تطالب أوكرانيا بالانضمام إلى حلف الناتو من أجل حماية أمنها وحدودها  (Reuters)

في مقابلة حديثة مع Axios على قناة HBO توجه الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي إلى نظيره الأمريكي جو بايدن بسؤال طالما تبحث أوكرانيا عن جواب له منذ سنوات طويلة: "لماذا لا تزال أوكرانيا ليست عضواً في الناتو؟".

كان سؤال زيلينسكي المثير للجدل منذ قمة بوخارست سنة 2008 نابعاً من حرص قديم لكييف على الانضمام إلى الحلف الذي لم يتوقع أحد أن تستنجد به دولة من "حلف وارسو"، إلا أنه يعكس كذلك استغراب الرئيس الأوكراني لعدم انضمام بلاده إلى الآن.

هنا تنعكس قيمة أوكرانيا التاريخية والجغرافية والسياسية، إذ ينقسم الجواب على هذا السؤال إلى معطيات عقلانية وإجرائية قد تسهل عملية انضمام كييف إلى الحلف، ولمعطيات عاطفية تاريخية وهي ما قد تؤجل هذا الانضمام.

روسيا: جدار الصد

تحضر روسيا كنقطة مركزية لدى حلف الناتو، ولذلك تحضر أحياناً في التعامل مع قضية أوكرانيا جانباً عاطفياً وتاريخياً لارتباطها السابق بحلف وارسو وقبلها الاتحاد السوفييتي، وهذ المعادلة تفعل مزيجاً من الأساطير والمخاوف عندما تظهر الكلمتان "أوكرانيا" و"الناتو" في نفس الجملة.

في السنوات الأخيرة كثفت روسيا من العمليات العسكرية وغير العسكرية ضد أوكرانيا والركيزة الرئيسية لذلك هي فكرة حماية حدودها من "توسع الناتو".

تستند هذه السردية الروسية بأكملها إلى مزاعم لم يجرِ إثباتها تاريخياً بشأن "تعهُّد" قدمه الغرب للاتحاد السوفييتي بعدم توسيع الناتو شرقاً بعد سقوط جدار برلين.

ووفقاً للرواية الروسية للأحداث وعد وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في عام 1990 بأن الناتو لن يتحرك شرقاً إذا سمح الاتحاد السوفيتي بإعادة توحيد ألمانيا الشرقية والغربية. لكن وثائق الأرشيف الرسمية تثبت أنه لم يُقدَّم مثل هذا التعهد على الإطلاق، حتى إن غورباتشوف نفسه صرح في أكتوبر/تشرين الأول 2014 بأن الموضوع لم يناقش في ذلك الوقت. ففي أوائل عام 1990 لم يكن أحد يفكر في إمكانية أن تطمح أي دولة من دول حلف وارسو حتى من الناحية النظرية إلى عضوية الناتو. بدلاً من ذلك أشارت المناقشات الوحيدة المثبتة بالأرشيف حول توسيع الناتو على وجه التحديد إلى ألمانيا الشرقية وقتها.

من هنا نفهم موقف موسكو رداً على تصريحات زيلينسكي، الذي جاء على لسان المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، إذ أشار إلى أن انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) سيؤدي إلى تفاقم الأزمة في البلاد.

وأشار بيسكوف إلى أن انضمام أوكرانيا إلى "الناتو" لن يساعد في حل الأزمة الداخلية في البلاد، بل سيجعل الوضع أكثر سوءاً.

وهو ما يعبر عنه وزير الخارجية الأوكراني دميتري كوليبا بأن "أسطورة روسيا المحاصرة التي تدافع بشجاعة عن نفسها ضد الناتو التوسعي تشكل جزءاً مركزياً من الحجة الأوسع أن العالم الغربي يجب أن يسعى لتجنب استفزاز روسيا".

كييف: خط دفاع أول عن الحلف

عندما أعلنت أوكرانيا استقلالها عام 1991 بدأت عملية إقامة علاقات منتظمة مع الدول والمؤسسات الغربية جزئياً للحصول على قدر أكبر من حرية المناورة تجاه روسيا، في الوقت نفسه بدأ الناتو رسمياً إشراك أعضاء سابقين في حلف وارسو المنحل ودول ما بعد الاتحاد السوفييتي.

في ديسمبر/كانون الأول 1991أصبحت أوكرانيا عضواً بمجلس تعاون شمال الأطلسي الذي أنشئ لتعزيز التعاون بين الناتو وحلف وارسو السابق والدول السوفييتية. وفي يناير/كانون الثاني 1994 أصبحت أوكرانيا الدولة الرابعة التي تنضم إلى الشراكة من أجل السلام، التي أسسها الناتو لتطوير العلاقات الفردية بين الحلف والدول المهتمة بهدف تعزيز السلام والأمن في أوروبا.

في قمة الناتو التي عُقدت في بوخارست عام 2008 أوضح الناتو أن أوكرانيا وجورجيا ستصبحان عضوين في الناتو "يوماً ما" كما دعم التحالف طلبات كلا البلدين لخطط عمل العضوية (MAPs) ووافق على أن هذه ستكون الخطوة التالية نحو العضوية النهائية. ثلاثة عشر عاماً مرت على قمة بوخارست لكن أوكرانيا وجورجيا لا تزالان تنتظران، في خطوة بدت كأنها محاولة تهدئة مع روسيا منذ ذلك الوقت، إلا أن أوكرانيا وجورجيا تعرضتا منذ القمة لهجوم عسكري من قبل روسيا، أسفر عن مقتل العديد من الأرواح وخسارات مادية بالغة.

ولذلك يصف atlanticcouncil أوكرانيا اليوم بأنها ليست متلقياً أمنياً فحسب بل هي جهة مانحة للأمن في المنطقة، إذ نجحت في مواجهة روسيا منذ ما يقرب من سبع سنوات حتى الآن، ليس فقط لحماية نفسها ولكن أيضاً لحماية منطقة أوسع بين بحر البلطيق والبحر الأسود، كما اكتسبت خبرة لا تقدر بثمن في الدفاع عن نفسها عسكرياً وسيبرانياً.

ماذا تفعل أوكرانيا للانضمام إلى الناتو؟

بالعودة إلى الجواب على سؤال الرئيس الأوكراني: "لماذا أوكرانيا ليست في حلف الناتو؟"، تجدر الإشارة إلى القسم الثاني من الإجابة وهي معطيات عقلانية وإجرائية يجب على كييف اتباعها لتسهيل عملية الانضمام.

أهم هذه الإجراءات هي التعاون البرلماني وصياغة التشريعات الملائمة، إذ شدد معهد أوكرانيا لإدارة الأزمات على أهمية سن القوانين والتعاون البرلماني بشكل خاص في سياق انضمام أوكرانيا إلى عضوية الناتو.

وقال رسلان ستيفانتشوك النائب الأول لرئيس البرلمان إن منطقة العمل تتكون من ثلاثة مكونات. الأول هو التعاون بين البرلمان الأوكراني والجمعية البرلمانية للناتو، وثانياً عملية سن القوانين، وثالثًا التزام السلطة التنفيذية المعايير التي يضعها التحالف.

في سياق آخر تعتبر الخدمة الأمنية-الاستخباراتية الأوكرانية عنصراً هاماً في طريقها إلى الناتو، وهذا ما تؤكده ماريانا بيزهلا ورئيسة اللجنة الفرعية البرلمانية المعنية بتنفيذ قيم الناتو، وتعمل على إنشاء خدمة أمنية قادرة على تقديم تعاون جيد مع الاتحاد الأوروبي. وأحد هذه العناصر هو ما يعرف بالكتاب الأبيض المقدم مؤخراً لجهاز المخابرات الأوكراني، وهو تقرير للجمهور يقتصر على المعلومات التي رفعت السرية عنها.

وتعبر من جهة أخرى مسألة الدفاع حاسمة وجوهرية، إذ أكدت إيفانا كليمبوش-تسينتسادزي رئيسة اللجنة البرلمانية بشأن اندماج أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي أن التكامل الأوروبي-الأطلسي يستلزم تحولاً في قطاع الدفاع والأمن، إلى جانب مجموعة أوسع من الالتزامات.

إلا أن المعطى السياسي يبقى الأهم في مثل هذه القرارات، وهو ما يراه أندريه زاهورودنيوك وزير الدفاع الأوكراني (2019-2020)، إذ يعتبر خطة عمل العضوية وعضوية الناتو نفسها يجري الحصول عليها من خلال قرار سياسي غير مرتبط رسمياً بتنفيذ المعايير. يؤكد الوزير السابق أنه يتعين على أوكرانيا أن تثبت لشركائها أن المعايير قيد التنفيذ كما تحتاج إلى دعم تطلعاتها إلى عضوية الناتو بالأفعال لا الأقوال.

يقول الوزير لمعهد أوكرانيا لإدارة الأزمات: "نحن بحاجة إلى اتخاذ إجراءات للعمل مع الدول التي ليست متأكدة بعد من أن أوكرانيا بحاجة إلى أن تكون عضواً في الناتو، خذ فرنسا على سبيل المثال. يحتاج دبلوماسيونا وقادة دولتنا إلى اتخاذ الإجراءات والضغط على القرارات ذات الصلة، ومن شأن وجود سفير لدى الناتو أن يساعد على ذلك".

TRT عربي
الأكثر تداولاً