لا تبدو خطط روسيا هناك واضحة، فيما يرى محللون أنها لا تعدو أن تكون حركات استعراضية أو تصريفاً لأزمة داخلية (Serhiy Takhmazov/Reuters)

يخوض الجيش الأوكراني معارك في مواجهة الانفصاليين الموالين لروسيا في منطقتي دونيتسك ولوغانسك منذ 2014، بعد ضمّ موسكو شبه جزيرة القرم في أعقاب انتفاضة أطاحت بالرئيس الأوكراني الذي كان مقرّباً من الكرملين فيكتور يانوكوفيتش.

وتبادلت موسكو وكييف الاتهامات هذا الأسبوع بالوقوف وراء ارتفاع منسوب العنف عند الخطوط الأمامية، ما قوّض اتفاقاً لوقف إطلاق النار تمّ التوصّل إليه في يوليو/تمّوز الماضي، بعد أن تصاعدت الاشتباكات منذ يناير/كانون الثاني في المنطقة.

وأبدى مسؤولون أوكرانيون وأمريكيون وأوروبيون قلقهم في الأيام الأخيرة حيال وصول آلاف القوات والمعدات الروسية إلى الحدود الروسية الأوكرانية، فيما تتّهم أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون روسيا بإرسال قوات وأسلحة لدعم الانفصاليين، وهو ما تنفيه موسكو.

ووسط مخاوف من تصعيد وإحياء هذا النزاع الذي بدأ في شرق أوكرانيا عام 2014 وأسفر عن أكثر من 13 ألف قتيل، لا تبدو خطط روسيا هناك واضحة، فيما يرى محللون أنها لا تعدو أن تكون حركات استعراضية أو تصريفاً لأزمة داخلية.

تحرّك أمريكي ضد "العدوان"

قال سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، الثلاثاء، إن مندوبين عن روسيا والولايات المتحدة بحثوا الوضع في جنوب شرق أوكرانيا، حسب ما نقلته وكالة "تاس" الروسية.

وكان ريابكوف قال، الاثنين، إن روسيا تجري اتصالات رفيعة المستوى مع الولايات المتحدة بشأن جوانب التوتر المتعلقة بأوكرانيا، وعبّر عن رفضه للمخاوف من حدوث حشد عسكري روسي، على الرغم من أن موسكو كانت قد تعهدت بالرد على عقوبات أوكرانية جديدة.

وقال ريابكوف: "نحن على اتصال بالأمريكيين، هذا يحدث على مستوى عالٍ"، مضيفاً أن المخاوف التي عبّرت عنها واشنطن "لا أساس لها"، ومتّهماً أوكرانيا بالتقاعس عن تطبيق الاتفاقيات الخاصة بالمنطقة، حسب ما نقلته وكالة "إنترفاكس" الروسية.

يأتي ذلك عقب قول وزارة الخارجية الأمريكية، الاثنين، إن الولايات المتحدة طلبت من موسكو تفسير "الاستفزازات" على الحدود مع أوكرانيا، وسط حشود عسكرية روسية.

وقال نيد برايس المتحدث باسم الوزارة، في مؤتمر صحفي، إن الولايات المتحدة ستشعر بالقلق إزاء أي جهد تبذله موسكو لتخويف أوكرانيا، سواء كان ذلك في الأراضي الروسية أو في الأراضي الأوكرانية.

وفي أول اتصال هاتفي مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يوم الجمعة، أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن دعم بلاده الذي "لا يتزعزع" لأوكرانيا، بعد أن عبرت دول غربية وحلف شمال الأطلسي عن القلق بسبب تحركات للقوات الروسية قرب أوكرانيا.

وقال بيان للبيت الأبيض: إن "الرئيس بايدن أكد دعم الولايات المتحدة الثابت لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها في مواجهة العدوان الروسي في دونباس وشبه جزيرة القرم".

بدوره، قال الرئيس الأوكراني الذي اتهم روسيا الأسبوع الماضي بحشد قوات عند الحدود، في فيديو نشره مكتبه: إن "الرئيس بايدن أكد لي أن أوكرانيا لن تُترك بمفردها في مواجهة العدوان الروسي".

"ليست وحدها".. دعم بريطاني وقلق أوروبي

من جهته، جدد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون دعم بلاده لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، في اتصال هاتفي أجراه مع زيلينسكي، الاثنين، عبّر خلاله عن مخاوفه بشأن "الأنشطة المزعزعة للاستقرار" التي تقوم بها روسيا على الحدود الأوكرانية.

وبُعيد المكالمة الهاتفية نشر الرئيس الأوكراني تغريدة شكر فيها جونسون على موقفه، مشدّداً على أن أوكرانيا "ليست وحدها" و"تدعمها دول مجموعة السبع" (ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان وبريطانيا).

بدوره، أكد وزير خارجية الاتّحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الأحد، دعم الاتحاد "الثابت" لأوكرانيا، معرباً عن قلقه حيال التحرّكات الأخيرة للقوّات الروسيّة.

وكتب بوريل على تويتر، بعد محادثة هاتفية مع وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا "نتابع بقلق شديد النشاط العسكري الروسي" عند حدود أوكرانيا، مؤكداً "دعم الاتحاد الأوروبي الثابت لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها".

الموقف الأوروبي تعزّزه أيضاً دعوة ألمانيا وفرنسا اللتين تؤديان وساطة لنزع فتيل التوتر بين روسيا وأوكرانيا، السبت، إلى "ضبط النفس" و"وقف التصعيد الفوري" بين البلدين"، معبرتين عن "قلقهما حيال العدد المتزايد لانتهاكات وقف إطلاق النار".

وجاء في بيان مشترك صادر عن وزارتَي خارجية البلدين، أن ألمانيا وفرنسا تُجدّدان تأكيدهما "دعم سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها" وتُعبّران عن "قلقهما جرّاء العدد المتزايد لانتهاكات وقف إطلاق النار بعد أن استقرّ الوضع في شرق أوكرانيا منذ يوليو/تموز 2020"، ومشيرتين إلى أنّهما تُتابعان الوضع "بحذر شديد، ولا سيّما تحركات القوات الروسية".

ماذا تخطط روسيا في شرق أوكرانيا؟

لا تنفي روسيا تحرّك قواتها على الحدود الأوكرانية، ففي 30 مارس/آذار الماضي، صرح رئيس هيئة الأركان الأوكراني رسلان خومتشاك أن روسيا أرسلت قوات إلى مناطق قريبة من حدود أوكرانيا بذريعة إجراء مناورات عسكرية.

كما أن ديمتري بيسكوف، متحدث الرئاسة الروسية أكد، الخميس، أن بلاده تحرك قواتها داخل حدودها وفقاً لتقديرها، قبل أن تعلن موسكو بشكل صريح، الجمعة، أن قواتها المسلحة ستجري تدريبات عسكرية جنوب البلاد قرب الحدود مع أوكرانيا للتدرب على الدفاع في وجه الطائرات الهجومية المسيّرة.

ولا يبدو واضحاً حجم وطبيعة التحركات الروسية على الحدود، إلا أن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نقلت عن مسؤول عسكري أوكراني قوله إن روسيا نقلت حوالي 4000 جندي إلى المناطق الحدودية، فيما جهّزت حوالي 28 كتيبة تكتيكية يقدّر عدد جنودها بين 20 و25 ألف مقاتل.

وعن دوافع التحرك الروسي، يقول موقع Emerging Europe، إنه ومنذ فبراير/شباط الماضي، بدأت التحركات الروسية سواء في شبه جزيرة القرم أو في شرق وجنوب أوكرانيا، مضيفاً أن هذا الأمر ربّما يكون متعلقاً برغبة روسية لإيجاد حل بالقوة لأزمة المياه التي باتت تخنق القرم التي تحتلها.

وعن التحرك شرق أوكرانيا وتوقيته، يضيف الموقع أن توقعات محللين آخرين تشير إلى أن هذا التصعيد يأتي بسبب تراجع شعبية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين داخلياً، وتراجع الاقتصاد الروسي بسبب التسيير الضعيف لأزمة كورونا، وهو أمرٌ قد يدفع بوتين إلى افتعال صراعات صغيرة ليرفع شعبيته من جديد.

في المقابل، يرى الباحث والأكاديمي المختص في الشأن الروسي، مايكل كوفمان، في مقال نشرته صحيفة Moscow Times، أن التحركات الروسية الأخيرة ليست مخيفة، مُسقطاً احتمالية أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

ويضيف الباحث أن هذه "التحركات تتم بطريقة مرئية بشكل مقصود"، ما يعني أنه يُقصد أن تكون ظاهرة، وهو ما يستبعد أي تحضير لهجوم عسكري وشيك، ويتابع: "بالتالي إن هذه التموضعات والاستعدادات العسكرية تبدو بشكل أولي وكأنها استعراضية الطابع".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً