أكاديمية إسرائيلية: إثارة الخوف هي سمة نتنياهو المعروفة (Chip Somodevilla/Getty Images)

نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تخطي الرقم القياسي أو يكاد، كأحد أكثر رؤساء الحكومات بقاءً في منصبه بالتاريخ، وذلك عبر سياسات باتت مكشوفة تتسم بها شخصيته السياسية والتي تستند على "بث الخوف" واختلاق الأزمات وتفتيت معسكرات الخصوم الذين يهددون عرشه، كما حصل تماماً مع بيني غانتس زعيم حزب أزرق-أبيض الذي حصل على مقاعد برلمانية تخوّله ترؤس الحكومة، لكنه غدا بين ليلة وضحاها إلى أضعف زعيم حزب سياسي بإسرائيل لا يكاد يحصل، وفق استطلاعات الرأي، على أصوات تكفل له بمفرده الدخول للبرلمان فضلاً عن حزبه.

وبات أمراً واقعاً في إسرائيل، أن يسعى نتنياهو على رأس كل انتخابات إلى اختلاق أزمة أو بث الرعب من تهديد قادم يتربص بالإسرائيليين في كل آن وحين، ولمّا لم يجد عدواً يشاطره الاهتمام ذاته ويمنحله فرصة "التسلق" على كتفيه للوصول إلى كرسيه، وجّه نظرية المؤامرة إلى الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، الذين اتهمهم خلال الانتخابات التي جرت عام 2015 وكذلك في سبتمبر/أيلول عام 2019 بأنهم "يهرولون" إلى صناديق الاقتراع وفي نيّتهم تدمير دولة إسرائيل، في مسعى إلى حث جمهوره من اليمينيين على التصويت.

ويسجل التاريخ لنتنياهو الكثير من المواقف التي سعى خلالها إلى تخويف الإسرائيليين والعالم من "الأعداء" المتربصين، والذين تشتعل معهم المناكفات وتبدأ حالة التوتر التي تصل في أحايين كثيرة إلى حد التحرش العسكري "مصادفة" قبيل الانتخابات التي تكررت كثيراً حتى بلغت أربع انتخابات خلال عامين فقط، في رقم قياسي عالمي، وصلت إليه إسرائيل لسبب واحد فقط وهو حرص نتنياهو على البقاء في منصبه ومحاولة تغيير السياسة الإسرائيلية برمتها والتحكم بالسلطة القضائية للفرار من تهم الفساد التي تُلاحقه وتكاد تلقي به في غياهب السجون.

التخويف سرّ النجاح

عام 2015، وعندما زار نتنياهو باريس للمشاركة في مسيرة للتضامن مع مجلة "شارلي إيبدو"، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عنه قوله خلال لقاء مع قادة إسرائيليين وفرنسيين: "لقد جئت إلى باريس ليس فقط كرئيس وزراء إنما كممثل عن الشعب اليهودي كله، وكما جئت إلى باريس سوف أكون في كل مكان أدعى إليه من أجل إيصال رسالة إسرائيل لكل من يريد سلبنا نفوسنا، أوّلهم النظام الإيراني الذي يريد القضاء علينا".

تقول إيفا إيلوز وهي أستاذة علم الاجتماع في الجامعة العبرية في القدس وكلية الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية في باريس في مقال نشرته صحيفة "هآرتس": إن "تصريحات نتنياهو المتكررة حول إيران والحديث عن الخطر المحدق بشكل متواصل هما سبب نجاحه المستمر".

وتضيف: "التخويف هو إحساس سياسي من خلاله يتم التأثير على توجهات الناخبين السياسية، حتى في الأنظمة الديمقراطية، إذ يقوم بتوجيه خطاباته للأعداء بالخارج لكن تصريحاته تتصدر وسائل الإعلام المحلية ويتحول من خلالها إلى نجم وسائل الإعلام ويبقى مسيطراً على ظهوره بشكل متواصل".

وتشير إلى أن نتنياهو يستخدم التخويف كوسيط من أجل إدارة الحديث السياسي في الدولة "يظهر البرنامج النووي الإيراني والدول العربية وكراهية أوروبا لليهود على أنها تهديدات مستمرة، وكذلك يصرّح على الدوام بأن اليسار يريد بيع إسرائيل للعرب، أو أن الجميع من الداخل والخارج يريدون أن يسجنوا اليهود والإسرائيليين ويحيطون بهم".

صناعة الأعداء

وتقول: إن "إثارة الخوف هي سمة نتنياهو المعروفة، بل نجح أيضاً باختراع أنواع جديدة منه إذ يستطيع بث التخويف من الأنظمة الديكتاتورية والديمقراطية على حد سواء، ويظهر الذين يعارضونه على أنهم يمثلون الأعداء الخارجيين، فهو على سيل المثال يتحدث بشكل مستمر عن الأعداء الخارجيين مثل: إيران، العرب، حماس، الفلسطينيين، اللاسامية، الأوروبيين، وليس بشكل أقل عن الأعداء من الداخل مثل: اليسار، العلمانية، رابين، هرتسوغ، والذين لطالما ادعى أنهم يمثلون أعداء الخارج داخل إسرائيل وأنهم خونة".

وتوضح إيفا إيلوز أن "نتنياهو يستخدم عنصر التخويف من أجل كسب مرابح سياسية".

قبيل الانتخابات التي جرت مطلع عام 2019، لم يجد نتنياهو توتراً كافياً مع إيران أو دول خارجية لإشعال الحلبة السياسية والعسكرية وحث اليمين على التصويت، فلم يجد حرجاً من التلويح بحرب على قطاع غزة إذ قال قبيل الانتخابات بأيام ثلاثة فقط: إن "إسرائيل قد تشن حرباً على غزة في أي لحظة"، مشيراً إلى أنه "لا مفر من عملية عسكرية بالقطاع".

الخوف.. طريق الفوز بالانتخابات

ودأب نتنياهو على استخدام ورقة الفلسطينيين لدى كل انتخابات تقريباً، على اختلاف أشكالها، إذ حاول بالتعاون مع إدارة ترمب الترويج لصفقة القرن المزعومة قبل الانتخابات التي جرت مطلع عام 2020 والتي تشجع الاستيطان وسلب أراضي الضفة الغربية لاسترضاء اليمين الإسرائيلي، وهو ما ساهم بشكل فعلي في كسب نتنياهو المزيد من الأصوات بالانتخابات.

وسيطرت إيران والفلسطينيون على خطاب نتنياهو الذي يسبق الانتخابات عادة بشكل متواصل.

وسبق لعدد من الوزراء والقيادات في إسرائيل أن كشفوا نيات نتنياهو من استخدام "التخويف" للفوز بالانتخابات، ومن ضمنهم عضو الكنيست دوف حنين.

وكان رئيس المعارضة في الكنيست الإسرائيلي السابق يتسحاق هرتسوغ بيّن أن "نتنياهو يبث الكثير من التخويف في قلوب المواطنين، إنه يفعل ذلك بشكل متواصل منذ سنوات ما يؤثر سلباً على الحس الوطني، إسرائيل باتت بحاجة إلى زعيم آخر يقودها وليس إلى زعيم يخوّف شعبها".

وأضاف: "كنا نعرف التهديد الذي يحيط بإسرائيل، لا أدعو إلى تجاهل ذلك لكنني أدعو إلى تسمية الأمور بأسمائها وبث الأمل بدل الخوف".

سياسة التخويف

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد سبق لحزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو أن اتهم المشاركين الإسرائيليين في مظاهرات واسعة النطاق تطالب بإقالة نتنياهو على خلفية تهم الفساد التي تحيط به بأنهم "على علاقة مع إيران".

وأثارت تلك التصريحات جدلاً واسعاً في إسرائيل، وقال عضو الكنيست يائير غولان مستهزئاً: "ربما تدعم إيران أيضاً الجمعيات اليمينية التي تدعم نتنياهو من أجل إثارة الكراهية بالمجتمع".

وسبق للاتحاد الأوروبي أن كشف طباع نتنياهو عبر بيان رسمي استبق التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران، وهو بيان تناولته وسائل الإعلام العبرية يومها بشكل واسع، وأثار الانتباه في إسرائيل لما يسعى إليه نتنياهو الذي عارض الاتفاق النووي.

وتحدث الاتحاد الأوروبي بصراحة يومها عن "سياسة التخويف" التي يتبعها نتنياهو، وقال: إن "زرع الخوف وبثه حول البرنامج النووي الإيراني هو أمر لا يجدي نفعاً". وجاء البيان المذكور بعد خطاب لنتنياهو في الكونغرس الأمريكي لحث المشرعين على رفض الاتفاق النووي.

التخويف صديق نتنياهو المقرب

تقول صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن زراعة الخوف باتت أهم ركيزة لنتنياهو وأحزاب اليمين في إسرائيل، لكنها تشير إلى أن "الخوف سلاح خطير".

وتضيف "الأمن، والحرب العسكرية، أكثر ما يؤثر على السياسة والمواطنين في إسرائيل، لدرجة أن إسرائيل إحدى أكثر الدول بالعالم إنفاقاً على السلاح والصناعات الدفاعية".

وتقول الصحيفة: "نتنياهو فهم بشكل جيّد أن الخوف هو أكثر ما يلفت الانتباه بالنسبة إلى الإسرائيليين، لقد استخدم التخويف دون أن يستريح، يتلاعب بالأمر على طريقته الخاصة من أجل خدمة مصالحه الخاصة".

وتضيف: "التخويف يعد رفيق نتنياهو المقرب ولعل هذا ما يفسر بقاءه بالسلطة حتى اليوم، إن استخدامه للتخويف يعد جزءاً من سياسته منذ زمن بعيد، استخدمه ضد السلام مع الفلسطينيين والتحريض على رابين، ونجح في صناعة خوف كبير حول اتفاقية أوسلو تماماً كما فعل حول الاتفاق النووي مع إيران".

وتشير إلى أن نتنياهو ذهب بعيداً في سياسة التخويف وصولاً إلى اتهام الفلسطينيين بالتعاون مع هتلر والنازية لإبادة اليهود والتآمر عليهم، واستطاع مؤخراً تقسيم إسرائيل نفسها إلى معسكرين، الأول يسعى إلى الدفاع عنها وحمايتها والآخر هو الذي يتآمر عليها ويهددها.

وتقول إن نتنياهو استطاع وصم أعضاء كنيست عرب وجمعيات حقوق الإنسان بأنهم يشكلون خطراً على إسرائيل، وأدخل الخوف إلى داخل إسرائيل وأظهر اليسار على أنه عدو يتبع لأجندة دول خارجية، وجعل سياسة التخويف السياسة المعتمدة لدى معسكر اليمين.

كورونا.. ذريعة أخرى للتخويف

ولم يقف نتنياهو عند حد التخويف من التهديدات الأمنية والعسكرية، إذ اتهم من قبل أوساط إسرائيلية مختلفة ببث الرعب والتخويف من جائحة كورونا لأغراض سياسية أيضاً.

وانتقد الوزير الإسرائيلي تساحي هنغبي سياسة حكومة نتنياهو تجاه الجائحة، مشيراً في تصريح لموقع "واللا" الإسرائيلي إلى أن "تعامل الحكومة مع الجائحة يخلق المزيد من الخوف لدى المواطنين بدلاً من الأمل".

يقول "المركز الإسرائيلي للديمقراطية" في مقال تحت عنوان "الخوف والديمقراطية في زمن كورونا": إن "سياسة التعامل مع الجائحة في إسرائيل كانت في ظل جائحة عالمية وأزمة سياسية"، مشيراً إلى أن هذه الحالة شديدة التأثير السلبي على الديمقراطية، خاصة أن أهم ركيزة للديمقراطية هي شرعية النظام.

ويضيف: "استخدام حالة الطوارئ وتجميد عمل السلطة التشريعية في ظل الصراع على الحكم يجعل الدولة كلها في حالة اشتباه، كل تصرف أو حركة أو مبادرة مثل قيام حكومة نتنياهو بتعيين رئيس جديد للكنيست أو السعي إلى عقد جلسات للجان مختلفة، كل ذلك يعد سعياً إلى استغلال الوضع القائم لتحقيق مكاسب سياسية".

ويشير المركز إلى أنه "كان على نتنياهو أن يقول علانية إن صراعه مع فيروس كورونا هو الصراع الأخير الذي يخوضه، وبعد ذلك يتفرغ للدفاع عن نفسه وتفريغ مكانه".

TRT عربي
الأكثر تداولاً