على الرغم من إعلان المجلس العسكري القبضَ على المتورطين في فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم، والوساطة الإثيوبية بين المجلس وقوى إعلان الحرية والتغيير، إلا أن المشهد السوداني لا يزال يسير نحو التصعيد.

قوى الحرية والتغيير أعلنت عن مظاهرات جديدة لإجبار المجلس العسكري على نقل السلطة إلى المدنيين
قوى الحرية والتغيير أعلنت عن مظاهرات جديدة لإجبار المجلس العسكري على نقل السلطة إلى المدنيين (AFP)

جاب مئات المتظاهرين شوارع عدد من المدن السودانية، الخميس، مطالبين بـ"سلطة مدنية" بعد أن دعا منظمو الاحتجاجات إلى ممارسة ضغوط على المجلس العسكري لتسليم السلطة للمدنيين.

ويبدو أن خطوات وتصريحات المجلس العسكري التي شملت إعلان القبض على المتسببين في فض اعتصام الخرطوم، وإعفاء النائب العام من منصبه، لم تخفف من غضب المتظاهرين.

فقد دعا قادة الاحتجاجات إلى التظاهر مجدداً، ضد المجلس العسكري الذي يطالبونه بتسليم السلطة إلى المدنيين، في ظل تصاعد التوتر بين الطرفين، وتوقف المفاوضات عقب فض اعتصام القيادة العامة الذي استمر نحوَ شهرين.

إعفاء أم استقالة؟

أصدر المجلس العسكري السوداني، الخميس، قراراً بإعفاء النائب العام الوليد سيد أحمد من منصبه، وتعيين عبد الله أحمد عبد الله بدلاً عنه.

مصادر مطلّعة قالت إن قرار إعفاء النائب العام جاء بناءً على رغبته، وفقاً لما نقله مراسل TRT عربي من الخرطوم، خصوصاً أن النائب العام سبق وتحدث عن أنه ربما سيقدم استقالته من منصبه في الأيام المقبلة، وذلك خلال مؤتمر صحفي حول عملية فض اعتصام الخرطوم.

والخميس الماضي، قال المتحدث باسم المجلس العسكري شمس الدين كباشي، في مؤتمر صحفي، إن النائب العام، ورئيس القضاء عباس علي بابكر، شاركا في اجتماع أمني لمناقشة فض الاعتصام أمام مقر الجيش بالخرطوم، وقدما المشورة القانونية لتنفيذ المهمة.

لكن النائب العام الوليد سيد أحمد نفى مناقشة فض الاعتصام مع المجلس العسكري، وهدد بتقديم استقالته حال التدخل في سلطاته وصلاحياته، كما نفى رئيس القضاء مشاركته أيضاً.

القبض على المتورطين في الفض

صاحبَ قرار إعفاء النائب العام من منصبه إعلان نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو "حميدتي"، القبض على الأشخاص المتورطين في فض اعتصام الخرطوم، وتقديم كل من تجاوز حدوده إلى محاكمة علنية.

وأضاف حميدتي "لن نجامل أحداً، وسيأتي يوم تبيض فيه وجوه، وتسود وجوه"، وأوضح أن المجلس العسكري متمسك بمحاكمة رموز النظام السابق، وأنه من الآن فصاعداً ستبدأ كل المحاكمات، ولن يؤثروا على سير العدالة، وسيحتكمون إليها، حسب قوله.

وشدد على أن المجلس العسكري، لن يشكل حكومة كفاءات في الفترة الحالية، دون التوصل إلى توافق مع الجميع تفادياً لخروج التظاهرات.

ولفت إلى أن خمسة من المتورطين قدموا اعترافات قضائية، وهناك جهات تعمل ضد المجلس لتوريطه، مؤكداً أنه سيكشف كل الحقائق عقب انتهاء عمل لجان التحقيق، لعدم التأثير على العدالة.

"مدنية... مدنية"

أكد حميدتي، رغبة المجلس العسكري في التوصل إلى حل شامل دون إقصاء، واستعداد المجلس لإشراك الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي في مراقبة الانتخابات، وعدم السماح بالتلاعب في الصناديق.

واعتبر حميدتي أن دور المجلس العسكري في المرحلة الحالية بمثابة ضامن إلى حين إجراء الانتخابات.

وأشار حميدتي إلى أن قوى الحرية والتغيير، طالبت بفترة انتقالية مدتها 4 سنوات للتنظيف والاقصاء، لكن المجلس مُصِرّ على تشكيل حكومة المستقلين والكفاءات، وفترة انتقالية لمدة عام.

جاءت هذه التصريحات في الوقت الذي أعلنت فيه قوى الحرية والتغيير التي تقود الاحتجاجات، عن مظاهرات وفعاليات جديدة، لإجبار المجلس العسكري الانتقالي على نقل السلطة إلى المدنيين.

ووقف العشرات في العاصمة السودانية حاملين لافتات كتب عليها "حكم مدني"، و"محاكمة مرتكبي مجزرة 3 يونيو"، أمام المبنى الرئيسي لشركة الكهرباء وخارج وزارات الصحة والنفط والإعلام.

المجلس العسكري حسم أمره، وشرع في البحث عن حاضنة سياسية جديدة، تمهيداً لتشكيل حكومة مدنية من جماعات موالية له، بعيداً عن قوى الحراك الشعبي

النور أحمد النور - محلل سياسي

المفاوضات.. إلى أين؟

بالرغم من الوساطة الإثيوبية وتصريح المجلس العسكري أنه مستعد لاستكمال المفاوضات المتوقفة بينه وبين قوى الحرية والتغيير إثر فض اعتصام الخرطوم، إلا أن الأحداث على الأرض لا تشير إلى أي انفراجة.

ويرى المحلل السياسي النور أحمد النور، أن لجوء قوى الشارع إلى المظاهرات من جديد، يعود ليقينها أن "المجلس العسكري حسم أمره، وشرع في البحث عن حاضنة سياسية جديدة، تمهيداً لتشكيل حكومة مدنية من جماعات موالية له، بعيداً عن قوى الحراك الشعبي".

وقال النور لـTRTعربي إن قوى الحرية والتغيير تأكدت من أن الوساطة التي قادها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد وصلت إلى طريق مسدود، وبالتالي "سارعت لبدء مرحلة ثورية جديدة، من خلال الإعلان رسمياً عن جداول للمظاهرات".

أمرٌ دعا مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون أفريقيا تيبور ناجي، إلى التصريح قبل أيام بأن هناك حاجة لوساطة خارجية لنزع فتيل الأزمة في السودان بسبب انعدام الثقة بين المجلس العسكري الحاكم والمعارضة بصورة لا يمكن معها إجراء محادثات مباشرة بين الطرفين على حد قوله.

وفي خطوة اعتبرها كثيرون، بمثابة التدشين الفعلي للتصعيد والتصعيد المضاد، فوّضت إدارات أهلية وقبلية وعشائرية، المجلس العسكري لتشكيل حكومة كفاءات وطنية.

خطوةٌ قابلها المجلس العسكري بالموافقة العلنية، إذ أكد نائب رئيسه حميدتي قبول المجلس بالتفويض الذي منحته له الإدارات الأهلية لتكوين الحكومة المدنية، ما عدّه مراقبون بداية لمفاصلة وشيكة بين المجلس وقوى الحرية والتغيير.

وتتصاعد مخاوف في السودان، على لسان قوى التغيير، من احتمال تكرار ما حدث في دول عربية أخرى، بالتفاف الجيش على الحراك الشعبي الذي يطالب بتسليم الحكم إلى سلطة مدنية.

المصدر: TRT عربي - وكالات