تطرح الهجمات المتكررة تساؤلات عن مدى قدرة السعودية على صدّها (AP)

في ما يبدو أنه مؤشر على فشل دفاعي جديد، أعلنت جماعة الحوثيين في اليمن الاثنين، عن إطلاق صاروخ مجنَّح على محطة توزيع لشركة "أرامكو" السعودية في مدينة جدة.

وقع الهجوم غداة استضافة المملكة قمة مجموعة العشرين الافتراضية، وبعد أكثر من عام على استهداف منشآت لأرامكو في شرق المملكة، في عملية غير مسبوقة أحدثت اضطرابات في سوق النفط العالمية.

كما وقع الهجوم بُعيد زيارة لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى السعودية التقى خلالها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يتولى أيضاً وزارة الدفاع.

وقال المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثيين يحيى سريع في تغريدة: "تمكنت القوة الصاروخية من استهداف محطة توزيع أرامكو في جدة بصاروخ مجنَّح نوع قدس 2، الذي دخل الخدمة مؤخراً بعد تجارب عملانية ناجحة في العمق السعودي لم يُعلَن عنها بعد".

وأضاف: "كانت الإصابة دقيقة جداً، وهُرعت سيارات الإسعاف والإطفاء إلى المكان المستهدف"، موضحاً أن العملية التي وصفها بـ"النوعية" تأتي "رداً على استمرار الحصار والعدوان وفي سياق ما وعدت به القوات المسلحة قبل أيام من تنفيذ عمليات واسعة في العمق السعودي".

بدورها أقرت الرياض بحدوث الهجوم، إذ قال مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية في بيان: "وقع انفجار تسبب في نشوب حريق في خزّان للوقود في محطة توزيع المنتجات البترولية في شمال مدينة جدة نتيجة اعتداء إرهابي بمقذوف".

وأوضح المصدر أنّ فرق الإطفاء تمكّنت من إخماد الحريق، وأنه "لم تحدث جراء هذا الاعتداء إصابات أو خسائر في الأرواح (...)، كما أنّ امدادات شركة أرامكو السعودية من الوقود لعملائنا لم تتأثر".

وكان الحوثيون أعلنوا في يناير/كانون الثاني الماضي عن شنهم هجوماً واسعاً على مواقع في "عمق السعودية" طال منشآت لـ"أرامكو" ومطارين وقاعدة عسكرية، وذلك بعد هجوم في سبتمبر/أيلول عام 2019 استهدف منشأتين نفطيتين لـ"أرامكو" شرقي المملكة.

لكن من النادر استهداف الحوثيين لمدينة جدة المطلة على البحر الأحمر، والتي تبعد عن أقرب نقطة حدودية مع اليمن نحو 600 كلم.

بناءً عليه جدّد التحالف بقيادة السعودية في اليمن اتهامه لإيران بتزويد الحوثيين بالأسلحة، قائلاً في بيان إن "الأدلّة والبراهين أثبتت تورّط النظام الإيراني في تلك الهجمات الإرهابية باستخدام أسلحة نوعية إيرانية من نوع كروز وطائرات بدون طيار مفخخة".

وفي بيانهم جدّد الحوثيون تهديداتهم للمملكة، ناصحين "المواطنين والشركات الأجنبية العاملة في السعودية بالابتعاد عن المنشآت الحيوية الهامة كونها ضمن بنك الأهداف".

عجز سعودي

وعلى الرغم من إنفاقها العسكري الضخم ومرور أكثر من خمس سنوات على عملياتها في اليمن، لم تتتمكن المملكة من تحقيق أي تقدم ميداني حقيقي.

وتطرح الهجمات المتكررة تساؤلات عن مدى قدرة السعودية على مواجهتها. ومما يُذكَر هنا اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الشهير، على المملكة، بشراء منظومة صواريخ دفاعية من موسكو.

وقال بوتين في سبتمبر/أيلول 2019: "نحن مستعدون لمساعدة السعودية لتمكينها من حماية أراضيها"، وذلك بعد هجمات أرامكو الشهيرة في نفس العام.

وتعتمد قوات الدفاع الجوي السعودية بشكل كبير على منظومة "باتريوت"، وهو نظام طُوّر في أواخر الثمانينيات، يعمل على "تجزئة الانفجار" عبر تدمير الصواريخ القادمة، ونشرها فوق منطقة، لتبدو كأنّها مثل قذيفة تنطلق من بندقية.

وقد أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ببيع تلك الصواريخ التي قُدرت مبيعاتها عام 2015 بـ5.4 مليار دولار. وجاء تعاقد السعودية مع أمريكا على شراء باتريوت بعد سبعة أشهر من دخولها حرب اليمن.

وفي أول اعتراف أمريكي صريح بفشل منظومات باتريوت التي تستوردها السعودية، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي جوزيف دانفورد، عقب استهداف المنشأت النفطية في 2019، إنه لا يوجد أي نظام دفاع جوي أو صاروخي، يستطيع منفرداً صدّ هجوم مماثل، لكن يمكنه تقليل نسبة الخطر.

بالتزامن مع ذلك كشفت صحيفة "ميدل إيست آي" عن حصولها على وثيقة إماراتية سرية، تنتقد السعودية وضعف دفاعاتها أمام هجمات جماعة الحوثي.

وأوضح تقرير الصحيفة البريطانية، أن الوثيقة الاستخباراتية حدّدَت عدد الهجمات التي تعرضت لها أهداف سعودية بـ155 هجوماً، بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2019، وهو ما يفوق بكثير ما اعترفت به الرياض رسمياً.

ورغم ضعف المنظومة، تعمقت أزمة السعودية في مواجهة الحوثيين بعدما قالت وسائل إعلام أمريكية في مايو/أيار الماضي إن واشنطن سحبت 4 بطاريات لصواريخ باتريوت وبعض الطائرات المقاتلة، عقب توترات بين المملكة وإدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن إنتاج النفط.

وقال مسؤول أمريكي لأسوشيتد برس وقتها، إن القرار تَضمَّن سحب بطاريات كانت تحرس منشآت نفطية في السعودية، إضافة إلى 300 عسكري. ولم يصدر بعدها تأكيد رسمي يفيد بتنفيذ السحب من عدمه.

تراجع عن الحرب؟

لكنّ أسباباً أخرى بدأت تدفع السعودية نحو التراجع، فبعد سنوات دامية، فشلت الحرب في اليمن في تحقيق أهدافها هناك، كما أن الانتهاكات تَلقَى انتقاداً متجدداً على المستوى الدولي، الأمر الذي قد يجبر الرياض على قبول حلول سياسية تخفّف خسائرها.

ويرى مراقبون أن السعودية تخشى الإدارة الأمريكية الجديدة بعد فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة، وكشفه عن سياسة مختلفة في الشرق الأوسط عن تلك التي اتبعها الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب.

وبدأت الرياض العام الماضي محادثات غير مباشرة مع الحوثيين من أجل الخروج من الصراع الذي أثار انتقادات من بايدن وأودى بحياة عشرات الآلاف وأضرّ بسمعة المملكة، لكنها توقفت خلال الشهرين الماضيين مع تصاعد القتال في منطقة مأرب الغنية بالغاز حيث شنّ الحوثيون هجوماً لطرد القوات المدعومة من السعودية.

وفي أولى خطوات تراجع السعودية في حربها على اليمن، أفادت ثلاثة مصادر مطّلعة لرويترز بأن الرياض أبلغت جماعة الحوثي في محادثات رفيعة المستوى بأنها ستوقِّع اقتراحاً للأمم المتحدة بوقف إطلاق النار على مستوى البلاد إذا وافقت الجماعة على إقامة منطقة عازلة على طول حدود المملكة.

في المقابل نفت جماعة الحوثيين صحة ما نشرته وكالة رويترز بشأن مناطق فاصلة بين اليمن والسعودية، واعتبرت أن نشر تلك الأخبار لا يمتّ إلى المهنية بصلة.

"أسوأ مجاعة في العالم"

يأتي ذلك في وقت حذّرَت فيه منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" الاثنين، من أن حياة ملايين الأطفال اليمنيين في خطر، مع دنوّ البلد من المجاعة.

وقالت المديرة التنفيذية للمنظمة هنرييتا فور في بيان، إن اليمن "يسير رويداً رويداً نحو أسوأ مجاعة يشهدها العالم منذ عقود". وأضافت فور أن هذا "يعني أن الخطر على حياة الأطفال بات أكبر من أي وقت مضى".

وأردفت: "هناك أكثر من 12 مليون طفل بحاجة إلى مساعدة إنسانية، فيما وصلت معدلات سوء التغذية الحادّ بين الأطفال في بعض مناطق البلاد إلى مستويات قياسية".

واستدركت: "فيما هناك أكثر من خمسة ملايين طفل معرَّض لخطر متزايد للإصابة بالكوليرا والإسهال المائي الحادّ".

ويعاني اليمن من حرب مستمرة للعام السادس بين القوات الموالية للحكومة، والحوثيين المسيطرين على محافظات بينها العاصمة صنعاء (شمال)، منذ عام 2014.

ومنذ العام التالي ينفّذ التحالف بقيادة السعودية عمليات عسكرية في اليمن، دعماً للقوات الموالية للحكومة، في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران.

وخلّفَت الحرب 112 ألف قتيل، بينهم 12 ألف مدني، وبات 80 بالمئة من السكان، البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة، يعتمدون على المساعدات، في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وفق الأمم المتحدة.

صحف أمريكية قالت إن واشنطن سحبت بطاريات باتريوت وجنوداً من السعودية (AP)
TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً