عكست قمة سوتشي، الخميس، تفاهمات مهمة بين تركيا وروسيا وإيران بشأن الأزمة السورية، أساسها رفض الأجندة الانفصالية، والتأكيد على وحدة الدولة السورية، وذلك في وقت تطرح فيه أسئلة بشأن سبل تنفيذ هذه التوافقات.

اتفق القادة الثلاثة على عقد القمة المقبلة في تركيا
اتفق القادة الثلاثة على عقد القمة المقبلة في تركيا (AA)

ما المهم: انتهت قمة سوتشي الثلاثية، الخميس، بأمل الأطراف المجتمِعة في اقتراب التوصل إلى حلول سياسية جدية بخصوص الأزمة السورية.

ووسط الإصرار على "التصدي للأجندة الانفصالية التي تهدد استقلال ووحدة سوريا وتُضعف الأمن القومي لدول الجوار"، برز إجماع على الترحيب بالحديث عن الانسحاب الأمريكي من سوريا، باعتباره خطوة لتعزيز الأمن والاستقرار في هذا البلد "في حال تطبيقه".

وبينما يرى متابعون أنّ هذه التوافقات تبقى محل تساؤل في ظل غياب الولايات المتحدة الأمريكية عنها؛ فإنّهم يشيرون، في الوقت ذاته، إلى إمكانية أن تحاول أنقرة فتح قناة تواصل مع واشنطن تشمل روسيا.

المشهد: حدد البيان الختامي لقمة سوتشي أطر التوافق الروسي التركي الإيراني في سوريا خلال المرحلة المقبلة؛ ففي نقاطه الأولى رحب البيان بـ"اتفاق الزعماء على تنسيق الجهود لإحلال الأمن والاستقرار في مناطق شمال شرق سوريا"، مشيراً إلى أنه "في حال تطبيق قرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، فستكون خطوة لتعزيز الأمن والاستقرار في هذا البلد".

وشدّد البيان أيضاً على "تعزيز التنسيق الثلاثي والتأكيد على سيادة سوريا واستقلالها ووحدة وسلامة أراضيها، وضرورة عدم انتهاك أحد لهذه المبادئ". أضاف أن المجتمِعين "جددوا إصرارهم على التصدي للأجندة الانفصالية التي تهدد استقلال ووحدة سوريا وتُضعف الأمن القومي لدول الجوار ورفض المحاولات الرامية لخلق واقع ميداني جديد فيها تحت ستار مكافحة الإرهاب".

وأعرب البيان عن رفض "محاولات فصيل هيئة تحرير الشام زيادة مساحات سيطرته في منطقة خفض التصعيد بمحافظة إدلب"، مشيراً إلى الاتفاق على "اتخاذ خطوات ملموسة للحد من انتهاكات الهدنة في المنطقة عبر تطبيق جميع الاتفاقات المتعلقة بها".

وترافق البيان مع تصريحات للرؤساء الثلاثة، سواء أثناء افتتاح القمة أو خلال المؤتمر الصحفي، التي تؤكد حجم التقدّم في مسار التوافقات منذ قمة طهران الثلاثية التي انعقدت في سبتمبر/أيلول الماضي.

وفي هذا الصدد، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، "قطعنا شوطاً كبيراً في سبيل إيجاد حل سياسي للأزمة السورية"، مضيفاً أنّ الأمل في التوصل إلى حل للأزمة السورية لم يكن قريب المنال مثلما هو عليه اليوم.

وشدد على أن تركيا "بذلت جهوداً استثنائية من أجل المحافظة على الهدوء في إدلب (شمالي سوريا) رغم محاولة بعض الدول زعزعة الوضع فيها"، فيما لم يشِر إلى تفاصيل أخرى حول هذه النقطة.

وفيما يخص لجنة صياغة الدستور لسوريا، أعرب الرئيس التركي عن أمل في تفعيل لجنة متوازنة لصياغته بالتنسيق مع الأمم المتحدة، وبأقرب وقت ممكن، وأوضح "لسنا بصدد إيجاد بديل عن محادثات جنيف حول سوريا".

كما أكد الرئيس التركي أنّ بلاده لن تسمح بإنشاء حزام إرهابي على حدودها الجنوبية، وهذه نقطة شدد الرئيسان الروسي والإيراني على تفهمهما إياها. وقال "ننتظر من شركائنا في مسار أستانا دعماً للخطوات التي سنتخذها بخصوص إنشاء المنطقة الآمنة بشمال سوريا، وننظر إلى مستقبلنا في إطار اتفاقية أضنا".

الخلفيات والدوافع: تندرج هذه القمة ضمن مسار أستانا الذي انطلق في بداية عام2017. وتأتي وسط شكوك تزداد لدى الأطراف الثلاثة في جدية الرغبة الأمريكية في الانسحاب من سوريا.

وعلى الصعيد الميداني، تترافق هذه القمة مع توسيع الجماعات التابعة لجبهة النصرة الإرهابية، سيطرتها في إدلب، ما جعل هذا الملف حاضراً بصورة جدية كما ظهر في البيان الختامي. وفي مداخلة لـTRT عربي، قال أستاذ العلاقات الدولية سمير صالحة، إنّ تجاهلاً ما في حال حدوثه على الأرض بشمال غرب سوريا، أي في محافظة إدلب، يعني مزيداً من التعقيد على مستوى تفاهمات أستانا وخطة مناطق خفض التوتر المنبثقة عنها.

وشرح صالحة أنه بخصوص إدلب، فإنّ تركيا لديها مجموعة من التحفظات على مستوى الخشية من إشعال جبهة جديدة وهو ما قد يعني موجة جديدة من اللجوء باتجاهها. ولكنه أضاف "بجميع الأحوال، لا يمكن قبول هذا المشهد في إدلب ولا بد من خطوات عسكرية وخطة تحرّك بتنسيق تركي روسي".

غير أنّ الباحث التركي لفت إلى أنّه برغم كل ما نراه، فلا تزال لكل دولة من هذه الدول الثلاث إستراتيجيتها المنفصلة في الملف السوري، مضيفاً أن "السؤال هو كيف ستكون ترجمات هذه التوافقات؟". وذكّر بالتركيز الروسي الإيراني على إعطاء النظام السوري دوراً أكبر في مجمل الشمال.

وقال صالحة إن "سؤالاً مهماً آخر يطرح نفسه، وهو هل سيقام حوار روسي أمريكي في هذا الخصوص؟ ويبدي اعتقاده بأن أنقرة ربما تحاول، بعيداً عن الأضواء، أن تفتح قناة تواصل من هذا النوع بين الجانبين، وقد تكون قناة تواصل ثلاثية".

وفي هذا السياق، يلفت الباحث في المركز العربي في واشنطن جو معكرون، إلى أن الاقتناع التركي بأن لا حل في الأفق يصنع توافقاً بين أنقرة وواشنطن فيما يتعلق بمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، يجعل تركيا تبحث مع روسيا بجدية هذه المسألة". ويذكّر معكرون بالدورية المشتركة الروسية التركية التي جالت في ريف حلب، الخميس، قائلاً إنها "على الأرجح محاولة لبناء الثقة في شمال سوريا".

ما التالي: في مداخلة لـTRT عربي، يرى أستاذ العلاقات الدولية برهان قور أوغلو أن التفاؤل في محله، خاصة "أننا جئنا إلى هذه المرحلة من خلال مسار أستانا، وقبل هذا المسار كان الوضع مأساوياً". ويضيف قور أوغلو أنه برغم ذلك "فلا أحد يقول إن الأمور ستنتهي سريعاً".

بدوره، يشرح الباحث في المركز العربي في واشنطن جو معكرون، في حديث لـTRT عربي، أن "الأمريكيين اعتبروا منذ البداية أن ما يجري بين أطراف سوتشي لا يعنيهم، بما أنّ المباحثات تشمل مناطق سورية لا تخضع لسيطرتها". غير أنه يضيف أن هذه القمة تبحث الآن ما قد يحصل في شمال سوريا على ضوء الانسحاب الأمريكي المحتمل، "والشروط الأمريكية في هذا السياق هي حماية القوات الكردية الحليفة لها وضمان عدم توسع نفوذ إيران في المنطقة".

وبناء على ذلك، يعتبر معكرون أن ما حصل في سوتشي هو بداية لحوار صعب بين أنقرة وموسكو حول مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من سوريا.

وكان أستاذ العلاقات الدولية سمير صالحة، شرح أن "عملية خلط الأوراق لا تزال مطروحة على الطاولة نظراً لوجود عدة سيناريوهات"، مشيراً إلى أنّ اتفاقية أضنا الموقعة في نهاية التسعينيات بين أنقرة ودمشق، قد تكون هي الإطار المحدد في الفترة المقبلة لديناميات الشمال السوري، ولكنه يؤكد أنه لا بد من إضافة ملاحق عليها تأخذ بعين الاعتبار كل التغيرات التي حصلت.

المصدر: TRT عربي