استضافت الرياض اجتماعاً حضره وزراء خارجية دول عربية تطل على البحر الأحمر، انتهى بالإعلان عن تأسيس كيان يجمع هذه الدول؛ بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والوقوف أمام القوى الخارجية التي يرى محللون أن المقصود بها إيران وتركيا.

وزير الخارجية السعودي أثناء حضوره اجتماع وزراء خارجية الدول المطلة على البحر الأحمر
وزير الخارجية السعودي أثناء حضوره اجتماع وزراء خارجية الدول المطلة على البحر الأحمر (AFP)

أعلنت سبع دول عربية عزمها على تأسيس كيان يجمع الدول المطلة على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن؛ بهدف تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ما المهم: جاء إعلان تأسيس كيان يجمع الدول المطلة على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن، في البيان الختامي لاجتماع استضافته الرياض، الأربعاء، حضره مسؤولون رفيعو المستوى في وزارات الخارجية لكل من السعودية ومصر والأردن والسودان وجيبوتي والصومال واليمن، استجابة لمقترح سعودي بإنشاء كيان مشترك يكون من شأنه تعزيز الاستقرار والأمن والتجارة في المنطقة، والمساهمة في إيجاد تناغم بين دول البحر الأحمر، ومنع أي قوى خارجية من لعب دور سلبي، بحسب تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير.

ويأتي القرار في سياق تزايد حدة المنافسة بين قوى إقليمية ودولية، على مد نفوذها على سواحل وموانئ البحر الأحمر.

وتعتبر الولايات المتحدة أحد أبرز القوى المتنافسة في هذا الإطار؛ حيث تمتلك أكبر قاعدة لها في أفريقيا على ساحل جيبوتي، بالإضافة إلى إسرائيل التي تمتلك عدداً من القواعد في إريتريا كما تطل مباشرة على البحر الأحمر عبر ميناء إيلات، والإمارات من خلال امتلاكها قواعد في إريتريا وانخراطها في الحرب اليمنية والصراع على السيطرة على موانئ خليج عدن، وإيران الداعمة للحوثيين الذين يسيطرون على ميناء الحديدة اليمني، وتركيا التي أبرمت في 2017 اتفاقاً مع السودان لتطوير جزيرة سواكن، فضلاً عن استضافة الصومال لأكبر قاعدة عسكرية تركية خارج تركيا.

ويعتبر البحر الأحمر أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، نظراً إلى موقعه الإستراتيجي المهم؛ حيث يتوسط ثلاث قارات بربطه البحر المتوسط وأوروبا شمالاً بالمحيط الهندي وآسيا جنوباً، ويمر عبره نحو 15% من التجارة العالمية.

المشهد: يتزامن المقترح السعودي بتأسيس كيان يضم الدول العربية التي تمتلك سواحل على البحر الأحمر، مع أزمة كبيرة يمر بها مجلس التعاون الخليجي منذ منتصف 2017 عندما قررت ثلاث دول خليجية، هي السعودية والإمارات والبحرين، بالإضافة إلى مصر، قطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية وغلق موانئها البرية والجوية والبحرية مع قطر.

ويعتبر محللون هذه الأزمة بمثابة مسمار أخير دُقّ في نعش مجلس التعاون الخليجي، الذي أنشئ في مايو/أيار 1981 استجابة للتحديات التي واجهتها الدول الخليجية عقب الثورة الإسلامية في إيران.

ويُعد اجتماع الرياض الأخير استكمالاً لاجتماعات عُقدت في القاهرة في 11 و 12 ديسمبر/كانون الأول 2017 بين وزراء خارجية السعودية ومصر والأردن والسودان وجيبوتي واليمن وإريتريا. وبينما غابت الصومال عن اجتماعات القاهرة العام الماضي، غابت إريتريا عن اجتماع الرياض هذا العام.

بين السطور: حذر السفير الإسرائيلي السابق في القاهرة وبوخاريست، تسفي مزائيل، في وقت سابق، من تزايد النفوذ التركي في البحر الأحمر من خلال الاتفاقات التي أبرمتها تركيا مع السودان والصومال.

وكتب مزائيل في صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية أن "الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستخدم السودان كموطئ قدم لبلاده في البحر الأحمر في سياق خطته لجعل تركيا قوة إقليمية وإعادة مجد الإمبراطورية العثمانية".

وقال الدبلوماسي الإسرائيلي السابق إن "مصر والسعودية غير راضيتين عن الوجود التركي في السودان والصومال وتعزيز التحالف التركي القطري السوداني، لكن لا يمكنهما التعامل مع تركيا في هذه المرحلة أو مواجهتها؛ لكونهما متورطتين في صراعات أخرى، حيث تركز السعودية على تهديد إيران والحرب اليمنية، كما لم تستطع مصر القضاء على الإرهاب في سيناء وتخشى تدهور علاقاتها مع السودان".

ما التالي: اعتبر المحلل السياسي اليمني ياسين التميمي أن “الكيان الذي أعلِن عن تأسيسه في الرياض، وُلد بشكل مفاجئ من رحم الأزمة التي تعيشها السعودية في هذه المرحلة؛ حيث تسعى الرياض إلى تجاوز ما يشبه العزلة الدولية التي تسببت بها أزمة مقتل الكاتب السعودي البارز جمال خاشقجي“.

وأضاف التميمي لـ TRT عربي، أن “السعوية تسعى إلى إيجاد هامش إقليمي للحركة يسمح بتعظيم نفوذها عبر سياسات راديكالية وغير مفهومة ولم يعهدها جيرانها من قبل“، منوهاً بأنه “سبق أن أعلنت الرياض عن تأسيس تحالف إسلامي ضد الإرهاب وأتبعته بالتحالف العربي ضد الانقلاب المدعوم من إيران في اليمن، وهو ما تآكل واندثر على وقع الأزمة الخليجية وبعد إجهاض محاولة سعودية مصرية وإماراتية لتنفيذ عمل عسكري ضد قطر في حزيران/يونيو 2017”.

وأشار المحلل السياسي اليمني إلى أن “السعودية تحاول التحرر من التصور التقليدي الذي ترسخ عنها في الغرب بوصفها المصدّر الرئيس للتيارات المتشددة والإرهابية؛ نظراً إلى الجذور الفكرية والمذهبية التي تجمعها مع هذه التيارات“.

وتابع: “من الواضح أن السعودية لم تستفد من تجربة الفترة القليلة الماضية، فهي لا تحسن تعيين أعدائها الإستراتيجيين، ويبدو أنها حسمت أمرها بالمضي قدماً في علاقات خفية مع إسرائيل وترقيتها إلى شراكة إستراتيجية معلنة، وفقاً لمؤشرات عديدة بينها تصريحات ولي العهد السعودي بشأن القضية الفلسطينية، والمباركة السعودية لما يُعرف بصفقة القرن“.

وأكّد التميمي أن “كل هذه المؤشرات تدفع إلى الاعتقاد الراسخ بأن مفهوم الأعداء الخارجيين للسعودية وفقا لتصريحات الجبير، بات منحصراً في دول إسلامية رئيسة في المنطقة مثل إيران وتركيا“.

وخلص التميمي إلى أن “رابطة الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، ليست سوى محاولة يائسة لسد الباب أمام التطورات المهمة في العلاقات القائمة بين هذه الدول ودول إقليمية كبرى في مقدمتها تركيا، وهي كذلك محاولة لفرض الوصاية على هذه الدول؛ لأنه لا يوجد ما يدعم قيام شراكة واندماج وتكامل بين الدول المذكورة؛ حيث تغلق السعودية أبوابها أمام رعايا الدول الأعضاء في هذا التكتل الإقليمي الطارئ وأمام حركة البضائع، بما لا يشجع أبداً على التوقع بأن كياناً مثل هذا يمكن أن يكون له شأن إقليمي ودولي في المستقبل“.

المصدر: TRT عربي