خيّم الحزن على مدينة الموصل التي فقدت نحو 120 من أبنائها، غرقوا في حادث العبّارة التي انقلبت في نهر دجلة. ورغم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، إلا أن أصوات غاضبة طالبت بمحاسبة المسؤولين ومحاربة الفساد.

حادث انقلاب العبّارة يعد أحد أسوأ الكوارث الإنسانية في العراق منذ سنوات
حادث انقلاب العبّارة يعد أحد أسوأ الكوارث الإنسانية في العراق منذ سنوات (AA)

يأبى الموت أن يفارق مدينة الموصل منذ سنوات، فبعد فترة طويلة من المعاناة إبان سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على المدينة، اتسمت بالقتل والتخريب، عادت المأساة مجدداً لتحيط بها، لكن هذه المرة بسبب كارثة إنسانية.

نهر دجلة الذي طالما كان ملاذاً آمناً للناس من ويلات التنظيم الإرهابي، يلفظ هذه المرة نحو 120 عراقياً، حسب مصادر في الطب العدلي، بعد انقلاب عبارة كانت تقل ما يزيد عن 200 شخص.

وعلى إثر الحادثة الأليمة، سارعت الجهات الحكومية الرسمية، إلى معاينة المكان وإعلان الحداد الرسمي وفتح تحقيق في الواقعة، إلا أن أهالي الضحايا وسكان المدينة، سارعوا لينقلوا غضبتهم للمطالبة بفتح ملفات الفساد في العراق انطلاقاً من الحادثة.

من المسؤول؟

شكلّت ردة فعل أقارب ضحايا عباّرة الموصل على المسؤولين عند وصلهم لمكان الحادثة، فصلاً آخر من المطالبات المستمرة من العراقيين بمحاربة الفساد ومحاسبة المسؤولين، التي طالما كانت تقابل بالتقصير من قبل الحكومة.

وعبّر سكان المدينة عن سخطهم تجاه محافظ نينوى نوفل حمادي العاكوب، لدى وصول موكبه إلى موقع غرق العبّارة حيث هاجمه محتجون غاضبون من أهالي الضحايا بالحجارة وهتافات تندد بالتقصير.

الأمر الذي أجبر العاكوب على الهرب من موقع الحادث، ومحاولة الخروج من الحشد بسرعة مما تسبب، في دهس، اثنين من أقارب ضحايا حسب شهود عيان.

امر ديواني —————— تشكيل خلية أزمة لمعالجة الأوضاع في محافظة نينوى بناءً على الصلاحيات المخولة لنا، وبسبب الأوضاع...

Posted by ‎عادل عبد المهدي Adil Abd Al-Mahdi‎ on Friday, 22 March 2019

على إثر ذلك، أوقف رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، عمل محافظ نينوى، لحين استكمال التحقيقات بالحادثة فيما أصدر أمراً يقضي بتشكيل خلية أزمة في المحافظة لتسيير المهام التنفيذية فيها.

وكان مجلس محافظة نينوى، قد أصدر قرارات بسحب الرخصة الاستثمارية للجزيرة السياحية التي تتبعها العبّارة الغارقة، وإحالة مالك العبّارة وإدارة الجزيرة إلى القضاء، فضلاً عن التحقيق مع مجموعة من مسؤولي المحافظة.

وقال بيان للمجلس إنه تقرر اعتبار ضحايا العبّارة شهداء، وتعويض الناجين بما يلائم حجم الضرر.

العراقيون يتوحدون

لم تكتف مدن العراق الأخرى بتنكيس الأعلام وإعلان الحداد وتوشح السواد، بل سارعت مباشرة للتضامن مع هتافات الموصليين ضد الحكومة.

وشهدت مدن النجف وذي قار وكربلاء وبابل والبصرة وبغداد والقادسية وصلاح الدين والأنبار، تجمعات عند نهري دجلة والفرات جرى خلالها إقامة صلوات على أرواح الضحايا، وترديد هتافات تطالب بوقف الفساد.

بالصور.. أبناء الموصل وبغداد والأنبار وديالى يُصلونَ (صلاة الغائب) على شهداء حادثة العبارة. #الخوة_النظيفة #رسائل_الى_الموصل

Posted by ‎الخوة النظيفة‎ on Friday, 22 March 2019

من جانبها دعت مرجعية النجف والمجمع الفقهي في بغداد إلى محاسبة المسؤولين عن الحادث، وتقديم المسؤولين الحكوميين المتورطين استقالاتهم.

وقال ممثل المرجع علي السيستاني أحمد الصافي، في خطبة الجمعة إن "المرجعية تطالب بالكشف عن ملابسات ما حدث، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الحادثة المأساوية. هذه الحادثة المؤلمة تشير إلى خلل كبير في النظام الإداري في الدولة، وعدم قيام الأجهزة الرقابية بدورها، وهذا جزء من الفساد المستشري".

وطالب المجمع الفقهي العراقي في بيان، الحكومة بإيقاع "أقصى" العقوبات على المقصرين في حادثة غرق العبّارة، وتعويض الضحايا، وفتح تحقيق عاجل وإظهار نتائجه للشعب العراقي.

كما بدأ الكردينال مار لويس روفائيل ساكو موعظته يوم الجمعة، في كاتدرائية مار يوسف - خربنده بالعاصمة بغداد، بالترحم على أرواح ضحايا العبّارة، وتأسف لغياب إجراءات السلامة، وللشعور بعدم المسؤولية من القائمين على هذه الوسيلة الترفيهية السياحية.

مأساة العيد

يعد حادث انقلاب العبّارة أسوأ كارثة إنسانية في العراق منذ سنوات، بعد أن خلّفت الحروب المتلاحقة وهجمات التنظيمات الإرهابية مئات الآلاف من الضحايا.

لكن حوادث الغرق في النهر نادرة الوقوع، وآخرها عام 2013 عندما غرقت عبّارة مطعم لبناني في بغداد ما أدى لمقتل خمسة أشخاص.

وسبق ذلك حادث مأساوي في أغسطس/آب 2005، أوقع 965 قتيلاً جراء تدافع على جسر خلال مسيرة لتأدية زيارة إلى مرقد الإمام الكاظم في شمال بغداد، إثر شائعة بوجود انتحاري بين الزوار.

وتحمل هذه الحادثة طابعاً مؤلماً لمصادفتها الاحتفالات بعيد النوروز، الذي يمثل بداية فصل الربيع في العراق والمنطقة.

وللمفارقة، فإن الشعوب الإيرانية والكردية والأفغانية والباكستانية وشعوب وسط آسيا تحتفل بالنوروز، باعتباره يتزامن مع تجدد الطبيعة عند بداية فصل الربيع، ويبعث برسائل الحياة كالتفاؤل والحب والأمل والسلام، إلا أنه حمل هذه السنة مأساة للعراقيين، ألبستهم السواد وأنستهم فرحة العيد.

المصدر: TRT عربي