بدلاً من الانشغال بالرد على اغتيال سليماني وزادة، تحاول إيران احتواء التصعيد الأمريكي الإسرائيلي وتجنب مواجهة عسكرية غير محسوبة العواقب (Reuters)

مر عام كامل دون رد إيراني فعلي على اغتيال واشنطن للجنرال قاسم سليماني، رغم سيل من التهديد والوعيد لم ينقطع حتى اليوم، مع قرب مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب البيت الأبيض.

آخر تهديدات الانتقام، جاءت على لسان إسماعيل قآني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي خلف سليماني في هذا المنصب، حيث تعهد باستهداف واشنطن "في عقر دارها".

جاء هذا التهديد خلال مراسم نظمت في جامعة طهران، الجمعة، لإحياء الذكرى الأولى لمقتل القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني بغارة أمريكية في 3 يناير/كانون الثاني 2020 قرب مطار بغداد.

اكتفت إيران بعدها بأيام قليلة باستهداف قاعدتين عسكريتين في العراق تضمّان جنوداً أمريكيين. ومنذ ذلك الحين يشن وكلائها هناك هجمات على أهداف أمريكية، ما يعتبره مراقبون ردا غير حاسم.

آخر تلك الهجمات كان إطلاق وابل من 21 صاروخاً سقطت بالقرب من مجمع السفارة الأمريكية في بغداد في 20 ديسمبر/كانون الأول، ممَّا أثار غضب مئات الدبلوماسيين الأمريكيين المنتشرين في المنشأة مترامية الأطراف والتي تخضع لحراسة مشددة. واتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إيران بالوقوف وراء الهجوم.

انتقام فعلي؟

لكن، هل تعتبر الردود المتناثرة انتقاماً جدياً؟ يجيب عن هذا السؤال موقع "atlantic council" ساخراً: "أطلقت إيران (بعد اغتيال سليماني بأيام) صواريخ على قاعدة عراقية حيث كان يوجد أمريكيون، ممَّا تسبب في ارتجاج وإصابات دماغية لـ 100 جندي وامرأة ولكن لم يسفر عن سقوط قتلى".

وجاء أكبر عدد من القتلى في 8 يناير/كانون الثاني 2020 عندما ظن عضو مذعور في الحرس الثوري أن طائرة ركاب مدنية أوكرانية، طائرة أمريكية معادية، وأسقطت الطائرة وقتل جميع من كانوا على متنها وعددهم 176 شخصاً، وفق تعبير الموقع.

أبعد من ذلك اغتيل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده (63 عاماً) في 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إثر استهداف سيارته التي كانت تقله قرب العاصمة طهران. ووجهت إيران أصابع الاتهام في قتل "عراب الاتفاق النووي" إلى إسرائيل التي دخلت بالفعل على خط التوتر.

ووصف الرئيس الإيراني حسن روحاني عملية الاغتيال بـ"الفخ الإسرائيلي"، متوعداً بردِّ بلاده في الوقت المناسب، كما توعَّد الحرس الثوري الإيراني بـ"انتقام قاسٍ". ولم تنفِ إسرائيل أو تؤكد بعدُ مسؤوليتها عن اغتيال العالم النووي الإيراني.

وبدلاً من الانشغال بالرد على اغتيال سليماني وزاده، تحاول إيران احتواء التصعيد الأمريكي الإسرائيلي وتجنب مواجهة عسكرية غير محسوبة العواقب.

ففي مخالفة لتصريحاتها المعهودة، تأخذ إيران التهديدات الأمريكية الأخيرة على محمل الجد، خشية حدوث تصعيد غير محسوب العواقب مع قرب رحيل إدارة ترمب عن البيت الأبيض.

ونفى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ما قاله ترمب من أن طهران كانت وراء هجوم صاروخي استهدف السفارة الأمريكية في بغداد. وكتب ظريف على تويتر "تعريض مواطنيك للخطر في الخارج لن يصرف الانتباه عن الإخفاقات الكارثية في الداخل".

وكان ترمب قد كتب قبلها على تويتر "نصيحة ودية لإيران: إذا قُتل أمريكي واحد فسوف أحمل إيران المسؤولية. عليكم أن تفكروا في الأمر".

ويمكن فهم محاولات التهدئة والتبرير الإيرانية هذه المرة بالتزامن مع تصعيد الإجراءات الأمريكية الأخيرة التي قد تشير إلى إمكانية تنفيذ عمل عسكري ضد طهران.

ففي ديسمبر/كانون الأول الجاري، رست غواصتان حربيتان أمريكية وإسرائيلية في مياه الخليج، في ما يبدو أنها رسالة واضحة إلى إيران، قبل مغادرة ترمب البيت الأبيض.

وقالت قناة "كان" العبرية إن تل أبيب "تُكثف استعداداتها خلال الفترة الأخيرة، تحسُّباً لرد إيراني محتمل على اغتيال العالِم النووي محسن فخري زاده".

كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية نهاية عام 2020، إرسال قاذفتي قنابل إضافيتين من طراز B-52 إلى الشرق الأوسط بهدف "ردع العدوان"، وسط التوترات المستمرة بين طهران وواشنطن.

وقال قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط الجنرال فرانك ماكينزي في 21 ديسمبر/كانون الأول، إن بلاده "مستعدة للرد" في حال هاجمتها إيران في ذكرى اغتيال سليماني.

انتظار بايدن

لكن في تقدير ماكينزي فإن إيران ورغم وجود رغبة لها في الانتقام "فإنها لا تبحث عن حرب أو مواجهة مفتوحة مع أقوى جيش في العالم".

وتشير بعض التقديرات إلى أن إيران تحاول تجنب المواجهة مع الرجل الذي أمر باغتيال سليماني، مع قرب رحيله من البيت الأبيض، أملاً في فترة أكثر هدوءاً مع قدوم جو بايدن.

ويقول موقع "atlantic council": "بعد عام رهيب، هناك فرصة للعودة إلى الدبلوماسية مع إيران قبل انتخاباتها الرئاسية في يونيو/حزيران".

ورأى أنه "لا تستطيع الولايات المتحدة، وإسرائيل، شق طريقهما في منع انتشار الأسلحة الإيرانية أو تحقيق هذا الهدف من خلال الهجمات. أثبتت الدبلوماسية فقط فعاليتها في تقييد أنشطة إيران النووية"، وهو الخيار الذي يبدو أن طهران قد تجنح إليه في فترة بايدن.

وهنا، قال راز زيمت المتخصص في شؤون إيران بجامعة تل أبيب ومعهد دراسات الأمن القومي: "حاول إسماعيل قآني إقناع المليشيات العراقية وحزب الله بعدم فعل أي شيء قبل مغادرة ترمب، لكنني لست مقتنعاً بأنهما تحت سيطرة إيران بالكامل".

وتقول صحيفة "ذا هيل" الأمريكية: "أظهر التاريخ مع إيران أن أي إجراء يتخذه المرشد الأعلى سيكون متعمداً يجب أن يوازن بين الأهداف المحتملة والعواقب العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية إذا تم تنفيذ الهجمات بالفعل".

في الوقت الحالي، من بين الاعتبارات التي يجب على المرشد الأعلى تقييمها حال التفكير في أي هجمات، احتمال تقليص حملة "الضغط الأقصى" من إدارة ترمب وحدوث نهج دبلوماسي جديد مع فريق بايدن القادم.

وقال مسؤول دفاعي كبير يشارك بشكل مباشر في المناقشات الاستخباراتية الأمريكية لشبكة CNN: إنه "لا يوجد جزء واحد من المعلومات الاستخبارية الداعمة" يشير إلى أن هجوماً من جانب إيران قد يكون وشيكاً.

ويتهم منتقدو ترمب إدارته بالبحث عن سبب لبدء مواجهات عسكرية مع إيران في الأسابيع الأخيرة من رئاسته كوسيلة لتخريب خطط الرئيس المنتخب جو بايدن للدخول مرة أخرى في اتفاق نووي مع إيران، وفق ما نقلت "ميدل ايست آي".

ومن المقرر أن يتولى بايدن رئاسة البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني الجاري، وقد أوضح نياته لإعادة التفاوض على اتفاق مع طهران، لينهي أربع سنوات من حملة "الضغط الأقصى" التي شنتها واشنطن ضد الجمهورية الإسلامية.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً