تتصاعد الاحتجاجات في المدن العراقية وتتركز مؤخراً في المحافظات الجنوبية التي تستمر في الإصرار على المطالبة بإنهاء الفساد وتغيير السلطة الحاكمة، وتقف العشائر إلى جانب المتظاهرين داعية إلى عصيان مدني.

في بعض المحافظات الجنوبية في العراق، تسببت الاحتجاجات بتعطيل الدوام وقطع الطرق
في بعض المحافظات الجنوبية في العراق، تسببت الاحتجاجات بتعطيل الدوام وقطع الطرق (AFP)

تأخذ الأوضاع في المدن العراقية الجنوبية منحى تصعيدياً منذ أيام عدة، إذ أعلنت محافظة ذي قار تعطيل الدوام الرسمي بسبب الاحتجاجات وكذلك قطع الطرق الرئيسية.

ويأتي قرار الحكومة المحلية لدرء الحرب الأهلية وللحفاظ على سلامة المجتمع، حسب مراسلTRT عربي، الذي أكد أن الحال ينطبق على محافظة البصرة والديوانية والمثنى، إذ تستمر المواجهات والاشتباكات بين قوات مكافحة الشغب ومتظاهرين.

وتتسبب المواجهات بسقوط عدد من الجرحى، إذ اغتيل الشيخ حيدر المالكي أحد شيوخ العشائر المساندين للمظاهرات، برصاص جهة مجهولة، ما أدى إلى التهاب الأوضاع في المحافظات الجنوبية، في الوقت الذي صوّت فيه مجلس النواب العراقي خلال جلسته الأخيرة على التعديل الثاني لانتخابات مجالس المحافظات الذي يشمل إنهاء عمل المجالس في المحافظات، ويسمح للنواب بمتابعة عمل هذه المجالس.

قطيعة بين الشارع والحكومة

الأكاديمي والباحث السياسي علي النشمي يقول لـTRT عربي إن "الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية هي عبارة عن كرت أحمر لكل الطبقة السياسية، وتُنبئ بعدم وجود أمل بين الشارع العراقي والطبقة السياسية، لذلك فإن الاحتجاجات مستمرة ومطالبها محددة باستقالة الحكومة والبرلمان والتخطيط لانتخابات جديدة ضمن دستور جديد، بالإضافة إلى عدم السماح للأحزاب بالمشاركة في العمل السياسي في المستقبل".

ويرى النشمي بوجود "قطيعة بين الشارع العراقي والطبقة الفاسدة، إذ تعول الحكومة الآن على الوقت ونمطية الاحتجاجات، وتمارس قمعها تحت شعار لكي لا ينفلت الواقع إلى حرب أهلية، وتحت قاعدة أن التغيير لا يكون من خلال الفوضى بل يأتي من الاستقرار".

ويؤكد النشمي أن "الحكومة عندما واجهت المتظاهرين بالعنف المفرط من اليوم الأول في المظاهرات دفعت الثمن الآن، فهي لم تستطع ضبط المظاهرات، وأصبحت الدولة متراخية في التعامل مع المتظاهرين، ولا تسمح للقوات الأمنية بحمل السلاح بينما الطرف الآخر يحملون العصي، وهذا يؤكد تمسك الحكومة بالسلطة التي تبدو بمظهر المسالم بينما تتهم طرفاً ثالثاً بقتل المتظاهرين، وبالتالي أصبح في بعض الأماكن انفلات".

من جانب آخر، "تركز الحكومة على قضايا أخرى غير المظاهرات، وتحاول أن تنقل القضية إلى ساحة البرلمان الذي يلعب على وتر إطالة العملية لعل الأوضاع تتغير، ولذلك كان المفترض أن تصدر قرارات بخصوص مفوضية الانتخابات وتقديمها، لكن البرلمان يماطل لأن تنفيذها يعني تهدئة الشارع ووجود زمن معين تسير عليه المطالب الشعبية"، حسب النشمي.

ويشير النشمي إلى أن الفساد مستشرٍ بشكل كبير ومدمر في بنية الدولة العراقية، ولا يمكن أن تُظهر الحكومة نفسها على أنها تُكافح الفساد لتخفيض احتقان الشارع، ويضرب مثلاً بالقول إن "أكثر من تريليونَي دولار صُرفت في العراق من دون أن يحقق منها أي شيء في الواقع، ولدينا نحو 7 آلاف ملف فساد، وهو ما سمح الظرف بظهوره".

ويضيف: "الواقع العراقي وكل الأحزاب السياسية مساهمة في الفساد، والشارع العراقي لا يمكن أن تنطلي عليه مسألة تحويل بعض الشخصيات للمحاكمة بتهم الفساد، لأن إنهاء الفساد يحتاج إلى سلطة كبيرة جداً وقوية وقادرة على إنفاذ قرار شامل وتقديم كل ملفات الفساد للمحاكمة".

تحويل بعض الشخصيات للمحاكمة بتهم الفساد، قد يأتي في سياق تصفية حسابات وتقديم شخصيات بسيطة، ستطلق المحاكم سراحهم لعدم كفاية الأدلة، وسبق أن حدث ذلك، فقد صدر حكم ضد وزراء، وأطلقت المحكمة العراقية سراحهم

علي النشمي - الأكاديمي والباحث السياسي

وينهي النشمي قوله بأن "الشارع العراقي مقتنع بأنه لا تمكن محاربة الفساد من دون تغيير الحكومة كاملة، وإحداث تغيير شامل".

دور عشائري

قبائل وسط العراق وجنوبه، من جهتها، ناشدت المرجع الديني الأعلى علي السيستاني بالتدخل لوقف نزف الدم، محذرين من حرب أهلية قادمة، إلا أن رئيس المجلس العشائري في البصرة الشيخ رائد الفريجي يقول لـTRT عربي، إن كتلاً سياسية لا تعترف برأي المرجعية، فقط الاعتراف "يكون إعلامياً"، لذلك سيجري تصعيد من أجل تنفيذ المتظاهرين في الجنوب.

وأشار الفريجي إلى أن "الحكومة العراقية تعمدت المماطلة والتسويف إزاء الاستجابة لمطالب المظاهرات التي تخرج وفقاً للدستور وترفع مطالب مشروعة، لكنها تواجَه بالقمع والرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع من قبل القوات الأمنية".

ومع إطلاق العشائر في المحافظات الجنوبية دعوات للعصيان المدني وإغلاق الطرق المؤدية إلى المواني النفطية، يقول الفريجي: "إن العشائر متضامنة مع المظاهرات لأن لديها مطالب دستورية، لكن توجد مماطلة ومتمسكون بالسلطة، ولا أحد يعرف إلى أين ستذهب الحكومة بالشعب".

وبينما تقول الحكومة إن المتظاهرين يتعمدون التخريب، يرى الفريجي أن "المواطن يرفع شعارات سلمية، والحكومة تحاول تشويه صورة المظاهرات لأنها فشلت في تلبية مطالبهم، ورفضت النزول إلى رغبتهم، لذلك ينسبون إليهم مثل هذه التهم".

المصدر: TRT عربي - وكالات