الرئيس الجزائري خلال زيارة عمل رسمية إلى إيطاليا الأربعاء الماضي (AFP)
تابعنا

غلبت كفة العلاقات الجزائرية في الفترة الأخيرة مع أكبر ثلاثة شركاء لها في القارة الأوروبية لصالح إيطاليا على حساب فرنسا وإسبانيا.

والأربعاء الماضي بدأ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون زيارة عمل رسمية إلى إيطاليا استمرت ثلاثة أيام التقى فيها رئيس البلاد سيرجيو ماتاريلا ورئيس الوزراء ماريو دراغي وعدد من المسؤولين.

وحل تبون الجمعة بمدينة نابولي برفقة نظيره الإيطالي ماتاريلا بعد أن استقلَّا القطار معاً من روما وصولاً إلى عاصمة الجنوب.

وتأتي الزيارة بعد تلك التي أجراها في 11 أبريل/نيسان الماضي رئيس الوزراء الإيطالي إلى الجزائر، وتوجت بالتوقيع على اتفاق يقضي برفع إمدادات الغاز الجزائرية إلى إيطاليا بواقع 9 مليارات دولار.

- تعزيز الشراكة في المحروقات وخارجها

وتوجت الزيارة بالمصادقة على خمس اتفاقيات أهمها تلك الموقعة بين شركة المحروقات الحكومية "سوناطراك" وعملاق الطاقة الإيطالي "إيني" لتسريع تطوير الحقول الغازية المكتشفة بالجزائر.

كما وقع البلدان على اتفاقيات في مجال محاربة غسيل الأموال ومكافحة تمويل الجماعات الإرهابية والمؤسسات الصغيرة والناشئة.

وقال الرئيس الجزائري خلال الزيارة إن بلاده "تريد تعزيز العلاقات أكثر مع إيطاليا وتنفيذ مزيد من الاكتشافات معاً ما يسمح بزيادة الإمدادات والتحول إلى موزع للغاز في أوروبا".

ووفق تبون فإن الشراكة بين البلدين "ستمتد من مجال المحروقات والطاقات المتجددة إلى أخرى زراعية وصناعية على غرار بناء السفن والصناعات الحربية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة".

وخلال لقاء مع ممثلين عن جالية بلاده في روما قال تبون إن إيطاليا "وقفت دوماً" مع الجزائر خلال المراحل الصعبة سواء خلال الثورة التحريرية (1954-1962) أو خلال العشرية السوداء سنوات التسعينيات من القرن الماضي.

وأضاف تبون في هذا الصدد أن العلاقات مع إيطاليا "لم يسبق أن عرفت ولو سحابة صيف واحدة"، في إشارة إلى جودة العلاقات بين البلدين على مرّ العقود.

وخلال مؤتمر صحفي مشترك بين رئيسي البلدين ظهر تطابق للرؤى في عدد من القضايا الدولية والإقليمية على غرار ليبيا وتونس.

وقدم كل من الرئيس الإيطالي، ورئيس الوزراء شكرهما للجزائر لكونها "شريكاً موثوقاً واستراتيجياً"، حسب ما أوردته وكالة الأنباء الايطالية "آنسا".

وعلق رئيس الوزراء الإيطالي على الزيارة بالقول: "تلوح أمامنا فرص للشركات الإيطالية في السوق الجزائرية، ويوجد انفتاح كبير من الرئيس الجزائري لإقامة شراكة أوسع من أي وقت مضى"، حسب المصدر ذاته.

وحسب وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية بلغت المبادلات التجارية بين البلدين في 2021 8.5 مليارات دولار، منها 6.24 مليار دولار صادرات جزائرية إلى إيطاليا و2.26 مليار دولار واردات من البلد الأوربي.

- برودة وجمود تجاه باريس ومدريد

ومقابل هذا التقارب الكبير بين الجزائر وروما الذي جاء في عز أزمة طاقة عالمية جراء الحرب الروسية-الأوكرانية تشهد علاقات الجزائر بفرنسا وإسبانيا برودة غير مسبوقة.

بالنسبة إلى فرنسا وبعد الأزمة التي أثارتها تصريحات رئيسها إيمانويل ماكرون الخريف الماضي، والتي وصفت بالمسيئة بحق الجزائر وتاريخها، جرت محاولات إعادة المياه إلى مجاريها، إذ بادرت بها باريس في أكثر من مناسبة، إلا أن العلاقات لا تزال تتسم بالبرودة.

وبداية أكتوبر/تشرين الثاني الماضي اندلعت أزمة بين البلدين تمثلت في استدعاء الجزائر سفيرها لدى باريس للتشاور احتجاجاً على تصريحات لماكرون، شكك فيها بوجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي (1830-1962) واتهم النظام السياسي القائم بأنه يستقوي بريع الذاكرة، قبل أن تعلن عودته أوائل يناير/كانون الثاني الماضي.

وبعد إعادة انتخاب ماكرون في أبريل/نيسان الماضي تلقى الرئيس الفرنسي دعوة من نظيره الجزائري لزيارة البلاد بمناسبة رسالة تهنئة بعث بها له.

وباستثناء زيارات وزير خارجية فرنسا السابق جون إيف لودريان إلى الجزائر التي وصفت بأنها مساعي رجل إطفاء في محاولة لرأب الصدع الحاصل غابت زيارات الرسميين الفرنسيين منذ 8 أشهر.

وقبل أسبوع حل وفد من أكبر تنظيم لرجال الأعمال في فرنسا (منظمة ميداف) بالجزائر في زيارة هي الأولى من نوعها منذ 2018.

وعقد الوفد اجتماعات مع منظمات من رجال الأعمال الجزائريين والتقى وزير الصناعة أحمد زغدار، إلا أن الاتفاقيات والمشاريع والصفقات غابت تماماً خلال هذه الزيارة.

أما مدريد فخلَّف موقف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بخصوص الصحراء ردود فعل غاضبة في الجزائر، واعتبره الرئيس تبون "غير مقبول أخلاقياً أو تاريخياً".

وفي 18 مارس/آذار الماضي وصفت الحكومة الإسبانية في رسالة بعث بها رئيسها بيدرو سانشيز إلى العاهل المغربي محمد السادس مبادرة الرباط للحكم الذاتي في الصحراء بـ"الأكثر جدية" للتسوية في الإقليم المتنازع عليه، حسب بيان للديوان الملكي المغربي.

وعقب ذلك بيوم أعلنت الجزائر استدعاء سفيرها في مدريد للتشاور على خلفية الموقف الجديد لمدريد بشأن قضية الصحراء.

وقبل أسابيع حذرت الجزائر إسبانيا من مغبة تحويل أي كميات من الغاز الجزائري عبر عكس حركة التدفق في أنبوب الغاز "المغرب العربي-أوروبا" المار عبر المغرب، وجرى وقف العمل به الخريف الماضي.

وسبق لمصدر في شركة "سوناطراك" للمحروقات أن أوضح لوكالة الأناضول أن الأزمة بين الجزائر ومدريد "يمكن أن تؤجِّل أو تلغي نهائياً رفع قدرات خط "ميدغاز" للغاز الطبيعي الرابط بين البلدين مباشرة عبر المتوسط".

وكان من المفروض أن يجري تشغيل قدرات نقل إضافية لهذا الأنبوب لترتفع من 8 مليارات متر مكعب سنوياً حالياً إلى 10.6 مليار متر مكعب.

كما غابت زيارات المسؤولين أو رجال أعمال إسبان منذ مارس/آذار الماضي عقب موقف مدريد من الصحراء.

- مصالح وتحيات مشتركة

ويرى الصحفي والمحلل بموقع "ديكود 19" الإيطالي ماسيميليانو بوكوليني أن زيارة تبون إلى إيطاليا "تأتي في إطار الزيارات السابقة التي للممثلين الإيطاليين إلى الجزائر في الأشهر الأخيرة، وترتبط بتنمية العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين".

وأوضح بوكوليني وجود "روابط تاريخية بين إيطاليا والجزائر من ناحية، وتوجد أيضاً تحديات مهمة للبلدين لا سيما في قطاع الطاقة، في ظل الحرب في أوكرانيا، ووجود تحديات أمنية تؤثر على المنطقة بأسرها".

ويرى أن هذه الزيارة "رابط إضافي إلى سلسلة الزيارات والعلاقات السابقة، وستساعد في نسج شبكة التعاون الاستراتيجي الذي جرى إطلاقه بين إيطاليا والجزائر".

واعتبر بوكوليني أن من "مصلحة إيطاليا تطوير العلاقات مع الجزائر، لا سيما في قطاع الطاقة، ويتعين عليها الاستغناء عن الغاز الروسي".

وكانت روسيا أطلقت عملية عسكرية خاصة بأوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي، ما أسفر عن فرض عقوبات عليها.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً