتهدده اليوم ثانياً.

المصدر: TRT عربي - وكالات