أثار إعلان القاهرة تعثُّر آخر جولة من مفاوضات سد النهضة الإثيوبي تخوّفات من نشوب أزمة دبلوماسية بين البلدين. وفيما تُحمّل مصر الجانب الإثيوبي المسؤولية عن ذلك بسبب رفضه "دون مناقشة" المقترح المصري، تُصر أديس أبابا على المضي قدماً في خطتها المعلنة.

إثيوبيا تهدف إلى تشغيل السد بالكامل بحلول 2022
إثيوبيا تهدف إلى تشغيل السد بالكامل بحلول 2022 (Reuters)

بعد نحو عام من توقفها، أعلنت مصر "تعثر" آخر جولة من مفاوضات سد النهضة، والتي جرت في القاهرة بين وزراء المياه والري في مصر والسودان وإثيوبيا، يومي 15 و16 سبتمبر/أيلول الجاري، بسبب رفض الجانب الإثيوبي "دون نقاش" المقترح الذي تقدّم به الجانب المصري بخصوص خطة تشغيل وملء السد الذي تبنيه إثيوبيا على حدودها مع السودان، على حد تصريحات وزارة الري المصرية.

نقاط الخلاف الأساسية

تشير مذكرة وزعتها وزارة الخارجية المصرية على الدبلوماسيين الأسبوع الماضي إلى الفجوة بين رؤيتي البلدين، إذ يتمثل الخلاف الأساسي حول التدفق السنوي للمياه التي ينبغي أن تحصل عليها مصر وكيفية إدارة عمليات التدفق أثناء فترات الجفاف.

وعلى الرغم من أن الطرفين يتفقان على أن تستغرق المرحلة الأولى من المراحل الخمس لملء السد عامين، فإن الاقتراح المصري يشترط أنه في حال تزامن بدء أعمال المرحلة الأولى مع فترة جفاف في النيل الأزرق في إثيوبيا، على غرار ما حدث في 1979 و 1980، فيجب تمديد فترة العامين للحفاظ على منسوب المياه في السد العالي بأسوان من التراجع إلى أقل من 165 متراً، وهو ما ترفضه إثيوبيا على نحو قاطع، وفقاً للتصريحات المصرية.

وبعد المرحلة الأولى من التعبئة، يتطلب اقتراح مصر تدفق ما لا يقل عن 40 مليار متر مكعب من مياه السد سنوياً، بينما تقترح إثيوبيا 35 مليار متر مكعب، وفقاً للمذكرة المصرية.

وتنسب المذكرة إلى إثيوبيا أنها قالت بعد الاطلاع على المقترح المصري إنه "يضع عملية ملء السد في وضع مستحيل"، وهو أمر تنفيه مصر التي تشدد على أن ما يريده الإثيوبيون "منحاز بقوة ومجحف لمصالح دول المصب"، وفقاً للمذكرة التي اطلعت عليها وكالة رويترز.

أديس أبابا أعلنت عزمها بناء سد النهضة في 2011
أديس أبابا أعلنت عزمها بناء سد النهضة في 2011 (Reuters)

القاهرة تحذّر

أعرب وزير الخارجية المصري سامح شكري، الثلاثاء، عن استياء بلاده من تعثّر الجولة الأخيرة من المفاوضات محمّلاً الجانب الإثيوبي المسؤولية عن ذلك، وأكّد شكري أن مصر لن تسمح لأي طرف بأن يملي إرادته المنفردة عليها فيما يتعلق بقضية سد النهضة، وفقاً لجريدة الأهرام المصرية المملوكة للدولة.

وحذّر شكري، في مؤتمر صحفي جمعه بنظيره الفرنسي جان إيف لودريان في القاهرة، من أن يكون هدف الطرف الآخر من المفاوضات هو "إضاعة الوقت"، لافتاً إلى أن تعثّر "المفاوضات بعد انقطاعها لنحو سنة وثلاثة أشهر في ظل وجود فنيين في اجتماع أمس أمر يدعو للاستغراب".

وكانت وزارة الري والموارد المائية المصرية أصدرت، عقب الاجتماعات، بياناً عزَت فيه فشل المفاوضات إلى "تمسك إثيوبيا برفض مناقشة الطرح الذي سبق ‏‎وأن قدمته مصر للبلدين". وأكّد البيان أن مصر "ترى أهمية أن ينخرط الجانب الإثيوبي في مفاوضات فنية جادة خلال الاجتماعات القادمة التي تقرر عقدها في الخرطوم على أساس من حُسن النية".

وأشار بيان وزارة الري كذلك إلى أن الاجتماعات لم تتطرق "إلى الجوانب الفنية، واقتصرت على مناقشة الجوانب الإجرائية والتداول حول جدول أعمال الاجتماع دون مناقشة المسائل الموضوعية"، موضحاً أنه في "ضوء هذا التعثر، لم يتسن إلا أن تقرر عقد اجتماع عاجل للمجموعة العلمية المستقلة في الخرطوم خلال الفترة من 30 سبتمبر/أيلول الحالي إلى 3 أكتوبر/تشرين الأول القادم"، ليكون هذا الاجتماع سابقاً لاجتماع آخر يضم "وزراء المياه في الدول الثلاث يومي 4-5 أكتوبر المقبل، لإقرار مواضع الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل لسد النهضة".

التطور الزمني للأحداث

بدأت أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا قبل نحو ثمانية أعوام، عندما أعلنت أديس أبابا في 2011، عن عزمها الشروع في بناء سد النهضة، الذي قالت إن تكلفة بنائه ستبلغ 4 مليارات دولار، وإنه صُمّم ليكون حجر الزاوية في مساعي إثيوبيا لتصبح أكبر دولة مصدرة للطاقة في أفريقيا من خلال توليد أكثر من 6000 ميجاوات.

في البداية، رفضت مصر القرار الإثيوبي جملة وتفصيلاً، معللة بأنها تحصل على أكثر من 90% من المياه اللازم للري والشرب من نهر النيل، وأن الخطوة تخالف معاهدات أُبرمت في خمسينيات القرن الماضي وتحظر على دول المنبع المساس بحصة دولتي المصب، مصر والسودان، من مياه النيل.

بعد ذلك، خاضت الدول الثلاث المعنية جولات من المفاوضات، إلا أنها في المجمل مرّت بتعثرات متعاقبة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2013، حدث تطورٌ لافتٌ، إذ تغيّر الموقف السوداني من معارضة بناء السد إلى تأييده.

وبعد انخراط لجنة مشكّلة من وزراء الخارجية والري للدول الثلاث، وُقعت أخيراً وثيقة الخرطوم، عام 2015، والتي أقرت فيها مصر بحق إثيوبيا في بناء السد، كما اتُّفق على تكليف مكتب استشاري فرنسي بتنفيذ الدراسات الفنية للسد بالتعاون مع مكتب هولندي، وإلزام إثيوبيا بالبند الخامس من الوثيقة، المشترِط الاتفاق على قواعد الملء الأول والتشغيل للسد. وهو ما تراجعت عنه إثيوبيا لاحقاً، كما تنازلت مصر ووافقت على قيام المكتب الفرنسي منفرداً بتقديم الاستشارات الفنية.

استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم بقصر الاتحادية رئيس الوزراء الأثيوبي السيد أبيى أحمد الذي يقوم بزيارة...

Posted by ‎AbdelFattah Elsisi - عبد الفتاح السيسي‎ on Sunday, 10 June 2018

وفي يونيو 2018، أجرى رئيس الحكومة الإثيوبية أبي أحمد زيارة إلى القاهرة، انتهت باتفاق الطرفين على ضرورة بدء التفاوض حول اتفاقية ملء السد، ولكن أبي أحمد بعدها أعلن أن بلاده تنوي بدء الملء في العام نفسه.

وظلّت المفاوضات منذ ذلك الحين معلّقة، حتى انعقاد الجولة الأخيرة في القاهرة، قبل أن تعلن مصر تعثّرها.

يُذكر أن تقريراً صادراً عن مجموعة الأزمات الدولية هذا العام، حذّر من أن مصر وإثيوبيا والسودان يمكن "أن تقع في أزمة إن لم تبرم صفقة قبل بدء عملية تشغيل السد".

المصدر: TRT عربي