ماكرون لا يعدّ إرث ديغول رمزياً ولا تاريخياً فقط، بل يعمل على إعادة إحياء العقيدة السياسية الديغولية لتكون عقيدته الخاصّة وأيديولوجيا جديدة لحزبه (AFP)

في يونيو/حزيران الماضي كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستعد لإجراء أول زيارة له إلى الخارج منذ بدء أزمة فيروس كورونا. الأزمة الداخلية كانت في تفاقم مستمر منذ ما قبل كورونا، والفيروس كان قد وضع فرنسا ضمن العشرة الأوائل في عدد الإصابات ساعتها، قبل أن تصبح الخامسة عالمياً والثانية أوروبياً.

توجّه ماكرون في 18 يونيو/حزيران إلى بريطانيا، لإحياء الذكرى الثمانين للنداء الذي وجهه الجنرال شارل ديغول في التاريخ نفسه عام 1940 إلى الفرنسيين عبر هيئة الإذاعة البريطانية لمواصلة المقاومة ضد ألمانيا. كان ماكرون، بحركته هذه، يحاول الهروب من أزمات الحاضر إلى التاريخ، محاولاً "الاستحمام في مجد ديغول" حسب تعبير مجلة ذا سبيكتاتور البريطانية.

"عباءة الجنرال" أو ماكرون الديغولي

لم تكن هذه المناسبة الوحيدة التي يستنجد فيها ماكرون بالجنرال والرئيس الأسبق ومؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة، كما أنه ليس الوحيد الذي يتبنّى إرث ديغول الرمز اليميني في البلاد "الذي بات ملاذاً تعود إليه الطبقة السياسية الفرنسية أجمع، ولا سيما في ظل الأزمة الحالية التي أعادت طرح مفاهيم السيادة و"الديغولية الاجتماعية""، حسب تعبير وكالة الصحافة الفرنسية.

لكن ماكرون، على عكس الطيف السياسي اليميني في فرنسا، لا يعدّ إرث ديغول رمزياً ولا تاريخياً فقط، بل يعمل على إعادة إحياء العقيدة السياسية الديغولية لتكون عقيدته الخاصّة وأيديولوجيا جديدة لحزبه "الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدأ وسطياً ليبرالياً، وبات اليوم أقرب إلى اليمين، وأدخلته الخسارات السياسية المتتالية وتخبّط ماكرون في حيرة أيديولوجية.

في هذا الصدد، كتبت مجلة ذا سبيكتاتور أن ماكرون يحاول إدخال نفسه تحت "عباءة الجنرال"، في ظل الحديث الداخلي في فرنسا اليوم عن "اكتفاء فرنسا الذاتي، والوطنية الاقتصادية، والحاجة لإحياء عظمة فرنسا". ماكرون، إذن، كان في حاجة إلى صورة، إلى إعادة استلهام ديغول كي يدخل هذا النقاش الداخلي من بابه الرمزي بعدما فشل في دخوله من باب الإنجازات أو حتى التخطيط السياسي.

من جهة أخرى يركّز ماكرون، الذي فقد شعبيّته في الداخل الفرنسي منذ أزمة السترات الصفراء، على السياسة الخارجية، مستلهماً عقيدة ديغول التي كانت تقوم على استخدام القوّة وقت اللزوم، وقيادة أوروبا في الملفات الحساسة، على الرغم من أن فرنسا اليوم لم تعد في موضعها القيادي كما كان شأنها وقت ديغول، ويبدو ذلك جلياً اليوم في عدم قدرة ماكرون على إقناع قادة أوروبا داخل وخارج إطار الاتحاد الأوروبي بمواجهة تركيا.

تقوم عقيدة ديغول في السياسة الخارجية على مبدأ "احترام التحالفات دون التماهي مع الولايات المتحدة"، وهو مبدأ اتّبعه كل رؤساء الجمهورية الخامسة حتى عهد شيراك، وتخلى عنه ساركوزي وهولاند فقط، ويحاول ماكرون العودة إليه اليوم، حسب صحيفة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية.

يظهر ذلك جلياً في استغلال ماكرون لضعف الولايات المتحدة في عهد ترمب، وانشغال الإدارة الأمريكية بالمعارك السياسية الداخلية قبيل الانتخابات الرئاسية، ليحرّك التأثير الخارجي الفرنسي، تارة في افتعال الخصومات مع تركيا ومهاجمتها في عدد من الملفات، وتارة في التدخل الفجّ في السياسة الداخلية اللبنانية التي تُعيد صورة المُستعمِر القديم.

شيطنة الإسلام أو "هكذا نفهم العلمانية!"

من باب تصدير الأزمة أيضاً، كان على ماكرون أن يجد مخرجاً آخر، غير أنه لم يذهب بعيداً هذه المرة، والتفت إلى ضواحي العاصمة الفرنسية التي تمثّل نموذجاً للهامش الفرنسي ككلّ، رافعاً هذه المرة شعار محاربة ما أسماه "الانفصالية أو الانعزالية الإسلامية".

عاد ماكرون مرة أخرى إلى التاريخ، وإلى أسس الجمهورية الخامسة الديغولية، ليرفع شعار الخصوصية الحضارية الفرنسية وعلمانيتها الصلبة، في وجه المجتمعات المسلمة داخل الأراضي الفرنسية، متهماً إياها بتغذية التطرف وإبعاد فرنسا عن هويتها الحضارية، وبناء مجتمع موازٍ أو "المجتمع المضاد" الذي يربّي أبناءه على مبادئ تنافي "علمانية" فرنسا.

فخلال الأشهر الماضية، طالت تصريحات الرئيس الفرنسي مراراً المسلمين، تأتي في سياق حساس في فرنسا حيث تعد العلمانية الصلبة "قيمة" أساسية، في حين يمثل الإسلام الديانة الثانية في البلاد وهو ما يثير رعب الطبقة السياسية الفرنسية واليمينية منها على وجه الخصوص، ومن ثمّ يُفهم تصريح ماكرون بالقول: "لا يجب علينا مطلقاً القبول بأن تكون قوانين الدين أعلى من قوانين الجمهورية".

ومن أسباب التصعيد ضد المسلمين في فرنسا، زحفُ ماكرون في اتجاه تيار اليمين المتطرف، إذ قال الباحث في المعهد الكاثوليكي في باريس، جميل الحمري، إن استبدال الحكومة الفرنسية معركة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بإقرار تشريعات لمواجهة المسلمين تعدّ بمثابة إلهاء للشعب الفرنسي، حسب ما صرّح به في وقت سابق للأناضول.

وأضاف: "حكومات اليمين واليسار على مدى عشرين أو ثلاثين عاماً الماضية، استخدمت الموضوعات المتعلقة بالإسلام والمسلمين ذريعة لتخفي بها عيوبها، وعدم معالجتها للقضايا التي تهم الفرنسيين".

غير أن ماكرون لم يكتف بذلك، إذ استغل الجدل الذي أطلقه مشروعه لمحاربة "الانعزالية الإسلامية"، وتصريحه بأن "الإسلام في أزمة حول العالم"، ومن ثم حادثة قتل المدرس الذي عرض رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد على تلامذته، ليعمّق خطابه المهاجم للإسلام، ويشعل بذلك موجة غضب عالمية من حيث لا يدري.

وجد ماكرون في شيطنة الإسلام ومجتمعات المسلمين في أوروبا والجدل والغضب الذي أثارته، فرصة جديدة لنقل المعركة إلى الخارج مرّة أخرى، محاولاً ترهيب أوروبا من خطر الإسلام، وتقديم نفسه وفرنسا قائداً لمحاربته، في استعادة للدور الطليعي الذي كان أساساً للديغولية، على الرغم من أن كثيراً من الدول الأوروبية لا تتشاطر الفهم الصلب للعلمانية مع فرنسا.

في هذا الصدد، قالت مجلة فورين بوليسي الأمريكية إن النقاش حول "الإسلاموية" بدأ يتحرّك في أوروبا بشكل كبير، وأنه كما يحاول ماكرون تأطير النقاش بدأ التخوف يزداد من الإسلاميين الذي يعملون ضمن إطار القانون أكثر من التخوف من الجهاديين، وأن هذا الخوف بات اليوم مشتركاً بين السياسيين والمفكرين على مختلف أطيافهم، بعد أن كان نقاشاً يمينياً خالصاً.

وعلى الرغم من أن ماكرون قد يبدو ناجحاً في تصديره للأزمة الداخلية إلى الخارج وتحويلها إلى صراع حضاري، فإن حركته هذه جنت عليه من حيث لا يدري، ذلك أنه في وسط غضب المسلمين حول العالم بدأت حركة مقاطعة للمنتجات الفرنسية ماضية في الاتساع يوماً بعد يوم، وهو ما قد يعمّق الأزمة الاقتصادية في البلاد، وهي الأزمة الحقيقية التي حاول ماكرون التهرب منها في الأساس.

حكومة ماكرون وبعد أيام قليلة من بدء الحملة، استجدت حكومات الدول الإسلامية وقف دعوات مقاطعة سلعها، التي قالت وزارة خارجيتها إنها "عبثية ويجب أن تتوقف فوراً"، في حين هدأ ماكرون نفسه من خطابه قائلاً إنه يتمسك برفض" خطاب الحقد" ويقبل "الخطاب السلمي"، فهل يتراجع ماكرون عن حربه الحضارية كما تراجع عرّابه ديغول بعد هزيمته في الجزائر؟

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً