كانت تركيا من أولى الدول التي سارعت لمساعدة اليونان المنكوبة بالمجاعة / صورة: AA (AA)
تابعنا

أسفر سقوط العاصمة اليونانية أثينا في يد النازيين في 27 أبريل/نيسان 1941، وما تلاه من احتلال دول المحور لليونان (ألمانيا وبلغاريا وإيطاليا )، عن تدمير البنية التحتية والصناعة والزراعة في البلاد، والتي كانت تأثرت سلباً بالفعل خلال شهور الحرب العالمية الثانية.

وتفاقمت الأوضاع بإطلاق الاحتلال النازي برنامجاً قاسياً للاستغلال الاقتصادي استلزم تقنين المواد الخام والمواد الغذائية من اليونان، من أجل توفير الملابس والطعام والتجهيزات للجيوش الألمانية التي تقاتل في جميع أنحاء أوروبا.

وإلى جانب حصار الدول الحلفاء لليونان، شهدت البلاد نقصاً حاداً في الغذاء لا سيّما في العاصمة أثينا ومدينة بيرايوس الساحلية المجاورة.

ووفقاً للمؤرخ اليوناني بوليمريس فوجليس، مات ما لا يقل عن 300 ألف يوناني، بسبب الجوع أو سوء التغذية في أثناء الاحتلال الذي استمر حتى أكتوبر/تشرين الأول 1944.

سفينة الشحن كورتولوش

وكانت تركيا من أولى الدول التي سارعت لمساعدة اليونان المنكوبة بالمجاعة، حسب مدير عام الهلال الأحمر التركي، إبراهيم ألتان.

وقال ألتان، إن تركيا التي واجه سكانها أيضاً نقصاً حاداً في الغذاء إذ اضطر ملايين الرجال إلى مغادرة الحقول للتعبئة العسكرية "لم تتجاهل المحنة التي كان يتعين على اليونان المجاورة تحملها".

وأوضح أن الدفعة الأولى من المساعدات الإنسانية التركية غادرت مدينة إسطنبول في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1941 على متن سفينة الشحن التركية "إس إس كورتولوش" التي تعني بالعربية "النجاة"، ولعبت دوراً حاسماً في تخفيف معاناة كثير من اليونانيين.

وأشار إلى أن السفينة كان على متنها أكثر من 2000 طن من الأغذية، بما في ذلك الأسماك ولحم الخنزير والبيض والبطاطس.

واعتبر ألتان، أن سفينة الشحن "كورتولوش" القديمة والتي كان يبلغ عمرها آنذاك 60 عاماً، لم تحمل فقط مساعدات، بل حملت أيضاً "الأمل ومشاعر التضامن مع اليونان".

وأضاف أنه على الرغم من غرق السفينة في بحر مرمرة في رحلتها الخامسة للإغاثة إلى اليونان في فبراير/شباط 1942، بسبب الظروف الجوية غير المواتية بعد توقف إجباري دام 6 أشهر، فإن المساعدات استمرت ونُقلت من خلال سفن تركية أخرى سيّرتها الحكومة وجمعية الهلال الأحمر.

وفي السياق، قال ألتان إن سفن الشحن "دوملوبينار"، و"تونك"، و"قونية"، و"جونيسو"، و"أكسو" نقلت ما لا يقل عن 50 ألف طن من المساعدات الإنسانية إلى اليونان بحلول عام 1946.

وأردف أن السفينة "دوملوبينار" جلبت أيضاً نحو 1000 طفل يوناني مريض تتراوح أعمارهم بين 13 و16 عاماً إلى إسطنبول للتعافي في مكان آمن.

المساعدات الإنسانية التركية

ومن جهتها، أكدت جاجلا ديريا تاجمات، عالمة التاريخ يوناني الحديث في جامعة أنقرة، أن المساعدات التركية لليونان لم تبدأ بتسيير سفينة الشحن "كورتولوش".

وقالت تاجمات، إنه ابتداءً من خريف عام 1940، انطلقت الإغاثات التركية للجارة الغربية اليونان التي كانت تكافح من أجل الاستقلال، بتزويدها بأطنان من الملح، وآلاف لقاحات التيتانوس "الكزاز" وأمصال النخر.

وأضافت أنه فيما لم تمول الحكومة التركية ، التي كانت تعاني آنذاك من ضائقة مالية شديدة، جميع المساعدات "كانت دبلوماسية أنقرة وحيادها حاسمَين في الحصول على الكميات الهائلة من المواد الغذائية التي كانت إليها حاجة ماسة ، عبر بحر إيجة حيث اندلع الصراع الأكثر فتكاً في العالم".

وتابعت: "أسهم عديد من المنظمات المهنية التركية وعامة الناس من مدخراتهم في حملات التبرع التي مولت جزءاً كبيراً من مواد الإغاثة".

وأردفت تاجامات مستشهدة بمقابلاتها ودراساتها الأرشيفية، أن عديداً من اليونانيين ما زالوا يتذكرون ويقدرون بشدة المساعدة التي أرسلتها تركيا.

وفيما يتعلق بوضع أنقرة المحايد لمعظم الحرب، لفتت توجبا إيراي بيبر، الخبير في العلاقات التركية-اليونانية في جامعة معمار سنان في إسطنبول، إلى أن تركيا "كانت بارعة في استخدام موقفها المحايد لمساعدة اليونان".

وقالت إن الجمعيات المهنية التركية التي أرسلت مواد إغاثة إلى اليونانيين تضم صحفيين وموظفي بنوك ورياضيين وموظفي البلدية.

أشارت إلى أن السفينة "كورتولوش" باعتبارها أول سفينة محملة بالمساعدات تصل إلى اليونان "اكتسبت شهرة سريعة، وأصبحت بصيص أمل في أعين عديد من اليونانيين، لا سيما في أثينا وبيرايوس".

غرق كورتولوش

وكشفت بيبر أنه في إحدى المناسبات، اقترح الصحفيون اليونانيون الذين زاروا "كورتولوش" لالتقاط الصور أنهم سيطلقون حملة تبرعات لشرائها وتحويلها إلى متحف بمجرد انتهاء الحرب، كما كانت أفكار لتسمية أحد شوارع العاصمة اليونانية أثينا على اسم الهلال الأحمر التركي.

وأضافت أن نبأ غرق سفينة كورتولوش كان وقعه مدمراً على كثيرين، بينهم رئيس الوزراء اليوناني آنذاك جورجيوس تسولاكوغلو، الذي أدلى بتصريحات للصحافة للتعبير عن حزن الأمة اليونانية لهذه الحادثة.

وفي هذا الشأن، أشارت بيبر، إلى بيان صدر عن السفارة التركية في اليونان ووُجِّه إلى وزارة الخارجية في أنقرة، وجاء فيه أن عديداً من اليونانيين يعتقدون أن السفينة كورتولوش "جرى استهدافها".

ويشار إلى أن المساعدات التركية لليونان خلال تلك الأوقات العصيبة، تبرز أهمية تذكر أن العلاقات بين الجارتين التاريخيتين، تركيا واليونان، لا تستند فقط إلى الخلافات والتوترات.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً