الاحتجاجات التي تواصلت طوال الأيام الماضية بلغت نقطة مفصلية الاثنين، بعد وفاة محتجّ أُصيب خلال اشتباكات مع الشرطة (Jihed Abidellaoui/Reuters)

بعد أيام من مرور الذكرى العاشرة للثورة، تعيش تونس واحدة من أصعب مراحلها خلال السنوات الماضية، إذ شهد مختلف مناطق وولايات تونس موجات احتجاج، تخللتها صدامات مع رجال الأمن، فيما كان أغلب المظاهرات ليلاً دون أن تلقي بالاً لسريان حظر التجوال الليلي ضمن تدابير مكافحة فيروس كورونا.

وسط هذا الجو المشحون الذي يرفع فيه التونسيون مطالب اقتصادية منادين بسياسة اجتماعية أكثر عدلاً، تلوح أزمة سياسية أخرى في الأفق بين رئيس البلاد ورئيس حكومتها، إذ اعتبر الرئيس التعديل الوزاري الأخير الذي أجراه رئيس الوزراء "لم يحترم الإجراءات التي نصّ عليها الدستور". فإلى أين تتجه الأزمة المزدوجة في تونس؟

الأزمة الأولى: خلاف سياسيّ

ساعات قبل توجُّه رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي صباح الثلاثاء، إلى مبنى البرلمان، في سعيه لنيل وزراء حكومته الجدد الثقة بعد التعديل الحكومي الذي اقترحه، في تعديل قال عنه الرئيس قيس سعيد الاثنين، إنه "لم يحترم الإجراءات التي نصّ عليها الدستور".

الرئيس التونسي أشار إلى أنه سيرفض التعديل المرتقب، في تصعيد حادّ للخلاف مع رئيس الوزراء، خصوصاً أن تصريحه جاء خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي بحضور المشيشي نفسه، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، وعدد من الوزراء.

وأوضح سعيد أن التعديل الوزاري "لم يحترم الإجراءات التي نصّ عليها الدستور، وتحديداً ما نص عليه الفصل 92، أي ضرورة التداول في مجلس الوزراء، إذا تعلق الأمر بإدخال تعديل على هيكلة الحكومة، هذا إلى جانب إخلالات إجرائية أخرى (لم يذكرها)".

وأشار في هذا الإطار إلى أنّ "بعض المقترَحين في التعديل الوزاري تتعلق بهم قضايا أو لهم ملفات تضارب مصالح"، وأضاف أن "من تعلقت به قضية لا يمكن أن يؤدي اليمين"، مشيراً إلى أن أداء اليمين ليس إجراءً شكليّاً بل جوهري.

الرئيس التونسي أشار إلى أنه سيرفض التعديل الحكومي المرتقب، في تصعيد حادّ للخلاف مع رئيس الوزراء (Reuters)

وكان المشيشي أعلن، في 16 يناير/كانون الثاني الجاري، إجراء تعديل وزاري شمل 11 حقيبة من أصل 25، مع استحداث وزارتين إحداهما للطاقة والمناجم، والأخرى للتكوين المهني والتشغيل والاقتصاد التضامني، إضافة إلى إعادة تسمية وزارتين.

في هذا السياق قال زهير المغزاوي البرلماني عن "الكتلة الديمقراطية"، إن "من ضمن الوزراء المقترحين، أسماء تحوم حولها شبهات فساد وتضارب مصالح (دون ذكر أسماء)"، حسب ما نقلته وكالة الأنباء التونسية الرسمية.

من جهته قال رئيس كتلة "تحيا تونس" مصطفى بن أحمد للوكالة الرسمية: "لن تُمنح الثقة للوزراء المقترحين الذين تعلقت بهم شبهات فساد وتضارب مصالح".

وفي سياق متصل أشار سعيد في مستهل اجتماع المجلس الأمن القومي، إلى أن تواتر الأحداث في الفترة الأخيرة وانتشار جائحة كورونا وكثرة الاحتجاجات، هي نتيجة خيبة الأمل في السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتُّبعَت منذ عقود، فضلاً عن تأزُّم الوضع السياسي.

الأزمة الثانية: موجة احتجاج

يأتي الشلل السياسي في تونس إذاً، فيما تُضعِف جائحة فيروس كورونا الاقتصاد المنهك بالفعل الذي انكمش أكثر من 8% العام الماضي، مما دفع إلى تتصاعد الاحتجاجات في أرجاء البلاد ضد الفقر والتهميش وعدم المساواة وانتهاكات الشرطة.

ففي الوقت الذي يَمثُل فيه المشيشي أمام البرلمان لنيل الثقة بتعديله الوزاري، ستكون أمام مبنى البرلمان مظاهرات دعا إليها عدد من منظمات المجتمع المدني، قائلة إن التعديل الوزاري "وُضع في إطار الترضيات السياسية، وفي محاولة الائتلاف الحاكم لامتصاص الأزمة الحالية دون تقديم أي مشروع بديل".

وأشارت المنظمات التي من بينها "النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين"، و"الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان"، و"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، إلى رفضها "القطعي للسياسية الأمنية التي تنتهجها الحكومة الحالية في التعاطي مع الوضع الاجتماعي والاحتجاجات الشعبيّة".

هذه الاحتجاجات التي تواصلت طوال الأيام الماضية، بلغت نقطة مفصلية الاثنين، بعد وفاة محتج أُصيب خلال اشتباكات مع الشرطة، مما أطلق شرارة مزيد من المواجهات العنيفة بين المتظاهرين وأجهزة الأمن في بلدة سبيطلة في ولاية القصرين وسط البلاد.

وأبلغت أسرة هيكل الراشدي وسائل إعلام محلية بأنه أُصيب بعبوة غاز مسيل للدموع بعد المشاركة في المظاهرات التي اندلعت هذا الشهر في ذكرى ثورة عام 2011 التي جلبت الديمقراطية إلى تونس.

وقالت "وكالة تونس إفريقيا للأنباء" إنه بعد ذيوع نبأ وفاته حاولت مجموعة من الشبان اقتحام مركز الشرطة في سبيطلة وإحراقه، مما أفضى إلى مزيد من الاشتباكات، وزاد ذلك سخونة الأجواء قُبيل مظاهرات الثلاثاء في العاصمة ومدن أخرى احتجاجاً على عدم المساواة وانتهاكات الشرطة.

يأتي ذلك وسط ترقب أمني في البلاد، خصوصاً بعد أن منعت السلطات المتظاهرين في احتجاج بالعاصمة التونسية السبت، من دخول شارعها الرئيسي، لكن المئات نظموا مسيرة إلى وسط المدينة مرددين شعار "الشعب يريد إسقاط النظام".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً