وزير الخارجية التركي يعلن استئناف الاتصالات مع مصر من دون شروط مسبقة  (Karim Jaafar/AFP)

في العاصمة القطرية الدوحة هبطت طائرة وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو ليحضر في لقاء هو الأول من نوعه يجمعه مع نظريه القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني والروسي سيرغي لافروف، من أجل "تباحث المستجدات في سوريا".


زيارة الوزير التركي لم تخلُ من الرسائل السياسية التي تأتي منسجمة مع تصريحاته في الأيام الأخيرة حول المنهجية الجديدة التي تتبعها أنقرة في المنطقة، بخاصة مع مصر والسعودية والإمارات.


في إسطنبول وخلال تصريحاته المعتادة بعد صلاة الجمعة أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، هذه المنهجية التي تحمل في طياتها ديناميكية جديدة للسياسة الخارجية التركية التي أصبحت أحد أهم عناصر التأثير على المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

اجتماع في الدوحة بين وزراء خارجية تركيا وروسيا وقطر  (AP)

مصر: الخطوة الأولى

منذ سبتمبر/أيلول 2020 تحدث المسؤولون الأتراك حول وجود تفاهمات استخباراتية بين القاهرة وأنقرة حول ملف ترسيم الحدود البحرية، كان قد لمَّح بها آنذاك المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن.


وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية كانت أزمة ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، إذ أبرمت تركيا وليبيا اتفاقية لترسيم الحدود البحرية في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، سجلتها الأمم المتحدة واعتبرتها سارية منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2019، وتقول أنقرة إنها تصب في صالح مصر وتمنحها مساحة 11 ألف كيلومتر شرق المتوسط.


إلا أن القاهرة وقَّعت اتفاقية أخرى لترسيم الحدود البحرية مع أثينا في 6 أغسطس/آب 2020، أقرها البرلمان المصري في الشهر ذاته، فيما وصفتها أنقرة بـ"الباطلة" كونها لا تراعي الاتفاق مع ليبيا، ووجهت بلاغاً بهذا الشأن إلى الأمم المتحدة.

قبل أيام وعلى إثر نشرها مناقصة للتنقيب في جرفها القاري نشرت مصر خريطة للرقعة "رقم 18" المحددة ضمن اتفاقها مع اليونان تعتمد فيها على أنها منطقة اقتصادية خالصة، مع مراعاتها لحدود المنطقة التي أعلنتها تركيا جرفها القاري، وتضم اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس.


كانت هذه الخريطة الرسالة الأولى في العلن من القاهرة إلى أنقرة، وهو ما التقطه المسؤولين الأتراك بسرعة، إذ لمح وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو بإمكانية التفاوض مع مصر بشأن مناطق الصلاحية البحرية وتوقيع اتفاق معها بهذا الخصوص، قائلاً: "تواصل مصر احترام جرفنا القاري، ونحن نرحب بذلك".


وواصل الساسة الأتراك على مدار الأيام الأخيرة تثمين الخطوة المصرية التي وصفها وزير الدفاع التركي بأنه "تطور مهم للغاية"، فيما اعتبرها المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن "فرصة لفتح صفحة جديدة مع مصر".


وخلال وجوده في الدوحة أعلن وزير الخارجية التركي أن الاتصالات بين بلاده ومصر بدأت بالفعل من دون أي شروط مسبقة من الجانبين، مؤكداً أن هذه الاتصالات على الصعيد الدبلوماسي لأن الاتصالات سواء على مستوى الاستخبارات أو وزارة الخارجية لم تنقطع في الماضي.


الوزير التركي أضاف أن الأيام المقبلة "ستشهد جولة مباحثات جديدة بين تركيا ومصر على المستويين الاستخباراتي والدبلوماسي".


تزامناً مع ذلك أكد الرئيس أردوغان من إسطنبول أن "التعاون الاقتصادي والدبلوماسي والاستخباراتي مع مصر متواصل، ولا توجد أي مشكلة في هذا".

السعودية وما بعد قمة العلا


على إثر استهداف الحوثيين المنشآت السعودية في 7 مارس/آذار الجاري جاء الموقف التركي المندد بهذه الحادثة سريعاً. إذ عبرت أنقرة عن قلقها من الهجمات الأخيرة التي استهدفت السعودية، داعيةً لوقفها على الفور.

بيان الخارجية التركية الذي دعا لوقف هذه الهجمات على الفور حمل في طياته بعداً جديداً في العلاقات بين البلدين التي تأزمت في السنوات الأخيرة بسبب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلده في إسطنبول، إذ قالت الخارجية في بيانها: "بهذه المناسبة نتمنى السلامة للمملكة العربية السعودية الشقيقة والشعب السعودي".


يأتي وزير الخارجية التركي ليستكمل ذلك من الدوحة بقوله إنه لا سبب يمنع تحسين العلاقات مع الرياض، موضحاً أنه "إذا أقدمت السعودية على خطوات إيجابية فسنقابلها بالمثل، والأمر ذاته ينطبق على الإمارات".

اللافت أيضاً في هذه الملف أن الرئيس التركي أشار اليوم إلى أنّ تركيا ستبحث مع السلطات السعودية قرار إجرائها مناورات مع اليونان، وعادة ما تواجه خطوات أي نشاط مع اليونان بالمتوسط بأنها استهداف لتركيا، إلا أن حرص أنقرة على حل الخلاف يغلب على الموقف.


ويرى مراقبون أن المصالحة الخليجية التي احتضنتها السعودية في مدينة العلا هي التي فتحت الباب لعودة العلاقات إلى طبيعتها بين الرياض وأنقرة، بخاصة مع بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض الأمريكي، الذي يبدو أنه ماضٍ في فتح صفحة جديدة في المنطقة مغايرة لسلفه ترمب.

الإمارات: لم لا؟

وفي الثامن عشر من فبراير/شباط الماضي وبينما كان المسبار الإماراتي "الأمل" يواصل مهمته في الفضاء غرد وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي مصطفى ورانك قائلاً: "كل استكشاف جديد في الفضاء له قدرة على زيادة التعاون الدولي في خدمة مصالح السلام في كل العالم"، مضيفاً: "نجاح الإمارات في مهمة الأمل التي استمرت فيها منذ زمن طويل، يستحق الإشادة.. نهنئكم".

لم تمضِ سوى ساعات حتى جاء رد وزيرة الدولة للتكنولوجيا المتقدمة ورئيسة وكالة الإمارات للفضاء سارة الأميري في تغريدة كتبتها باللغتين الإنجليزية والتركية شكرت فيها الوزير التركي.


وتابعت الأميري: "نحن كذلك نعتقد أن استكشاف الفضاء كان دائماً وسيلة لبناء الجسور وتطوير فهمنا البشري الجماعي"، مضيفة: "أتمنى لتركيا رحلة اكتشاف ناجحة إلى القمر عام 2023، فيما سيزيد إسهام المنطقة في استكشاف الفضاء".

لم يكن قبل هذه المواقف سوى التصريحات الهجومية من البلدين بسبب خلافهما الحاد في عدة ملفات وعلى رأسها ليبيا، إذ دعمت أبو ظبي جنرال الحرب خليفة حفتر، الأمر الذي استحق أن تسميه صحيفة "البيان" بـ"دبلوماسية الفضاء".

في هذا السياق تأتي تصريحات جاوش أوغلو من الدوحة مؤكدة هذا، إذ قال في معرض حديثه لشبكة TRT: "نشهد مزيداً من الرسائل الإيجابية من الإمارات، ونرى تراجعاً في الحملات السلبية المنظمة التي تستهدف تركيا".

أفغانستان: نافذة جديدة

لم يكتفِ جاوش أوغلو في حديثه إلى الصحفيين في العاصمة القطرية، بالإشارة إلى إمكانية فتح صفحة جديدة مع الدول العربية، بل أعلن أن تركيا تعمل لعقد اجتماع في مدينة إسطنبول، حول عملية السلام في أفغانستان، في أبريل/نيسان المقبل.


الوزير أشار إلى أن حركة طالبان وهيئة المفاوضات، أي الحكومة، سبق لهما أن طلبا من تركيا استضافة هذا الاجتماع، مؤكداً أنّ اجتماع إسطنبول حول أفغانستان ليس بديلاً من اجتماع الدوحة، بل مكمل له، مؤكدا أنّ "الاجتماع سيكون بالتنسيق مع قطر الشقيقة".


في ذات السياق لفت الوزير التركي إلى أن بلاده تعتزم تعيين ممثل خاص لأفغانستان لدفع عملية السلام.


ويعتبر الملف الأفغاني واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة وعلى رأس الأولويات للإدارة الأمريكية، وتعتبر الخطوة التركية الأخيرة سعياً جديداً نحو حل النزاع الذي يؤثر على وسط آسيا.

TRT عربي
الأكثر تداولاً